بداية أليمة في في عالم مُريع

بداية أليمة في في عالم مُريع

29 0

• رمز المقاومة

كان الصمت يخيّم على المكان، يعبق بروائح المطهرات الثقيلة التي تملأ الأجواء، كأنها تحاول عبثًا إخفاء أنين الألم المتغلغل في الجدران.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تطأ فيها قدما حسام أرض هذا المكان الكئيب؛ فقد اعتاد مرافقة والدته وأخويه لزيارة والده المريض، الذي استوطنه مرضٌ من أخطر الأمراض.

مرضٌ غادر، كلف علاجه ثمنًا باهظًا يفوق قدرة الأسرة الفقيرة، وكان تامر -والد حسام- يدرك جيدًا أنه لا يملك ما يكفي حتى لإشباع جوع أهله ليومٍ واحد، فكيف له أن يتحمل ثمن العلاج و عبء أسرته بأكملها؟

لقد راودته فكرة الاستسلام أمام هذا الجبروت الخفي، لكنه ما استطاع أن يستسلم؛ فعيناه كانتا معلقتين بزوجته العزيزة، التي آثرت أن تهب وقتها وجهدها لتربية أبنائهما، رافضةً العمل -لينشئ أولادهما في أفضل حال- رغم احتياج الأسرة الملح.

ابنه الأكبر، الذي بلغ من العمر اثني عشر عامًا، كان

يحمل عبء الدراسة والعمل معًا، محاولاً أن يسد شيئًا من فجوة الاحتياج. ومع ذلك، فإن ما يتقاضاه لم يكن كافيًا لسداد تكاليف العلاج الباهظة.

دخلت الأسرة إلى الحجرة حيث يرقد الأب، وقد تمكن منه المرض حتى أفقده القدرة على الكلام. كان الإعياء بادياً عليه بوضوح، يكاد جسده الضعيف يعجز عن مجاراة أنفاسه الواهنة.

كان المشهد مؤلمًا .

بعد فترة وجيزة...

دخل الغرفة رجلٌ بدا كأنه قادم من عالم آخر، لا يشبه تلك الجدران الباهتة ولا صمت الحزن المخيم. كانت ملامحه تنطق بالأناقة، وثيابه نظيفة متناسقة، وشَعره مصفف بعناية، تفوح منه رائحة عطر فاخرة تبعث على الارتياح.

توجه بخطوات واثقة نحو تامر، وبادره بابتسامة ودودة:

• جيم : تامر! يا صاحبي الغالي، عامل إيه دلوقتي؟

يا رب تكون أحسن... شكلك والله كأنك طالع من مجاعة!

• تامر: والله يا صاحبي، العيشة بقيت صعبة جدًا... ومصاريف العلاج أو العملية فوق طاقتي.

• جيم: ولا يهمك يا أخويا، ربنا يفرجها... بس أنا دلوقتي جاي عشان موضوع مهم جدًا.

في تلك اللحظة، فهمت العائلة الإشارة، فانسحبوا بهدوء وتركوا المجال لصديق والدهم. بينما كانوا يخرجون، نظر حسام نحو الرجل الغريب، يتأمله بعينين واسعتين ودهشة لم يحاول إخفاءها، وسأل نفسه متعجبًا: "ازاي أبويا يعرف حد بالشياكة والغنى ده؟ دا أنا كنت فاكره معندوش أصحاب أصلاً!"

وفي الغرفة، دار الحوار في هدوء ثقيل:

• جيم : اسمع يا تامر، أنا دفعت كل التكاليف... بس في مستشفى تانية، أفضل من هنا بمراحل. لو مُصر ترجع الفلوس، يبقى تدفع على أساس إنك كنت بتتعالج هنا. مش هقبل أكتر من كده، وفلوسك ترجعها في الوقت اللي تحبه وبالطريقة اللي تحبها .

• تامر: أنت بتتكلم بجد؟ بس أنا ماطلبتش منك حاجة.

• جيم: أنا عارف، بس أنا مش مستني صاحبي يقولي إنه محتاجني... وقت ما تحتاجني، هتلاقيني.

