الفصل الثالث

الفصل الثالث

24 0

• الفصل الثالث .

عاد بشير إلى منزله متثاقل الخطى، مرهق الجسد، مُثقل الذهن، يُكاد التعب ينهش كل عصب فيه، لكن ما إن فتح الباب حتى باغته صوت صغير خلفه، مليء بالحياة:

• حسين (بحماس طفولي): "هاه... طخيتك! أنت كده مت!"

رفع الصغير بندقيته اللعبة التي تُطلق ضوءًا وصوتًا، كأنها تعلن انتصاره الوهمي على العالم.

• بشير (مبتسمًا، مستسلِمًا): "آه... خلاص، أنا كده متّ..."

ثم يسقط على الأرض تمثيلًا، مغمضًا عينيه، بينما يتعالى ضحك حسين، وهو يقفز فوق أبيه كما لو انتصر في معركة حقيقية.

• حسين (بسعادة): "بابا! الكرتون اللي بحبه شغال! تعالى اتفرج معايا بسرعة!"

• بشير (وهو ينهض ببطء، مرهقًا لكن سعيدًا): "ماشي يا بطل، بس حلقة واحدة بس... وبعدها تنام عشان المدرسة."

جلس بجواره على الأريكة، يمد ذراعه حوله، يراقب شاشة التلفاز بعين ويحدق في ابنه بالأخرى… كانت ضحكة حسين، رغم بساطتها، كفيلة أن تُعيد له روحه.

• بشير (بصوت خافت، وهو يضمّه إليه): "الحمد لله اللي رزقني بيك… وخلاك بخير. ربنا يخليك ليا، ويبعد عنك أي شر."

انتهت الحلقة، فابتسم بشير وهو يربت على رأس ابنه: "يلا يا بطل، معاد النوم جه. اجري بدّل هدومك، ونم عشان تصحى بدري."

• حسين (مطيعًا، وهو يُقبّل يد والده): "حاضر يا بابا."

انصرف الصغير، وبشير يتبعه بنظرِه حتى غاب عن عينيه. تنهّد تنهيدةً طويلة، ثم أغلق النور، ودخل غرفته ليرتمي على سريره كمن يسلم جسده للعاصفة.

لكن الليل لم يكن للراحة…

في الحلم، وجد بشير نفسه يقود سيارته في طريق طويل، خالٍ تمامًا، وكأن العالم قد اختفى. الجو مشرق بنورٍ جميل، كأنه بين الحلم واليقظة، وكل شيء من حوله صامت لا يُسمع إلى صوت العصافير.

ثم فجأة، تظهر من الخلف سيارة سوداء، سرعتها تتزايد بشكل جنوني.

السيارة تقترب… تقطع المسافة بينهما كالسهم… وفجأة—

طَلق ناري يخترق الزجاج الخلفي!

يحاول بشير تفاديه، لكن الرصاص لا يتوقف، والسيارة السوداء لا تبطئ. تقترب أكثر، تصدمه من الخلف مرة، ثم ثانية، ثم تدفعه بقوة فتتقلب سيارته على جانبها.

يسحب جسده من الحطام وهو يلهث… لكنه لا يجد فرصة للهروب، فالسيارة السوداء تتوقف على بعد أمتار.

يُفتح الباب، وينزل منها رجل يرتدي بدلة فاخرة، وجهه مغطى بالظلال… يخطو ببطء نحو بشير، ومع اقترابه، تتضح ملامحه شيئًا فشيئًا…

إنه… منتصر.

• منتصر (بهدوء مرعب): "على ما أظن… أنا حذّرتك مرتين. صح؟"

• يقترب أكثر، ينحني، يحدّق في عينيه: "ودي التالتة . سيب القضية… لو كنت عارف مصلحتك."

تتسع عينا بشير، ويتجمد في مكانه، يهمّ بالكلام… لكن لا صوت يخرج.

ثم — ينفجر المشهد نورًا أبيض.

