"مالذي فعلتِه؟"
صوت صدى أنثوي، كان يتردد حولها، حول أرهسين الراقدة بسبب دفعة الهواء التي قذفتها على الجدران الحجرية؛ مما أفقدها الوعي.
لم يكن معلوما لها المدة التي كانت فيها فاقدة للوعي، ولا المدة التي كان يردد فيها ذلك الصوت ذات السؤال، لكنها متأكدة أن ذلك ما أيقظها.
ظل الصوت يتردد ويتردد حتى بعد مدة من استيقاظها، كان يمنعها من التفكير حتى في اتخاذ خطوة نحو ذلك المدخل المظلم الذي أمامها، لا يوجد طريق آخر؛ لكنها مترددة من العبور، خائفة مما يكمن في ذلك الظلام الذي يقع في نهاية الطريق المضاء بطحالب زرقاء مشعة.
تكرار الصوت أصبح مزعجا في تلك النقطة، مصيبا لها ضيقة في الصدر، ثم أصبح الصدى أقوى، مقتربا دانيا، ومصدره هذه المرة من أكثر الأماكن التي لا تريد التفكير فيها: خلفها، التفتت برأسها، ناحية المدخل الذي سُحِبَت منه.
أصبح الصوت أقرب، وكأن مرددتها تقترب شيئا فشيئا عابرة المدخل، قبل أن تسمع صرخة أفزعتها من المدخل، صرخة ذات وزن ومادة صِيحَت لمرة واحدة
"مالذي فعلتِه لتستحقي التواجد هنا؟"
أفزعها السؤال بقدر ما أفزعتها الصرخة لدرجة أنها ركضت إلى ذلك المدخل المجهول لتتوقف بعد أن وجدت نفسها قد ارتطمت بجسد ممتلئ مما جعلها تسقط إلى الخلف.
أرهسين ليست ضعيفة البنية، ولا نحيلة أو هزيلة، كانت ذات بنية متوسطة، وتمارس التمارين بانتظام؛ لذلك أيا كان من قذفها فقد كان قويا، ويال دهشتها حين رأت العجوز سارة تقف أمامها وعلى وجهها أمارات القلق والخوف، وفي يدها فانوس في حين كانت تربط جرة في ثوبها الأخضر الداكن.
"يا إلهي، إنها أنتِ" قالتها بنبرة فزعة وهي تمد لها يدها "أنا آسفة لقد كنت أركض من تلك الوحوش، وحوش مرعبة أرادت التهامي، يا إلهي لم يقذفني أحد إلى هنا حتى"
"ماذا؟" سألت أرهسين باستغراب وهي تقف "هل أتيتِ بمحض إرادتكِ مثلهم؟"
هزت "لا \-والعياذ بالله\- لست أكره نفسي. لقد سقطت"
ارتفع حاجبا أرهسين بينما رمشت بسرعة "سقطتِ!"
ابتسمت سارة مقهقهة في حين ضربت كتفها بخفة "لقد كنت أجمع الفطر قرب الهاوية حين انزلقت، ياله من أمر مضحك" واستمرت في القهقهة.
"ربما الصدمة ما تضحكها" قالتها أرهسين في سرها، ثم سألتها "ولكنك سُحبتِ إلى باب مختلف"
"لا أعلم أين كنت أسير، أعتقد أن الطرقات متصلة، كل ما أذكره أنني كنت أهرب من تلك الوحوش التي توقفت عن مطاردتي منذ أن دخلت إلى هنا"
همهمت أرهسين "غريب"
"أعتقد أنهم يحرسون ذلك المدخل فقط" قالت سارة\.
"ربما صحيح"
ناولتها جرة المياه التي كانت تملكها بعد أن هدأ الموقف بدأ لهاثها يصبح أعلى "شكرا"
أخذت جرعة قبل أن تعيده لها قاطبة حاجبيها "هذا الماء طعمه غريب"
أخذته منها باسمة "إنه ماء به أعشاب تقوية، كيف تظنينني أحافظ على قوتي بهذا العمر؟"
إنها قوية بالفعل بالنسبة لامرأة في سنها، فلم تسقط على الأرض سابقا كما حدث مع أرهسين.