لم تكن تلك مجرد كلمات تُقال؛ بل كانت مشاعر صادقه على هيئة ضوء ينير ظلمة اليأس في قلب صديق عزيز ، لم تمر لحظات على هذا الحوار حتى خرج الأطباء من الغرفة، وهم يدفعون سريرًا متحركًا يرقد عليه تامر وقد بدا عليه التعب والذهول. لم تكن العائلة تتوقع هذا المشهد، فتقدمت الأم بخطى قلقة وسألت بسرعة:

• الأم: واخدينه و رايحين على فين !!؟

• جيم (بفرحة حقيقية تلمع في عينيه): سيبيك من المستشفى التعبانة دي يا مدام... جوزك رايح أنضف مستشفى في المملكة ، مستشفى تخلي الواحد يخف من جمالها قبل علاجها .

في تلك اللحظة، التفت أحد الأطباء إلى جيم بنظرة مشحونة، نظرة تحمل مزيجًا غريبًا من الاستغراب و الاشمئزاز، وكأن لسان حاله يقول:

"أنت جاي تتبجح هنا ؟ دا لولانا لكان صاحبك ده بيتحاسب دلوقتي."

لكن الطبيب اكتفى بتضيق عيونه والنظر بعيدًا بضيق و بصمت ثقيل... أشبه برد ساخر بلا صوت.

• أما الأم، فلم تستطع تجاهل سؤال ظل يضغط على عقلها بقوة: منين جاب تامر الفلوس؟ العملية دي مش ببلاش، والمكان اللي رايحين له أكيد غالي... هل استدان؟ هل اقترض بفوائد؟ هل...؟

الأسئلة لم تجد لها إجابة، لكن الوقت لم يكن مناسبًا للتشكيك.

وصل تامر إلى المستشفى الجديدة، حيث خضع لعملية طويلة استغرقت ثماني ساعات متواصلة، كانت مشحونة بالقلق و التوتر و الخوف ، مرت على العائلة كأنها ثمانين عاماً ، أنهاها الأطباء بنجاح وسط ارتياح كبير.

استراح بعدها يومين كاملين ليستعيد كامل صحته، وحين وقف على قدميه، لم يكن مجرد جسد تعافى... بل روح نفضت عنها التعب.

فرحت العائلة بعودته كأنهم عانقوا الحياة من جديد .

• وابتسم تامر وهو يودّعهم متجهًا إلى عمله، قائلاً: "لازم أشتغل... في دين عليا، وصديق عمر لازم أرد له جميله، وفي بيت لازم يفضل دايمًا واقف."

وغادر بخطى ثابتة... تشبه عزيمته.

مرّ عامان منذ أن تعافى تامر من مرضه، عامان ثقيلان عاشتهما العائلة بين الجدّ والعمل الشاق، حيث بدأ حسام يعمل مع والده وأخيه أيهاب ليساهم في تحمل نفقات الحياة.

كان تامر لا يهدأ، يعمل في أربع وظائف متتالية يوميًا دون انقطاع، فيما انشغل أيهاب بوظيفته كمساعد مدرب في نادٍ للفنون القتالية، يتعلم ويُعلّم، بينما بقي حسام إلى جانب والده، يعاونه في قطع الأخشاب واقتلاع الشجر من جذوره، في عمل مرهق لا يرحم.

وفي ليلة بدت عادية، أتى إلى الكوخ شخص لم تطأ قدماه المكان منذ زمن طويل... جيم.

طرق الباب ، ما إن فُتح الباب قام بالاستئذان للدخول ، ثم دخل على الفور دون أي مقدمات ، ونظر إلى تامر نظرة ثابتة ، ثم سلّم عليه بخفّة لا تعكس شوقًا، بل تذكيرًا بالعهد.

• تامر (بدهشةٍ لا يخفيها وحنينٍ يغلبه): إيه يا راجل... بقالنا كتير مش بنشوفك...سنتين كاملين متسألش عني، ولا حتى رسالة؟ فين كنت؟ اشتقتلك والله.

• جيم (بصوت هادئ، ونبرة محسوبة تكاد تخلو من الانفعال): الحياة تمشي يا تامر، وكل واحد بيغرق في همومه. أنا دلوقتي في أزمة مالية... وجاي أطلب فلوسي.

• سكت لحظة، ثم تابع بنفس البرود : المبلغ اللي أخدته منّي، محتاجه خلال شهر... بالكثير.

• تامر (وقد اختلط صوته بمزيج من الدهشة والضيق): شهر؟ بس ده وقت قليل جدًا، صعب أجمع المبلغ كله كده فجأة.

• جيم (بلهجة حاسمة، دون رفع صوته أو خفض عينيه): أنا مش معنيّ بالظروف... كل اللي يهمني هو إن المبلغ يرجع في وقته. مبحبش أوصل لمرحلة الزعل، و إنت عارف دا.