يسقط بشير من على السرير و يستيقظ مفزوعًا، يتصبب عرقًا، وصدره يعلو ويهبط كأن قلبه كان يركض وحده في النفق .

نهض متثاقلاً، أنجز روتينه الصباحي المعتاد بسرعة، ثم أمسك مفاتيح سيارته وانطلق إلى عمله، بينما ذهنه لا يزال غارقًا في بقايا الحلم الأخير.

في الطريق، ضغط على زر الاتصال في لوحة القيادة واتصل بأخيه:

• بشير (بنبرة متوترة تخفي قلقًا كبيرًا): "ألو… أيوه يا حسين (أخ بشير الأصغر)، اسمعني كويس. عدّي خد حسين من البيت و وديه المدرسة… وبعد اليوم الدراسي خليه معاك لحد ما أرجع."

• حسين (ضاحكًا بنعومة أخوية): "أيوه بقاااااا ! أخويا الكبير اللي عنده مأمورية كبيرة و شكله كده هيقعد أسبوعين بياكل أندومي من العربيات !"

• بشير (بجديّة حاسمة، ونبرة فيها خوف خفي): "بالله عليك يا حسين… مش وقت هزار. حاسس أن فيه كارثة هتحصل… أنا مش مطمّن خالص. خُد بالك من ابني كويس لحد ما آجي آخده ."

قطع المكالمة قبل أن يطيل الحديث أكثر، وكأن الكلمات صارت عبئًا.

ما أن وصل القسم، حتى طلب تصريحًا بالسفر، واستخدم نفوذه للحصول على إذن باستخدام طائرة حكومية خاصة.

• وقبل المغادرة، اقترب منه الرائد مهند: " أنا جاي معاك يا فندم ."

• بشير (بحسم وهدوء): "المهمة دي مش على الورق… مفيش أدلة، وأنا بتحرك على مسؤوليتي. أنت لازم تقعد تكمل التحقيق هنا ."

غادر بسرعة، والعزيمة تعلو ملامحه.

ما إن وصل دبي حتى انطلق إلى مقر الشركة الرئيسية التي يملكها منتصر.

هناك، أخبروه الموظفون أن "الأستاذ منتصر" سافر من أيام، ولم يحدد جهة بعينها، فهو يتحرك كثيرًا دون إشعار مسبق.

• بشير (مشدود الأعصاب): "طب بيروح فين عادة؟ مين بيتواصل معاه؟"

• أحد الموظفين (بلا مبالاة): "والله يا باشا هو قليل الكلام، وساعات ما بنعرفش عنه حاجه."

توجّه بشير مباشرة إلى أقرب قسم شرطة، وقدّم بلاغًا بحق منتصر كمشتبه به في جريمة قتل، طالبًا مراقبته والتواصل معه عند ظهوره ، و أي معلومة عنه .

بعد دقائق قليلة، تلقّى تقريرًا داخليًا عن ملف منتصر… فتجمّد في مكانه:

> "منتصر، ١٩ سنة. يتيم، يدير عدة شركات و مطاعم .

تبرع بجزء كبير من ثروته لإنشاء دار للأيتام… ويقضي معظم وقته هناك."

• شدّ بشير قبضته بقوة وهو يتمتم: "١٩ سنة…؟ دا مراهق، مش مجرم دولي… ولا هو فعلاً أكتر مما بيظهر؟"

انطلق فورًا إلى دار الأيتام، وهناك، استقبله أحد العاملين بابتسامة بريئة:

• بشير : أنا عاوز مالك المكان ده ، هو فين .

• العامل: "كويس إن حضرتك جيت، كنا نفسنا نعرّف الأطفال على الشرطة. شكل اللبس، طبيعة الشغل…"

• بشير (بنفاد صبر): "أنت مش بترد ليه؟ فين منتصر؟!"