وقع بصر كلتاهما على المدخل الذي أمامهما، والطريق الصخري المعبد المضاء بالطحالب كما سابقه "هندسة هذا المكان عجيبة" قالت سارة.
"هل توجد سجلات عن أصلها؟"
"عن كيف تكونت؟ لا أحد من السطح يعرف. قافلة باحثة وجدتها لأول مرة أرسلوا فرسانهم، وقتلوا بعد أن دخلوها ولم ينج إلا شخص واحد"
ثم التفتت إليها والفانوس في يديها يرتفع وعينيها تتسعان "ولم يقل سوى الجحيم على الأرض، ثم لم ينطق بعدها أبدا"
"ماذا؟"
"تقول حكايات أنه فقد لسانه في ذات الليلة"
أعادت نظرها إلى المدخل الثالث "يقال أن سكان الهاوية طاردوه حتى لا ينطق مالا يجب عليه نطقه"
بلعت ريقها بصعوبة وهي تعيد نظرها إلى المدخل "يبدو الجنوب جنونا"
"إنه كذلك يا عزيزتي"
"أقصى مشاكل الشمال ارتفاع درجة الحرارة وسياسيون فاسدون، والجميع هناك بشر"
"إنهم بارعون في التخفي فقط"
"ماذا؟"
"هلا ندخل؟"
"ماذا تتوقعين يوجد هناك؟"
تقدمت للأمام "أنا مثلك لا أعلم، كل ما أريده هو الخروج وطبخ العشاء لقططي" فتبعتها أرهسين في صمت، سارتا لفترة في الظلام مستدلين بضوء فانوس خافت قصير المدى، وقد بدى أنه سينطفئ في أية دقيقة.
فجأة أضواء حمراء دموية انبثقت من كل مكان لتجدا نفسيهما في منتصف عالم من المرايا المضاءة بلون دموي، وانعكاسهما في كل مكان، من فوقهما ومن تحتهما، عن يمينهما وعن شمالهما.
حاولت أرهسين أن تخطو خطوة إلى الأمام لكن رأسها صدم بإنعكاسها "يا إلهي كيف دخلنا إلى هنا؟"
"لقد كنا نسير في طريق مستقيم، كيف لم نلحظ المتاهة والمرايا؟"
بعد سؤالها تحركت المرايا التي فوقهم وتحتهم في حركة دائرية شعرتا بها "ربما هذا يجيب على سؤالنا"
في تلك اللحظة أصيبت أرهسين فجأة بصداع فظيع، صداع بدا وكأن ألف شخص يدق رأسها بمطارق من حديد ذات وقع مؤلم لدرجة أنها سقطت على الأرض وهي تصرخ بشدة ممسكة رأسها بيديها\.
ألم فظيع جعل عينيها وأذنيها تنزفان دما، وقد بدا لها في تلك اللحظة أن تلك نهايتها.
لكن ولدهشتها خف ذلك الصداع الفظيع بسرعة كما أتى بسرعة، قامت بسرعة وهي تنظر إلى المرأة بجانبها والتي كانت تنظر لها بفزع وتوتر "مالذي حدث لكِ؟" ثم مسحت الدم من عينيها مُرِية لها "إنك تنزفين"
نظرت أرهسين إلى نفسها من أحد المرايا، متفحصة نفسها "مالذي حدث لي؟"
"ذلك ما أسأله أيضا"
استمرت بالنظر قبل أن تتبدل المرآة، من وجهها إلى مشهد، مشهد امرأة جالسة تبكي بحرقة، واضعة يديها على وجهها، وتتمتم بكلمات لا تستطيع سماعها، اقتربت أرهسين أكثر لتسمع ما تقوله واضعة كلتا يديها على المرآة
"أنـا آسـفة، سـامحني، سـامحني يا هـاروثين"
A.Th