نظر إليه تامر طويلًا... كأن الكلمات لم تُصبه فحسب، بل اخترقت قلبه، لكنه لم يجد ما يُقال. بقي واقفًا وهو يتابع صديقه القديم يخرج من الكوخ بنفس الهدوء الذي دخل به.

تركت خطوات جيم خلفه صمتًا ثقيلًا، بينما ارتسم على وجه تامر خليطٌ من الحيرة، الانكسار، وخيبة الأمل .

غادر تامر الكوخ بعد وهلة من صمتٍ ثقيل، لم يخبر أحدًا إلى أين يذهب، فقط أخذ خطواته ومضى، تاركًا خلفه أسئلة معلّقة وقلوبًا قلقة.

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وعمّ الهدوء المكان. خلد أفراد الأسرة إلى النوم رغم القلق الذي يسكن صدورهم، متمنين في صمت أن يعود تامر في الصباح، كما اعتاد.

لكن الصباح أتى... وتامر لم يعد.

لم يجرؤ أحدهم على إظهار القلق بصوت عالٍ، فقط تبادلوا النظرات بصمتٍ مُرّ، ثم انطلق كلٌ من أيهاب وحسام إلى عمله كالمعتاد، علّ الروتين يبدد بعض الخوف.

في طريقه إلى العمل، لمح حسام والده وهو يهم بضرب شجرة ضخمة، وما إن هوت الفأس ضربة واحدة حتى سقطت الشجرة دفعة واحدة، كأنها استسلمت من التعب مثله.

هرول حسام إليه، وقد ضاق صدره بالقلق المكتوم:

• حسام: أبي... رحت فين وسبتنا البارح؟

• تامر (يرد بصوتٍ متعب، يشوبه الحزن): لازم صاحبي يلاقيني وقت ما أحتاجني... زي ما لقيته وقت ما احتجته . يلا بقى، قم علشان نخلص شغلنا.

كان رده كافيًا ليصمت حسام، لكنه لم يُطفئ القلق في عينيه.

مرّت الأيام ثقيلة. ظل تامر يعمل بلا انقطاع، يسابق الوقت، يحاول جمع المال بأي وسيلة ممكنة. لم يكن يرتاح إلا أربع ساعات يوميًا، بالكاد تلتقط فيها أنفاسه، قبل أن يعود لسلسلة العمل من جديد.

ورغم الجهد والتعب، لم يكن الدخل كافيًا، وكان هو يعلم ذلك... لكنّه لم يتوقف.

العائلة، رغم تعبهم، لم يتركوه وحده. أيهاب عرض عليه نصف أجره، وحسام أخفى عنهم أنه يعمل ساعات إضافية في الليل. كلٌّ منهم حاول أن يُخفف عن الأب عبء الأيام الثقيلة.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد زيارة جيم، بينما كان الكوخ غارقًا في صمت النوم، دوّى صوت طرقٍ على الباب.

فتح تامر عينيه في الحال، كأنّه كان بانتظار ذلك الطَرق. نهض ببطء وفتح الباب...

وكان جيم واقفًا.

نظراتهما التقت، لكنها لم تكن كالسابق.

بدأ الحديث مباشرة، من دون أي تحية أو تمهيد:

• جيم (بصوت هادئ كالسُم، وعيناه لا تبتعدان عن تامر): جهّزت الفلوس يا... صاحبي؟

• تامر (يتنفس بصعوبة): لا... بس بعد بكرا بالكثير هتكون جاهزة.

• جيم (يميل برأسه قليلًا، يضغط على كلماته بثقل): أنا أتذكر إني قلت لك شهر واحد... مش كده؟ وعلى ما أظن... شهر أبريل مش ٣١ يوم، صح؟ ولا أنا اللي ناسي؟

• تامر (يحاول ابتلاع ريقه، يرد بخفوت): صح... بس يعني مش هتيجي على يوم.

• في لحظة صامتة، أخرج جيم مسدسًا أسود أنيق من داخل بدلته. لم يرفع صوته... لم يتغير تعبير وجهه... فقط قال: لا... هتفرق.

• ثم اقترب خطوة، وصوّب السلاح نحو تامر: زي ما خدت الفلوس في يوم... هترجعها في نفس اليوم. وساعة تأخير واحدة... ودماغك هتبقى مزهرية.

• تامر (يحاول الضحك، لكن صوته كان مرتعشًا، كأن روحه تحاول التمسك ببقايا صداقة قديمة): يا عم... فلوسك هترجعلك. بس استهدى بالله، دا حتى أنا مكنتش أعرف إنك شاطر في التمثيل كده... جبت المسدس اللعبه ده منين؟ من العتبة؟ بخمسين دينار؟

لم يضحك جيم.

• بل اقترب أكثر، حتى أصبح السلاح يلامس جبين تامر، ثم قال ببرود قاتل: أنا مش بهزر... ولو فلوسي ما كانتش جاهزة بكرا... جهّز المدفن بتاعكوا.

ثم استدار، وسار نحو الباب بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه تامر واقفًا في مكانه، يرتعش بين صدمة الخوف وكسرة القلب.

يغادر جيم المكان، تاركًا خلفه تامر في حالة من الذهول.

لماذا؟ لماذا قد يفعل أحدهم هذا بصديقه؟ أهو المال؟ أهي الغيرة؟

لكن ماذا يملك تامر، المسكين البسيط، ليكون سببًا في غيرة رجلٍ مثله؟

في الظل، خلف الباب الخشبي، كان حسام قد سمع كل شيء.

وقف يرتجف في مكانه، أنفاسه متسارعة، وعيناه متسعتان من هول ما رأى. أسرع إلى فراشه دون صوت، تظاهر بالنوم، لكن جسده المرتعش لم يطاوعه على الراحة.

أما تامر، فجلس لدقائق في صمت قاتل. أفكار مشوشة، قلب يئن، وصداقة كانت تُحسب عمرًا باتت تهديدًا للحياة. نهض ببطء... ثم خرج من الكوخ.

لم يُعلِم أحدًا، لم يترك كلمة، سوى نظرة خاطفة التقطها حسام من وراء الستار، نظرة كانت تحمل الوداع دون أن تنطق به.

مرّت الساعات، وجاء الصباح، وكالعادة توجّه حسام للغابة.

لكنه لم يجد والده فقط... بل وجده يضرب الشجر بفأسه كما لو كان يُفرغ أعوامًا من الألم.

كان يعمل دون توقف، دون راحة، بعينين لا تحملان سوى السهر والتعب.

فجأة، توقفت حركة الغابة...

سيارة سوداء فارهة، بلمعان لم يرَ مثله حسام في حياته، آتية من الطريق الذي يقسم الغابة . تتوقف على جانب الطريق، ويخرج من مقعدها الخلفي جيم كاربل، بكامل أناقته وفخامته المعتادة، وعلى وجهه ابتسامة غير مألوفة.

• قال بنبرة صاخبة وابتسامة مشوبة بالتهكم: "تامر، حبيبي... هاه، جهزت فلوسي ولا لسه؟"

يدخل تامر الكوخ دون أن ينطق بكلمة، خطواته ثقيلة كأن كل خطوة تحفر في الأرض غيظه المكبوت.

كان جيم واقفًا في الخارج ، مبتسمًا بثقة مستفزة، كأن شيئًا لم يكن.

• جيم (بلهجة ساخرة باردة): "إيه يا عم الاستقبال ده؟ دا أنا بحبك والله، وما قلت لك حاجه تزعلك."

خرج تامر ، و لم يرد . ألقى بحقيبة قديمة مليئة المال على الأرض بقوة، نظراته مشتعلة بالغضب، أنفاسه حادة، وعينيه تنطقان بالحنق والخذلان.

• جيم (نبرته تتغير ببطء، يختلط فيها الغرور بالتهديد): "لا كده... كده أنا اللي أزعل منك. مش فارق معايا ترمي الفلوس في وشي، إنما تيجي ناقصه خمسة وعشرين ألف دينار؟... أزعل جامد."

• تامر (بصوت متهدج من شدة الكبت والغضب):

"الفلوس هترجعلك... ابني جايب الباقي وراجع."

جيم (بابتسامة باردة و خبيثة):

"ماشي...نستنى و ماله ، بس آخره لحد العصر .

يسود صمت قصير، يخلع جاكيت بدلته بعناية، يطويه ويضعه على حجر. ثم يجلس على جذع شجرة مائل، وكأنه جاء ليستجم، لا ليطالب بدين.

جيم (بلهجة مستفزة باردة):

"عارف؟ قعدتي هنا مش سيئة... الجو عليل، صوت الريح بين الأشجار، وريحة العرق والبؤس... فيها لمسة نوستالجيا ."