• العامل (مندهشًا):"والله يا باشا سؤالك ملوش إجابة. المكان ده مش مملوك له… دا تبرعات، وكذا شخص شارك فيه."

• بشير (بصوت غاضب منخفض): "منتصر… بيروح فين ؟ بيجي هنا إمتى؟"

• العامل (وهو يشير برأسه): "مش معروف يا باشا… تعالى معايا بعد إذنك."

دخل بشير دار الأيتام بصمتٍ ثقيل، عيناه تمسحان المكان بحدة المحقق وخوف الأب… لكنه فوجئ.

الأطفال هنا لا يجلسون في زوايا مهجورة كما تخيّل، بل يتعلمون كما لو كانوا في مدرسة خاصة راقية. ملابسهم نظيفة، غذاؤهم متوازن، وأسرّتهم مرتبة بدقة تكاد تُشبه عنابر الأكاديمية.

كانوا يتلقون دروسًا… ويتدرّبون بدنيًا كذلك، بتركيز وانضباط نادر.

جلس بشير مع عدد منهم، حدثهم عن الشرطة، عن القانون، عن الفرق بين العدل والانتقام. وكانوا يُصغون إليه بإعجاب واحترام.

بعد لحظات، اقترب بشير من أحد العاملين.

• بشير (بصوت منخفض): "منتصر هنا؟"

• العامل (بهدوء): "للأسف لأ، هو باين مسافر ، أصلنا مش عارفين نوصله ."

• بشير: "دا كارت فيه رقمي، أول ما ييجي كلّمني فورًا."

• يتابع بشير بشك : "هل منتصر كان بيجي يدرس الأطفال هنا بس ؟"

• يجيب العامل : لا يا باشا ، منتصر تبرع بجزء من ثروته و ساهم بشكل كبير في إنشاء هذا المكان ، و لسا لحد الآن بيجي يدرس الأطفال و يدربهم و يقعد معاهم .

يتعجب بشير من كلام العامل و يخرج من المكان وهو في قمة التناقض… مشاعره متضاربة بين الإعجاب، الريبة، الحيرة… شيء في منتصر لا يُشبه غيره.

عاد إلى المطار مباشرة، وسافر إلى فلسطين.

وما إن وطأت قدمه الأرض، ركب سيارته وتوجّه إلى بيت أخيه حسين ليأخذ ابنه الصغير.

• في الطريق، كان يحدث نفسه بصوتٍ شبه مسموع، وهو يقود: "قضية معقدة لدرجة السخرية… جريمة من غير دافع، مجرم ميت من سنتين، مفيش بصمات، حتى الدليل اللي بشتغل عليه مجرد أثر خفي! ده أنا ممكن أدخل في ورطة علشان ماشي ورا حلم!"

لكن قبل أن يُكمل فكرته، حدث ما لم يكن في الحسبان.

سيارة تنقضّ عليه من الجانب وتضربه بقوة هائلة!

تتقلّب سيارته على الطريق ككرة نارية، يشتعل محركها سريعًا…

يتدحرج بشير في الداخل، ثم يزحف من تحت الحطام بصعوبة، يحاول الابتعاد قبل أن تنفجر السيارة…

لكن يقف أمامه شيء.

السيارة التي صدمته… لم تتضرر إلا قليلًا. واقفة بثبات.

يُفتح الباب… ويخرج منها رجل.

بشير يتجمّد. عينه تتسع. قلبه يتوقّف.

إنه… جيم.

القاتل الذي مات منذ عامين. القاتل الذي قتل عائلة حسام. القاتل الذي طارده كالشبح.

• جيم (بابتسامة باردة): "إيه رأيك؟ شكلي كده أحسن؟… ولا كده؟"

يمد يده… وينزع قناعًا رفيعًا من على وجهه.

في لحظة… تنكشف الحقيقة.

الوجه الحقيقي تحته… هو حسين.

شقيق بشير.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملف الجَلَد

المؤلف EL-Sonny_1
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة