"هل ترين ذلك؟"
تراجعت أرهسين إلى الخلف من الدهشة والخوف ملتفتتا إلى سارة مشيرة بذراعها إلى المرآة "هناك امرأة في المرآة، إنها تبكي"
نظرت سارة إلى حيث أشارت ثم إليها "لا يوجد شيء"
ابتسمت بتوتر، ورغم أنها تعرف، تعرف تمام اليقين، ما رأت، لكنها لا تريد، منكرة، رافضة الفكرة وبسؤال يبدو أكثر أنه رجاء بأن تغير إجابتها رغم معرفتها الجواب " هل أنتِ متأكدة؟"
هزت الأخرى رأسها وهي تقترب من إنعكاس أرهسين ووضعت سبابتها "نعم، هذه أنتِ" ثم إلى إنعكاسها "وهذه أنا" ثم التفتت إليها بتعبير قلق "هل أنتِ بخير يا عزيزتي؟"
جفلت، وارتعدت أوصالها، بدأ جسدها بالتعرق، وانقبضت معدتها، بسرعة أدخلت يديها في جيوبها لكن لا أثر؛ لأنها لم تحضره معها؛ لأنها تركته في الخزانة، أصيبت فجأة بنوبة هلع، ما هو أسوأ من أن تفقد دوائك في هاوية مميتة.
وليس أي دواء، دوائك الذي تتناوله حتى لا تهلوس، دوائك الذي تتناوله حتى لا تخلط بين الحقيقة والوهم، وياله من مكان، الظلام، سيد الهلاوس، مرتعها، وما هو ثاني أكثر مكان مفضل للهلاوس؟ مرايا مشعة، ويفضل لو كانت باللون الأحمر الدموي "لقد انتهى أمري" قالتها وقد سقطت على الأرض بركبتيها من هول صدمتها.
"مالذي يحدث؟"
"أسموها الأطباء أرهسين الأخرى، شخصية اخترعتها؛ لأنني كنت أتعرض للإيذاء في مرحلة ما من حياتي"
هزت رأسها في حين اقتربت الأخرى منها وربتت على كتفها "قلت لهم أنني لا أتذكر تعرضي لأي شكل من الأذى في حياتي، لكنهم قالوا بأن عقلي مسح تلك الذكريات المأساوية كنوع من المحافظة على سلامته العقلية، كما اخترع أرهسين الأخرى"
"أرهسين الأخرى؟"
"يقول الأطباء أنها امرأة من نتاج عقلي، امرأة غير بشرية، وأنني أعطيتها هوية، ذكريات، حياة، وحتى زوج، لكن الخطر بدأ حين قررت أرهسين الأخرى السيطرة على جسدي وغيابي عن الوعي في وجودها، ثم الهرب بجسدي، مدعية أنها تريد تحرير زوجها"
"في بعض الأحيان حين أتأخر عن تناول الدواء، أرى لمحات من الحياة الخيالية التي صنعتها لأرهسين، وفي معظم تلك الأحيان أراها تبكي وهي تعتذر إليه، تطلب منه أن يسامحها"
التفتت إلى سارة ضاحكة "صنعت لها حياة كاملة بسراتها وضرائها، أخبرتني أمي ذات مرة أن أحد الأطباء أخبرها أن تترك ابنتها التمريض وتصبح كاتبة؛ لأن هذا خيال خصب لكاتبة، معظم الأشخاص يهربون من الواقع لخيال سعيد وليس خيالا أسوأ من الواقع"
أخذت شهيقا عميقا وزفيرا أعمق "والآن سأبدأ أعاني من تلك الهلوسات مجددا؛ لأنني خُطِفت ودوائي ليس بحوزتي"
"هناك شيء غريب مع ذلك. كيف تفهمين لغة ميتة إذا؟ وكيف لا تتذكرين أنكِ تعرفينها؟"
ترددت أرهسين وتلعثمت في حيرة "أنا..أنا.. أنا لا أعلم ذلك أيضا"
حدقت سارة في أرهسين لفترة ثم قالت "لدي نظريتان: الأولى هي أنكِ قابلت أرهسين هذه في مرحلة ما من حياتكِ، الأكثر ترجيحا هي حين كنت تتعرضين للإيذاء، قلتِ أنها غير بشرية في خيالكِ فربما كانت كذلك، علمتكِ تلك اللغة وساعدتكِ في تلك الفترة من حياتكِ، ربما أصبحتما صديقتين مقربتين، أخبرتكِ كل شيء عن حياتها وحتى ندمها، فأصبحت تشفقين عليها، لدرجة أنكِ تبنيتِ حزنها ومآسيها وحتى ذاتها؛ كونها رفيقتكِ في تلك المرحلة المريعة من حياتك، ربما حتى كنوع من المواساة؛ لأنكِ لم تعرفي كيف تساعديها كما ساعدتكِ"
"النظرية الثانية هي: النظرية التي قالها زهير، أنكِ آذيت شخصا ونسيت كدفاع، ولكنني أضيف أنكِ بالفعل قابلتِ أرهسين الأخرى، علمتكِ التجاوز، والعديد من الأمور وحتى تلك اللغة، لكنها لم تؤذ أحدا، أنتِ فعلتِ، لم تستطيعي التعامل مع الذنب فوضعته في أرهسين الأخرى، مكونة نسخة شجاعة من تلك المرأة القوية لتتجاوزي تلك الأزمة، ربما العالم الذي أعطيته لها هو يشبه عالمك لكن بلمسة أسى تتناسب مع أرهسين"
"إذا في كلتا الحالتين قابلتها؟"
"تبقى نظرية" همهمت "ومع ذلك هناك شيء ناقص، قطعة مفقودة"
ثم صمتت سارة لبعض الوقت مجددا ثم سألتها "ألا تريدين أن تعرفي؟"
ضحكت بخفة "يبدو لي -أي كان- مجهولا ومرعبا"
"مع ذلك، ألا تريدين أن تعرفي أي شخص كنتِ؟ أنا متأكدة أنكِ لم تكوني مجرد ممرضة عادية"
"لم تظنين ذلك؟"
"لأن لا أحد يتكلم لغة ميتة بتلك الطلاقة وليس لديه ماض مذهل، مغامرة لا يجب أن تنسى"
توقفت أرهسين لتفكر، ماذا لو كانت محقة، ماذا لو كانت تمتلك ماض رائعا، لكنها توقفت عن تخيل ذلك الماضي الرائع بسرعة، وحل في تفكيرها سحابة قاتمة
"أنا خائفة، خائفة من السبب الذي جعلني أنسى في المقام الأول..أعني.. ماذا لو كان زهير محقا؟ ماذا لو نسيت بسبب أنني آذيت شخصا ما؟"
نظرت إليها سارة بحزم "إذا كان صحيحا، ألا تريدين أن تطلبي الغفران؟"
"أنا لا أعلم حتى من يكون؟"
"إذا عليكِ ألا تهربي مما قد ينجلي لكِ، ربما أرهسين الأخرى تعرف من آذيتِ؟"
"لماذا تظنين ذلك؟"
"لأنكِ قلتِ أنها ظلت تعتذر وتطلب السماح، ذلك يعني أن النظرية الثانية قد تكون صحيحة، أنكِ حملتها وزر ما فعلتِ؛ لأنها النسخة القوية منكِ"
"إذا ماذا أفعل الآن؟"
أمسكتها من كلتا ذراعيها وقالت
"عليكِ مهما حصل، أن لا تقاومي تلك الهلاوس، شاهديها كاملة، مهما كانت مؤلمة"
A.Th