تامر لا يرد. يكتفي بتثبيت عينيه عليه، كأنما يزن كل كلمة بدم بارد.

جيم (يكمل بابتسامة شيطانية):

"بس إنت... إزاي لسه عايش؟!

كوخ مترهل، بدل الشغلانة أربعة ، عيلة بتاكل كل يوم بستر ربنا...

ومع ذلك رافع راسك؟ مفكر نفسك بطل؟"

قبضة تامر تنقبض. وجهه لا يزال صامتًا، لكن عضلاته تحكي قصة كاملة.

جيم (صوته يتحول لنغمة أقرب للسخرية الدافئة):

"حسام؟ الواد طيب... عينه بتلمع لما يبصلك،أفتكرك بطل هو كمان .

بس لما يشوفك ممدد على الأرض، هيفهم إن الحياة مش حكايات شرف وفداء.

الحياة قوة و سلطة ، و أنا اللي في إيدي اللعبة دلوقتي."

تامر يزفر ببطء، يغمض عينيه لحظة، ثم يفتحهما ببطء شديد، نظرة جامدة، خالية من الرحمة.

جيم (يخفض صوته وهو يتظاهر بالتعاطف):

"وإنت مراتك؟

كانت جميله جدًا... رغم البؤس.

بس أكيد وهي بتموت، هتدعي تموت بسرعه عشان تخلص من اللي هي فيه...

يمكن لو كانت معايا كانت عاشت في قصر بدل ما تعيش و تموت في كوخ."

هنا، تامر يتقدم خطوة... ،يستجمع كل قوته و غضبه في قبضته ،ينزل تامر بقبضته كالنيزك على وجه جيم ، يطرحه أرضاً من على الجزع .

• جيم (بنبرة متعجبة و مُستهزئة):

آااه... لا بس حلوة منك دي ، عجبتني ، بس مش هردها لك دلوقتي ، حسابنا بعدين .

ثما يتابع :

• جيم (بهمس مشمئز من شدة الغل): "أنت هاجمتني بقوة بعد ما كنت ساكت ، شكلك زعلت . بس أنت لسا ساكت بردو ، عارف دا معناه أيه؟

معناه إنك اتكسرت... بس للأسف، أنا لسه ما خلصتش."

تامر لا يزال ساكتًا، لا حركة... لا همسة... فقط عينه كالسيف، تُحدق بثبات لا يُكسر.

• جيم (يقف، يمد ذراعيه في الهواء وكأنه يُنهي خطبة): "هستناكوا لحد العصر... بس لو ابنك اتأخر، هتشوف مني وش عمرك ما شفته."

ثم يرتدي جاكيت بذلته و يجلس مجددًا، كأنما يخطط لقضاء يوم نزهة، لكن هذا المكان تحول الآن لساحة حرب مشتعلة...

صامتة.

• جيم (ينظر حوله بهدوء قاتل، ثم يبتسم ابتسامة ميتة لا روح فيها):

"يعني لسا مجاش؟ ...تمام."

• تامر (و وجهه يحمل مزيج من الغضب و الحقد و القلق): قلت لك أنه جاي ، أ...أستنى شوية ، هو أكيد في الطريق .

• جيم (بتعابير باردة ، خالية من الحياة أو المشاعر ، و لمحة من الغضب المكتوم): أظن الوقت اللي أنا أستنيته مش قليل .

• يسحب مسدسه بهدوء وتهكم، يرفعه بلا تردد ويقول: "خلاص... أبعته لك بعد ما آخد اللي فيه النصيب."

في لمح البصر، تنفجر رصاصة من فوهة السلاح، لكن تامر كان أسرع...

تفاداها بانزلاق جانبي حاد، وانطلق بجسده الغاضب، ولكم جيم لكمة كالصاعقة أسقطته أرضًا بقوة.

يسقط جيم لكنه لا يصرخ... لا يتألم... فقط ينهض ببطء، يربّت على بدلته المغبرة، ثم ينفجر ضاحكًا.

ضحكة مجنونة، حادة، مرعبة، تخرج من أعماق نفس ملوثة… كأن الألم يثير إعجابه… كأن الفوضى تُنعشه.

• جيم (يهمس بصوت شبه مبحوح): "كويس... أخيرًا ظهرت.

• يكمل جيم (بضحكة مجنونة ونبرة مزيج بين الإعجاب والاحتقار):

"مكنتش متوقع إنك هتتفاداها... لا وكمان تضربني؟! ضربة قوية جدًا...

