"أنا أعرفك"
نطق بها الرجل الذي كان خلفه في صف انتظار القهوة، قهوته الصباحية التي لا يستطيع تركها مهما كان هناك من مزعجين يريدون أن يحوموا حوله.
ليس بالطبع ﻷنها قهوة مميزة، بل ﻷنه المقهى الوحيد الذي يقدم قهوة في هذه الجزيرة المنعزلة، ﻷنه المقهى الوحيد في جزيرة صغيرة مكونة من مائة شخص يعرف كل واحد منهم اﻵخر، وكمجتمع داعم، قرر اﻷهالي شراء القهوة كل صباح من هنا.
لا بأس معه في ذلك، لقد اعتاد اﻷمر، دعم أصحاب المشاريع الصغيرة، بالإضافة أن ذلك جعله يقترب من السكان المحليين للجزيرة، وهذه خطوة أساسية إن كنت تريد العيش في مجتمع صغير كهذا.
ما لن يعتاد عليه -ولم يستطع اﻹعتياد عليه في حياته السابقة في المدينة- هم الفضوليون، أولئك الذين يريدون أن يعرفوا ما الذي حدث؟
لقد اختفى لفترة، بعد أن كان مهووسا بالهاوية؛ لذلك بالطبع يريد الجميع أن يعرف ما الذي حدث.
وليت الأمر يقتصر على الفضوليين وحدهم، بل بدأ يشك أن من يهرب منهم قد اشتبهوا فيه أيضا.
لن يخفي اﻷمر بالطبع، لكن لكل شيء وقت مناسب، طريقة مناسبة، عليه أن يروي الحكاية، أن يذيع ما حصل، قبل أن يخفوه من الوجود.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف وجده؟
ألقى نظرة على الشاب الذي خلفه، شاب في مقتبل العمر، بشري بالتأكيد، ومظهر بسيط لكن شبه منهدم، ومن الواضح أنه لم ينم منذ ليال. وقبل أن يعطيه فرصة واحدة لقول ما لديه، نطق ناصحا "أنت صغير للغاية لتسبب لنفسك أعداء عاشوا قبل جدك اﻷكبر"
كانت نصيحة صادقة من القلب، لقد عاش عمرا طويلا، كل من حوله اختفوا، والكثيرون من الذين استعان بهم واجهوا مصيرا دمويا؛ لذلك لن يحمله على عاتق أحد وبالتأكيد لشاب في مقتبل عمره، والبشر لا يعيشون طويلا؛ لذلك على الشاب أن يعيش حياته ينشر أخبارا عادية.
"صحيح أننا لا نعيش طويلا" نطق بها الشاب ذو الابتسامة الواسعة وكأنه يقرأ ما يجول في ذهنه "لكننا واسعوا الحيلة"
تجاوزه هازا رأسه في استسلام لعناد البشر، لكن الشاب لحقه بعد أن خرج من المقهى "لذلك ما رأيك أن تترك قصتك لي؟"
هز رأسه رافضا "اذهب أيها الشاب، لا طاقة لك بهم" ثم مضى ماشيا في حين توقف الشاب دقيقة قبل أن يصيح قائلا "تعلم أنها مسألة وقت قبل أن يجدوك، قبل أن تجد كاتبك المثالي وناشر قصتك، إن وجدتك أنا فما الذي يمنعهم؟"
استمر بالمشي قبل أن يوقفه ما قاله الشاب في اﻷخير "أنا أعلم ما لا يعلمون، أنا أعلم لم تركوك؛ تركوك ﻷنك الوحيد المتبقي من عشيرتك أليس كذلك؟ لتروي شيئا مهما أليس كذلك؟"
"كيف عرفت؟"
"لقد كنت أحوم هناك حين خرجت. كنت مضطربا حينها وقلت: عليّ أن أروي الحكاية. لم يسمعك الشرطيون، لم يسمعك أحد، لكنني فعلت. وإنها لمسألة وقت قبل أن يدركوا هوية الناجي الثاني الذي نجا من الهاوية"
ابتسم مطلقا زفيرا سريعا من أنفه "أنتم البشر"
"هل هذا يعني أنني استحققت نشر قصتك؟"
"على مسؤوليتك الخاصة بني"
"صدقني لقد نجوت من ما هو أسوأ من ذلك"
.
.
وضع أمامه أربعة نصوص، كل حكاية مختلفة، الأولى أسطورة، الثانية حكاية شعبية، أما الثالثة فهي جريدة حديثة، خبر مازال حديثا، والأخيرة فهي حكاية الهاوية.
"لم تريني هؤلاء؟ أعني ما علاقتهم بالهاوية؟" سأل الشاب في حيرة وهو يتفحص القصص الثلاث الأخرى
"كل حكاية حدثت في قرن مختلف، مملكة مختلفة، ولا يربط بينهم أي عرق، ومع ذلك إنهم مرتبطون للغاية بالهاوية، أريدك أن تعرف بينما أحكي لك ما الذي يربط ثلاثة نصوص من ثلاثة قرون مختلفة ببعضها البعض، أريدك أن تجد الرابط بينهم"
ثم جلس أمامه وقبل أن يحكي الحكاية قائلا
"أنا نفسي لم أكتشف بعد، لكنهم أخبروني، أن الرابط بينهم هو المهم، وكل ما أعرفه أنه رابط خطير للغاية"
ظهرت ملامح الحيرة على ملامح الشاب "هم؟"
"استمع جيدا أيها الشاب، فربما تفهمها أكثر من عقلي العجوز"
(الحكاية التالية مروية من طرف راو آخر بالإضافة إلى الناجي الثاني. روى الناجي الثاني ما رآه فقط)
A.Th