بس تصدق؟ ده بيحمسني أكتر.

لأني... أنا مفيش حد أقوى مني."

ينقض جيم فجأة على تامر، يركله بقوة أسفل ذقنه، صفعة عنيفة تكاد تقتلع رأسه من مكانه، يتطاير جسده ليسقط بعنف على التراب، يتناثر الغبار، ويتناثر معه أنينه.

قبل أن يلتقط تامر أنفاسه، يمسك جيم بذراعه، يلويها بقوة لا توصف،

يُسمع صوت طقطقة العظام بوضوح...

صرخة تامر تمزق سكون الغابة،

صرخة ليست فقط من الألم، بل من الغضب، من العجز، من القهر.

حسام يصرخ من هول المشهد، ينهض مرتجفًا، يرفع فأسه بكل ما فيه من يأس، يرميها تجاه جيم بكل قوة.

لكن جيم...

يتفاداها بحركة أقرب لماكينة لا تعرف التردد ، ينقض على حسام بسرعة غير بشرية ، يمسكه من عنقه، يدفعه للخلف، ثم يقيده بشجرة، وجهه في اتجاه المعركة، ليُجبره على رؤية كل شيء.

• جيم (بهمس شيطاني في أذن حسام): "اتفرج يا شاطر... اتعلم يعني إيه تخسر كل حاجة."

تامر، بعينين تملؤهما الدماء والغضب ، ينهض رغم الألم، رغم الذراع المكسور، يتحامل على نفسه، ينقض على جيم بهجمة مباغتة خاطفة...

لكن جيم يلتفت في اللحظة الأخيرة.

كأن له عينًا خلف رأسه.

يتفادى الهجمة... ويسخر، كأنه يلهو.

يتكرر الأمر.

تامر يهاجم مرة، مرتين، ثلاثًا،

جيم يتفادى بلا عناء، كأنما يرقص حول الموت.

ثم فجأة ، طَلقة أخرى... هذه المرة تخترق كتف تامر الآخر.

يصرخ، يسقط على الأرض، يتلوى،

لكنه... ينهض، مجددًا، بجسد ممزق وإصرار من نار.

• جيم (بضحكة متقطعة، يمسح الدم من فمه): "شكل الغبي مش هيتعلم... بس أنا هعلمك بطريقتي."

يرفع السلاح ، رصاصتان تخترقان قدمي تامر... سقوط نهائي.

الأرض تستقبله بكل ما تبقى منه من وجع ودم.

صرخة تامر هذه المرة...

ليست فقط ألمًا. بل وداعًا لما كان يُظن أنه أمل.

يستلقي تامر على الأرض، ممددًا في التراب، عاجز عن الحراك، الدم يتسرب من كتفيه وساقيه، يصرخ من شدة الألم، صرخات تخرج من جوفه كأنها تنزع روحه قطعة قطعة.

• تامر (بأنفاس مقطعة، محشوة بالقهر والدموع): "أبعد عن... عائلتي... مش كفاية اللي عملته فيا؟ غور... غور في ستين داهية... تاخدك."

جيم يضحك بخفة باردة، خطواته هادئة كأنما يستمتع بنزهة وسط الخراب ، يقترب من تامر بهدوء و ينزل بقدميه و ينظر إلى تامر

• جيم (بصوت ساخر وكاريزما قاتلة): "أنت فاكر نفسك في وضع يسمحلك تديني أوامر؟ إنت دلوقتي... مجرد حتة لحمة بتتكلم ."

• تامر (بعينين تشتعلان غضبًا رغم الإعياء): "قولت لك... متقربش منهم."

فجأة، ركلة وحشية تهوي على معدة تامر، ينحني جسده المنهك من الألم،

ثم تُثبت قدم جيم على رأسه، تضغط بثقل، وجه تامر يُغرس في التراب.

جيم (بهدوء شيطاني): "اعرف مقامك و إنت بتتكلم معايا... إنت ولا حاجة. مجرد شحات فقير... لو اختفيت من العالم، محدش هيفرق معاه ، أنت مجرد بيدق زائد في القصة .

صدقني... غيابك هيكون راحة لينا ."

ثم، يدير جيم ظهره، و يمضي بخطوات هادئة نحو كوخ تامر... ذلك المكان البسيط الذي جمع فيه حياته كلها: زوجته، ابنه محمد، ماله، وذكرياته.

جيم، دون تردد،

يرمي بقداحة داخل الكوخ... النار تلتهم الأخشاب، أصوات الانفجار تتعالى، صرخات بشرية تمزق الهواء، صوت زوجة تامر وهي تصرخ باسمه ، صوت محمد الصغير يبكي ويطلب النجدة... صراخ حسام في الخلفية ألما على مشاهدة ما يحدث .

تامر يصرخ، يحاول الزحف بكل ما تبقى فيه من روح، لكن الألم... يمنعه، يكبّله، يحرقه حيًّا من الداخل.

جيم يقف على بُعد خطوات، ينظر إلى اللهب، عيناه تلمعان بجنون، ثم يلتفت نحو تامر، يبتسم ابتسامة عريضة، كأنما يشاهد عرضًا ترفيهيًا:

• جيم (بصوت ناعم و سعادة عجيبة وكلمات كالسكاكين): "إيه رأيك في المنظر؟... جميل، مش كده؟

اسمع... اسمع كويس، ده صوتهم وهما بيصرخوا، بيطلبوا مساعدتك، بسرعة... روح ساعدهم ، أه صح... أنت حتى مش قادر تساعد نفسك ، يا عيني ."

يتوقف للحظة...

ثم يضحك، يضحك بجنون، ضحكة طويلة، مجلجلة، كأن قلبه لا يعرف شيء يدعى الرحمة أو المشاعر، كأن الشر ذاته أصبح له وجه وصوت.

كان تامر مستلقيًا على الأرض، جسده مُثقل بالرصاص، نظرته مشبعة بالألم والخذلان، لكنه لم يسكت.

• تامر (بعينين متسعتين تغرقان بالدموع): "أنت بتعمل فينا كده ليه؟ أنا... أنا عمري ما أذيتك، ولا عملتلك حاجة وحشة، وحتى لو غلطت... عيلتي مالها؟ مراتي؟ ابني؟"

جيم يبتسم، نصف ابتسامة، ثم يقف فوق تامر كملك يطأ الأرض بمن تحته.

• جيم (ببرود ساخر):

"مش عارف... تفتكر أنت؟

ممكن علشان الفلوس؟ بس لا... أنت كنت هترجعها لي، مش كده؟ كمان كام ساعة..."

• يتوقف، يغمض عينيه كأنه يتذوق طعماً لذيذاً، ثم يهمس:

"آه... صح.

أنا حرقتها...

مع مراتك، وابنك، في الكوخ."

ثم انفجر بالضحك، ضحكة مجنونة لا تشبه البشر. صوته يرتد في الغابة كصدى شؤم.

• جيم (يتمالك نفسه): "لا لا... أكيد مش الفلوس، مين يعمل كده علشان شوية فلوس؟ يمكن كنت صاحبي، يمكن كنت بغير منك... بس أنا أغار من إيه؟ أنت ماعندكش حاجة أصلاً! أنت... حثالة.

تفتكر أنا سايكوباتي؟ قاتل مأجور؟

كلها احتمالات... لكن أنا؟

أنا شايف الدنيا لعبة. و إنت... شخصية مساعدة غير قابلة للّعب ، ملكش لازمه يعني .

وجت لحظتك.

علشان يتكتب لك: 'انتهت اللعبة'.

سلام... يا صاحبي."

يرفع المسدس بلا تردد، ويطلق رصاصة في رأس تامر.

يسقط الصمت. ثم... يسقط تامر.

في الجهة المقابلة، صرخة حسام تمزق السماء.

وجهه مشوّه من الصدمة، يضرب رأسه بالشجرة التي قد ربطه بها جيم بجنون، مرة، واثنتين، وثلاثًا...

كأنه يحاول كسر الواقع، أو العودة لحلم لم يكن. في هذه اللحظة،

تصل خطوات متسارعة...

إيهاب . يتوقف فجأة، أنفاسه لاهثة،

نظره يقع على الكوخ المشتعل... على جثة والده المغطاة بالدماء... على شقيقه الصغير مربوطًا إلى الشجرة يصرخ ويستغيث.

• حسام (بأعلى صوته، والدموع تبلل وجهه): "الحقني يا إيهاب!! هو اللي قتلهم! الحقني بسرعه! أنا مش عايز أموت!!"

صرخته تمزق قلب إيهاب، يلتقط فأسًا مرميًا على الأرض، ويهاجم جيم دون تردد، بكل مهارته، بكل تدريبه، بكل حقده المتفجر.

• جيم (يتفادى الضربة الأولى بسهولة): "إنت كنت بتتدرب لسنين على فنون قتالية، كنت متوقع منك حاجة... عليها القيمة."

إيهاب لم يرد. بدأت الضربات تنهال،

متقنة، دقيقة، سريعة كالرعد... يتعامل مع الفأس كأنه امتداد لروحه، كسيفٍ تمرّس عليه لسنين.

لكن... جيم ليس إنسانًا عادياً.

يتفادى كل ضربة، يضحك وهو يدور حول إيهاب كراقص موت، كأن كل ما يحدث مسرحية يُتقن أدوارها.

إحدى الضربات تقطع خصلة من شعر جيم. وهنا... تغيّر كل شيء. تتجمّد ملامحه. تتلاشى ابتسامته. تظهر في عينيه نظرة جحيم خالص.

يمسك فأس إيهاب بيد واحدة، يكسره بنقرة كأنما يكسر عود قش، ثم يسدد لكمة واحدة، لكمة تسقط إيهاب أرضًا فاقدًا للسيطرة على أطرافه.

لكن جيم لا يتوقف.

يجلس فوق إيهاب، يثبته ببرودة، ثم يلكمه في وجهه.

مرة، اثنتين، عشر مرات... الجمجمة تتشقق. الدماغ يظهر.

وجيم... ما زال يضرب، حتى تنفجر الرأس تمامًا أمام أعين حسام.

الطفل المربوط بالشجرة يصرخ، يصرخ، يضرب رأسه بها مراراً و تكراراً، حتى يفقد وعيه.

جيم ينهض، ينظر إليه، ثم يقترب ببطء.

في يده خاتم.

يرفع الغطاء عن سطحه، يظهر الحرف اليوناني:

Σ(سيجما).

يضغط عليه، الخاتم يسخن. ثم... يضرب رقبة حسام به.

تترك الحرارة علامة حمراء داكنة على جلده.

علامة... لا تمحى.

ثم يبتعد، صامتًا هذه المرة، ويختفي في ظلال الغابة... كأن شيئًا لم يكن. ركب جيم السيارة، أغلق الباب بهدوء، ثم مال برأسه للخلف مسترخيًا كأن شيئًا لم يحدث.

أشار للسائق دون أن ينظر إليه:

• جيم (ببرود):

"انطلق."

مضت دقائق من الصمت، قبل أن يسأل جيم فجأة، بنبرة عابثة:

• جيم: "هو إيه اللي حصل هناك؟"

• السائق (بتوتر): "معرفش يا باشا، مشوفتش حاجة... أنا أصلًا ماكنتش موجود وقت اللي حصل."

• جيم (بصوت هادئ وخالٍ من أي رحمة): "يعني كذاب، ومنافق، وكمان بتتستر على مجرم...

وبتضيع حق الغلابة اللي ماتوا... بس علشان خايف يتقال لك: مع السلامة؟"

ثم يضحك بخفة.

جيم: "عارف دول فيهم كام سنة ؟ بس عندي لك مفاجأة صغيرة:

أنا أصلًا مش اللي أنت شغال عنده."

قبل أن ينطق السائق بكلمة، يمد جيم يده كوميض، يضربه على عنقه ضربة دقيقة، السائق يفقد وعيه في الحال.

جيم يكسر باب السيارة و هي لا تزال تسير، يقفز منها بسلاسة غريبة،

ينزلق على الباب المكسور بجورها بنفس سرعتها، ثم يُبطئ تدريجيًا... حتى يتوقف.

خلفه، تصطدم السيارة بشاحنة نقل وقود ضخمة، الانفجار مدوٍ، كرة نارية تهز المكان.

يرتدي جيم نظارته الشمسية السوداء بهدوء، ينظر إلى اللهب الهائل،

• ويهمس: "ياه... الإضاءة عالية جدًا. لازم أوطّيها شوية."

بعد ساعات...

تصل سيارات الشرطة والإطفاء إلى مسرح الجريمة.

ألسنة اللهب ما تزال تهمس بآثار الخراب.

كوخ محترق، جثث مبعثرة، وطفل مربوط إلى شجرة، لا جروح ظاهرة عليه.

يسارع المسعفون لإنقاذ الطفل، أو على الأقل التأكد من أنه لا يزال على قيد الحياة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملف الجَلَد

المؤلف EL-Sonny_1
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة