"حين دقّت الذاكرة على باب معرَضه، لم تكن على هيئة فكرة... بل على هيئة جسد ينزف."
" ليلة سقوطها أمامه كانت ممطرة. ، راقصة باليه روسية، تنزف. ليس فقط من جروح الرصاص... بل من ندوب دفنتها سبع طلقات"
«كان يمكنه أن يتركها تموت. لكنه لم يفعل»
كان أولدن كارجير جالسًا على أحد مقاعد الصف الثاني، في الزاوية التي لا تُظهره كثيرًا لكنه يرى منها كل شيء. رجل طويل القامة ، أسمر البشرة كأنه نحت من ضوء غروبٍ على رمال ناعمة. شعره البني مرتب، وربطة عنقه المنسقة لم تُخفِ غرابة حقيبة الظهر التي وضعها بين قدميه؛ حقيبة لا تليق أبدًا بذلك الرداء الرسمي الداكن الذي اختاره هذا المساء.
عيناه كانتا مثبتتين على خشبة المسرح. لم يكن يشاهد الرقصة فقط، بل يتأمل.
الراقصة أمامه، ترتدي فستانًا أبيض ينساب حول جسدها يتحرك معها كخطوط من الضوء، كانت تدور بخفة كأنها لا تلمس الأرض، وذراعاها تتحركان بلينٍ كجناحي بجعة تحلق إلى حلم بعيد.
لم تكن مجرد راقصة في نظره، بل لوحة متحركة، ذكرته بشيء ضاع منه ذات يوم، أو ربما بشيء لم يكن له يومًا.
ظلت عيناه تلاحق انحناءاتها... حركاتها... أنفاسها.
كأنه يسمع خطواتها اكثر من الموسيقى.
عيناه، اللتان تلمعان باهتمام، موجهتان نحوها يبدو أنه منجذب تمامًا إليها الى تلك الراقصة صاحبة الفستان الأبيض الرقيق، أبرز جمال حركاتها ويعكس أناقتها الانثوية يتأمل اولدن حركاتها بتركيز عيناه تتبعانها كل حركة قامت بها كانت تتحرك على المسرح برشاقة وخفة حاول التقاط تفاصيل دقيقة قد تفوت الآخرين لم يرمش حتى .
تظهر على وجهه ملامح التعمق في العرض ، وكأنه يحلل كل حركة وكل إيماءة باحثًا عن شيء ما،حركة جسدها ترمز لقصة ابتسامتها كانت تداعب شفتيه ليبتسم استند على ظهر الكرسي يعدل جلسته اكثر، لاحظ لوحة فنية او ربما جمالًا خفيًا يحمل معنى أعمق وراء العرض.
لا أعرف اسم الرقصة، ولا أفهم كثيرًا في الباليه،
لكنني كنت هناك، جالسًا بين أشخاص لا يشبهونني،حين بدأت هي تتحرّك... نسيت كل شيء.
كانت ترتدي فستانًا أبيض طويلًا،
تتحرّك كأنها لا تمشي... بل تنزلق بهدوء،
كأن قدميها لا تلامسان الأرض.
كان هناك راقصات كثيرات، كلهن يتحرّكن بنفس الخطوات،
لكن شيئًا فيها جذبني دون قصد.
كأنها وحدها كانت صادقة.
في انحناءتها كان شيء مختلف...
كأنها تتألّم، لكن بصمت.
تحاول أن تُخفي شيئًا، لتظهر لي شعورا غاب عني لسنين.
الموسيقى كانت ناعمة، صوت كمان خافت،
لكنني لم أسمعها بقدر ما شعرت بها...
كأن النغمة تضرب على مكان خفيّ في صدري،
مكان لا أعرفه، ولا أعرف لماذا تألّم فجأة.
هي لم تكن ترقص كالبقية،
كانت تقول شيئًا... بجسدها فقط.
حين مدت يدها للأمام، شعرت وكأنها تبحث عن شيء فقدته،أو تلوّح لشيءٍ تعرف أنها لن تراه مجددًا، هذا يغريني لامسك يديها واسحبها نحوي اخبرها ان يدي ستشيلها من هذا الحزن.
وفي لحظة دورانها البطيء، شعرت أن العالم توقف، لم أعد أرى غيرها.
لم أصفّق حين انتهت الرقصة.
لم أستطع.
كأن التصفيق خيانة لما شعرت به.
بينما انتهت هاته الرقصة لازل العرض مستمرا ، ساعته اطلقت صافرة تعلن عن وقت ذهابه انه وقت التسليم نهض من بين الحضور مغادر القاعة نحو السلالم ليسلم ما بين يديه ويغادر الى منزله ليحضا براحته المعتادة
سلم مابين يديه ليملأ حقيبته المهترأة وبخطواته السريعة اراد الذهاب ولكن اقدامه قادته للمسرح ليشاهد بقية العرض
حاجته لاكمال العرض كانت قوية
في أوبرا سانت بطرسبرغ مسرح خلفي،
قبل دقائق من عرضها الراقص الأخير، إليزا تشهد شيئًا لا يجب أن تراه.
♡♡♡♡♡♡♡♡
كانت ترتدي ثوب الباليه الأبيض المطرّز بالخرز الزجاجي، يلتصق بجسدها النحيل كجلد ثانٍ. عيناها غارقتان في المرآة، تعيدان ترتيب خصل شعرها البنية، في انتظار صافرة النداء، قادتها قدميها التي يحيطهمها حذاء الرقص بلون الوردي الفاتح الى احد الغرف تبحث عن غرفة التبديل تريد ان تغير حلق اذنيها انه يزعجها.
خطواتها الخفيفة كانت كأنها تتدرب على رقصتها قبل نداءها لعرضها الاخير والاختتامية لهذا المعرض.
توقفت امام باب غرفة مفتوح دخلت دون ان تصدر صوتا لا تعلم حتى اين هي اابتعدت عن المسرح وهل هاته هي الغرفة التي تبحث عنها قابلتها غرفة جميلة بطراز جميل طاولة مستديرة موضوع عليها العديد من الورق رائحة الكتب منتشرة فيها تقدمت تلتمس الصندوق الموضوع فوقها فضولها جعلها تفتحه لم يقبل قلبته على جهته الاخرى قامت بهزه لم يقبل امسكته بكلتا يديها تحاول فتحه هي تريد معرفة ما به اعجبها تصميمه ولونه
احاطت رسومات بيديها تلفها حول النقوش لا تعلم من اين سقطت الورقة انحنت تأخذها تفتحها رسمة غريبة كتابات غير مفهومة ورموز كأنها رسوم
وفجأة...
صوت همس خلفها:
"لم يكن من المفترض أن تلمسي ذلك الصندوق ."
استدارت ببطء.
رجل مقنّع، لا يظهر منه سوى عيونه السوداء ... ومسدس في يديه اليمني .
وقفت تخفي بين كفي يدها تلك الورقة تبتعد عن الطاولة والصندوق
ماذا سأفعل بك الان من انتي وكيف اتيتي للغرفة
"انا راقصة في عرض اضعت الطريق لاعلى سأعود للمسرح العرض على وشك البدأ "
"لن تغادري الغرفة لا تتحركي "
جفلت الاخرى من صراخه ارتجف جسدها لماذا اتت؟ لماذا ورطت نفسها؟ لما لمست الصندوق؟.
"هل اخذتي شيئ "
لتجيبه: "اقسم اني لم المس شيئ"
تقدم منها يتفقد الصندوق هو كما تركه كل شيئ في مكانه
حمل هاتفه يوليها ضهره يغادر حاملا الصندوق
لا تخرجي من غرفة
لعنت تحت انفاسها الورقة بين يديها سيعود ويكتشف ان ورقة عندها هل ترميها سيكتشف انها لمسته
خروجه من الغرفة جعلها تجلس ارضا تنزع حذاء الباليه تخفي الورقة بين طياته السفلية
ستقف وتعتذر لم تلمس شيئا وتغادر وترمي تلك الورقة العرض سينتهي وتعود لوطنها.
خطوات قادمة نهضت تعدل نفسها تقابل الباب
رجل ملثم آخر تقدم منها بعدوانية يمسك رصغها يسحبها نحو الباب
في تلك لحظة، اجتمعت كل الخيوط التي لم تفهمها في رأسها:
المسدس بين يديهم ، الوجوه الملثمة ، الراقصة الرئيسية التي لم تحضر... والورقة التي تحملها خفيةً إلى الخارج تحت قدمها.
شهقت، وحاولت التراجع. تبتعد عن الاخر.
الرصاصة الأولى اخترقت كتفها الأيمن، محاولة الابتعاد عنه كلفتها هذا الالم هو ينوي قتلها التخلص منها.
سقطت على الركح الخشبي، الدم يغمر فستانها الأبيض، لا صوت لرصاص ولكن الالم كان ينهش جسدها كانت تعد كم من طلقة واين استقر مكانها
صرخت.
الطلقة الثانية في الخاصرة، جعلتها ترتعش كزهرة ممزقة.
الثالثة في الذراع، بينما زحفت محاولة النجاة، على ركبتيها الداميتين.
تخبره انها ستؤدي في العرض النهائي ، ان يرحمها ويجعلها تذهب هي لم تفعل شيئ.
تقدّم الرجل... سحبها من شعرها، وواجهها.
قال بصوت خافت:
"العروض تنتهي... عندما يصفق الجمهور الخطأ."
الرابعة اخترقت فخذها.
لكن في اللحظة التي وجه فيها المسدس نحو صدرها...
صوت خطوات وفتح الباب الخلفي.
ظهر وجه مألوف، أحد زملائها الراقصين، صرخ باسمها ينادي عليها.
انه وقت العرض
الرصاصة الخامسة لم تكن تصبها في قلبها ... لكنها أصابتها في القفص الصدري.
السادسة جاءت عشوائية، أصابت جدارًا خلفيًّا، لكنها بعثرت الضوء.
وسط الظلام... الرصاصة السابعة، تلك التي أطلقها وهي تمسك بيده المرتجفة، اخترقت كتفها جزئيًا، لكنها لم تقتلها.
أوقعها المسلح وهو يلهث.
لكنها لم تكن ميتة.
لم يكن جسدها وحده من نزف... كان هناك شيء آخر تحطّم داخلها تلك الليلة.
صوت التصفيق الأخير... لم يأتِ.
وقعت على الأرض، تنزف، شبه غائبة عن الوعي. جسدها مغطى بالدماء، لكن عيناها كانتا ترفضان الموت.
زميلها حملها. صرخ بطلب النجدة، ركض بها إلى سيارة كانت خلف المسرح.
ركض بها إلى الإسعاف. لم يكن أمامهم وقت.
داخل السيارة، وضعت يدها على صدره، همست:
لا تتركني...
فقدت الوعي، والدم يسيل منها.
♡♡♡♡♡♡♡
في المشفى العسكري المحلي بسانت بطرسبرغ
أُجريت لها عملية عاجلة استمرت 6 ساعات.
خرجت من العناية المركزة بعد يومين. جسدها مثقّب بسبع طلقات.
الأطباء قالوا إنها معجزة... لم تمت.
واحدة من الرصاصات كانت تبعد مليمتراً واحدًا عن القلب.
لكنهم لم يعلموا... أن ما تحطّم فيها لم يكن الجسد فقط.
بل شيء أعمق بكثير... لا يُخاط على طاولة العمليات.
الثلج كان يسقط بخفة فوق كوبنهاغن، يغلف الأرصفة الحجرية بسكون بارد يشبه قلبه.
ليون اولدن كارجير ، تاجر الآثار الذي يُعرف في السوق السوداء بلقب الغراب الأبيض، كان للتو قد أنهى صفقة مربحة مع دبلوماسي من أوروبا الشرقية، سلّمه تمثالًا رومانيًا مزيفًا مقابل قطعة أصلية مهربة من متحف سوري.
كان الليل هادئًا، حتى سُمع طرق ضعيف على الباب الخلفي لمعرضه.
فتح الباب ببطء، يده على المسدس، لكن ما رآه جعله يتجمد للحظة.
كان صديقه ، يرتجف، بالكاد واقف، هندامه مبعثر ، ملطخ بالوحل في اقدامه أتى ركضا له.
وقع عند أقدامه، وصوته بالكاد خرج:
"تم قتل ... العارضة ... اكتشفو مكان التسليم الشرطة تحيط المكان ..."
جسده كان يرتجف من أماكن متفرقة، شفتيه ويديه واقدامه التي لم تستطع حمله .
أدخله اولدن إلى الداخل بلا وعي. لا لأن قلبه تحرك، بل لأن شيئًا لم يفهمه كان في العرض رأى كل شيئ حتى انتهى ، العارضة قتلت اي عارضة تقدم لداخل يترك الباب على مصرعيه لصديقة ليدخل
يمسك هاتفه من فوق الطاولة يتفقد الاخبار هذا سيئ من مكان تسليم الاثار الى مجزرة وقتل الراقصة....
في معرضه بكوبنهاغن، كان اودين كارجير يعاين مخطوطة سومرية تُشاع عنها لعنة، كيف آلت الامور الى هاته النقطة
تلقّى اتصالًا من صربيا:
"الشاهدة ظهرت... وأنفها يعرف الكثير. إن لم ندفنه، سندفن رأسك."
ليرد: "سبع طلقات كانت كفيلة لدفنها "
♡♡♡♡♡♡♡
المشفى العسكري - سانت بطرسبرغ
اليوم السابع بعد محاولة اغتيالها
الغرفة كانت ساكنة. ضوء خافت يتسرّب من نافذة صغيرة، والستائر نصف مغلقة. أجهزة المراقبة تصدر صفيرًا ناعمًا، مثل نبضات قلب من ورق.
على السرير الأبيض، كانت ترقد إليزا ماركوفا، جسدها ممدّد، أنابيب مغروسة في ذراعها وعنقها، وضمادات تغطي كتفها وذراعها وفخذها وجانبها الأيسر.
كانت كأنها نائمة... لكن وجهها لا يشبه النوم.
ثم فجأة، ارتجفت رموشها.
عينها اليمنى فتحت ببطء، ثم اليسرى. الضوء أزعجها، لكنها لم تغلقهما. ظلت تحدّق في السقف، تتنفس ببطء، كأنها تتأكد أنها لا تزال على قيد الحياة.
مرّت لحظة.
ثم أخرى.
حاولت تحريك يدها، لكنها كانت ثقيلة. تشنج الألم في صدرها، فأطلقت أنّة خافتة خرجت مثل تمزق.
دخلت الممرضة مسرعة، سمعت صوت الآهة. رفعت الغطاء عنها برفق، اقتربت منها:
"آنسة ماركوفا؟ تسمعينني؟"
حاولت إليزا أن ترد. لم تستطع. شفتيها جافتان.
ثم خرج صوتها كأنها تسحبه من تحت الأنقاض:
"...أنا... ما الذي..."
ابتسمت الممرضة بلطف:
"لقد نجوتِ. أطلقوا عليكِ سبع رصاصات، لكنك هنا بعد سبعة أيام."
فتحت عينيها أكثر. ظلت تحدّق في السقف.
"سبعة؟"
همست بالكلمة وكأنها لعنة تخرج من لسانها.
"من... أنقذني؟"
الممرضة تردّدت، ثم قالت:
"شاب. قال إنه أحد زملائك من المسرح. لا نعرف اسمه الحقيقي. اختفى بعد أن أوصلك. تركك عند بوابة الطوارئ، واختفى."
صمتٌ ثقيل.
حاولت إليزا تذكّر وجهه. الصوت الذي ناداها به. نظراته. لكنها وجدت الفراغ.
أغمضت عينيها.
في تلك اللحظة، لم تكن تعرف من كانت قبل سبعة أيام.
لكنها عرفت أمرًا واحدًا:
الرقص لم يعد كافيًا... لتنجو.
♡♡♡♡♡♡♡
بعد 23 يومًا من محاولة اغتيالها
المكان: المستشفى العسكري - سانت بطرسبرغ
مرت ثلاثة وعشرون يومًا منذ سقطت إليزا ماركوفا على خشبة المسرح وهي تنزف. كانت تلك الأيام بين الحياة والموت، ثم بين الألم والصمت، ثم بين الأسئلة التي لم تجد طريقًا للإجابة.
صباح ذلك اليوم، وقفت لأول مرة دون دعم، أمام مرآة صغيرة في غرفة النقاهة. جسدها خسر الكثير من وزنه، والندوب حفرت نفسها فوق جلدها، لكنها كانت حيّة.
لم تستطع أن ترقص، بالكاد تمشي، لكنها كانت حيّة.
دخل الطبيب المشرف، رجل في منتصف العمر بنظرات جدية ونبرة ثابتة:
"أنتِ الآن خارج الخطر. الجسد سيتعافى، لكن الحركة الكاملة ستأخذ وقتًا. الراحة... ثم إعادة التأهيل."
أومأت برأسها بصمت. كانت تعلم أن الألم لن يكون في الجسد فقط.
خرجت من المشفى بمفردها، ترتدي معطفًا رماديًا خفيفًا، شعرها مربوط، وحقيبة صغيرة في يدها تحوي بعض الدواء والوثائق الطبية.
في بهو فندق صغير بوسط المدينة، وقفت تتفقد اسمها في دفتر الحجوزات. كانت الغرفة باسمها منذ الليلة الأولى للعرض. لم يلغِ أحد الحجز، كأن شيئًا لم يحدث.
استلمت مفتاحها، صعدت للمصعد، وفتحت باب الغرفة.
الغرفة كما تركتها: الستائر مسدلة، حقيبة سفرها على الأرض بجوار السرير، وحقيبة صغيرة بجوار الكرسي.
جلست. أغلقت عينيها. الصمت هنا يختلف عن صمت المستشفى.
بعد دقائق، دخل عامل الفندق يحمل صندوقًا متوسط الحجم، وقدمه لها:
"هذه أغراضكِ التي كانت في كواليس الأوبرا. الشرطة سلّمتها للفندق."
شكرته بصوت خافت.
فتحت الصندوق.
فستان الباليه الأبيض الملطخ بالدماء... مغسول ومطويّ. علبة مكياج مكسورة. دبابيس شعر.
وحذاء الباليه الوردي.
أمسكته بيديها، ببطء، ثم رفعت الحذاء الأيسر...
وفجأة، توقف نفسها.
داخل طيّته السفلية، كما تذكرت تمامًا...
الورقة.
سحبتها بسرعة، فتحتها. رغم بقع العرق ودمها القديم، كانت الكتابات لا تزال واضحة.
رموز محفورة بخط يدوي، لا تشبه أية لغة تعرفها. خطوط متقاطعة، نجوم صغيرة، خريطة مرسومة بخط غير متوازن.
وفي الزاوية السفلى... توقيع بخط ضئيل: "Στήλη των χαμένων"
(بالإغريقية: عمود المفقودين)
ارتجف شيء ما في داخلها.
هذه ليست ورقة عشوائية.
هذه... شيفرة.
وربما... خريطة لتحفة أثرية ضائعة.
لكن كيف وصلت إليها؟ ومن الذي أرادها ميتة من أجلها؟ ولماذا كانت في غرفة مغلقة خلف المسرح؟
رفعت الورقة إلى الضوء، وفي زواياها رأت شيئًا لم تلحظه سابقًا:
نقطة حبر صغيرة على شكل غراب أبيض.
جلست إليزا أمام نافذة غرفتها، تحدّق في الشارع الرمادي الذي يبتلّ تحت زخات خفيفة من المطر. كانت تحمل في يدها جواز سفرها، وفي اليد الأخرى تذكرة طيران إلى موسكو، ثم إلى نوفوسيبيرسك... وطنها. العودة التي انتظرتها منذ لحظة نجاتها.
لكن الهاتف رنّ.
المتصل: رقم خاص.
ردّت.
جاء الصوت رسميًا، بلا مشاعر، كما لو أنه يقرأ من ورقة:
"آنسة ماركوفا، معذرة. نحن من قسم المتابعة الجنائية. نبلغك رسميًا بأنه لا يمكنك مغادرة الأراضي الروسية في الوقت الحالي."
صمتت.
"عذرًا؟ لماذا؟ أنا مجرد راقصة... كنت ضحية إطلاق نار."
"وهذا بالضبط ما يجعل مغادرتك غير قانونية الآن. تم تصنيفك كشاهدة محتملة في قضية أمن داخلي، مع وجود مؤشرات على نشاط تهريب وتزوير وثائق أثرية... ارتبطت بالأشخاص الذين حاولوا قتلك."
"لكن... أنا لا أعرف شيئًا. لم أكن سوى في المكان الخطأ..."
"وربما في الوقت الخطأ أيضًا، وهذا ما نحتاج لتأكيده. وضعك الحالي هو تحت الحماية المؤقتة، ومطلوب أن تكوني متاحة للاستجواب في أي وقت."
"إلى متى؟"
"حتى إشعار آخر. قد يستغرق الأمر أسابيع... أو أكثر."
أغلق الاتصال.
أسقطت الهاتف على الطاولة، وجواز سفرها فوقه. نظرت إلى تذكرة السفر، ثم مزّقتها ببطء. لم تكن رحلة العودة سوى وهم مؤجل.
في نفس المساء، وصلت رسالة رسمية من قسم الشرطة، تثبت منعها من مغادرة الإقليم، مرفقة بتفاصيل تُلزمها بالبقاء قريبة من مقر إقامتها، ومراجعة دورية للمركز المحلي للتحقيقات.
الغريب أن اسمها الآن مُسجَّل ضمن ملفات قضية تحت تصنيف:
"حادثة مسرح سانت بطرسبرغ - شبهة ارتباط بأثر مفقود يحمل رموزًا سرّية."
تذكرت الورقة.
تلك الرموز لم تكن مجرد زخرفة. كانت مفتاحًا.
وبينما تنظر للورقة تحت ضوء المصباح، يدها تتحسّس النقش المطبوع أسفلها...
الغراب الأبيض.
هناك أحد... يعرف أنها لم تكن مجرد راقصة.
♡♡♡♡♡♡♡
في نفس الغرفة بالفندق - بعد اتصال الشرطة بساعات
كان الليل قد نزل على المدينة، وستائر النافذة تنسدل ببطء كجفن متعب. جلست إليزا على طرف السرير، ظهرها منحنٍ قليلًا، ويدها اليمنى تقبض على الورقة المطوية كأنها تحمل جزءًا من جسدها.
ظلت تحدّق فيها طويلاً، لم تحاول فتحها من جديد...
لم تجرؤ.
"كان يجب أن أُسلّمها."
قالتها في عقلها... لا بصوت مسموع.
لكنها لم تفعل.
حين نُقلت إلى المستشفى، حين زارها المحققون، حين فتّشوا متعلقاتها... أخفتها.
أخفت الورقة كما أخفت خوفها، ألمها، وارتجاف قلبها.
ربما لأنها لم تكن تعرف ما فيها.
وربما لأنها خافت أن يعرفوا هم.
أسندت ظهرها إلى الجدار، ووضعت الورقة على ساقيها.
"لو كانت مجرد زخارف، لما حاولوا قتلي."
تحركت في ذهنها صور: الرجل المقنّع، الرصاصة التي اخترقت خاصرتها، الصوت البارد الذي قال لها "العروض تنتهي عندما يصفق الجمهور الخطأ".
ارتجفت.
"هل أحميني بإخفائها؟ أم أجرّ على نفسي كارثة أكبر؟"
الشرطة منعتها من العودة إلى بلدها، قالت إنها "شاهدة"... لكنها تشعر كأنهم يرونها مشتبهًا به.
وماذا لو فتشوا أغراضها ثانية؟ ماذا لو وجدوا الورقة؟
سيظنون أنها كانت تخفي دليلًا.
أو شيئًا أسوأ...
"لكني لم أفعل شيئًا. أنا فقط... وجدت نفسي في غرفةٍ خاطئة."
ضغطت بإبهامها على زاوية الورقة. كانت لا تزال تحتفظ برائحة الصندوق القديم.
نظرت نحو حقيبتها.
لحظة.
قامت من السرير، فتحت الحقيبة، أخرجت دفتر ملاحظات صغيرًا، جلست مجددًا وبدأت تنسخ الرموز.
إن لم أستطع أن أهرب... فعلى الأقل سأعرف لماذا طاردوني.
♡♡♡♡♡
بعد 7 أشهر من الحادثة مساء بارد في قاعة عرض متحف خاص في سانت بطرسبرغ
كانت إليزا ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا، تسير بخطى مترددة في المعرض، متحفزة لأي طارئ، كما لو أن كل ظلّ قد يخفي سلاحًا.
عيناها تائهتان بين التماثيل والنقوش القديمة، لكنها كانت في الحقيقة تبحث عن شيء واحد...
عن تطابق.
منذ أشهر وهي تلاحق رموز الورقة. لم تجد أي تفسير واضح، بين طيات الكتب و البحوث التي اجرتها، لكنها تعلّمت أن أحد الرموز المرسومة فيها يشبه ختمًا نُقش على منحوتة نادرة مهربة عُرضت سريًا في كراكوف، لكنها الان اتت لهذا المتحف ترى القطع الفنية.
وقفت أمام الزجاج.
كانت القطعة الحجرية أمامها صغيرة الحجم، بلون رملي خافت، لكن الرمز في أسفلها كان واضحًا.
هو ذاته. كُتِب بالدم في الورقة... وهنا منقوش بالحجر.
همست:
"هذا هو..."
♥♥♥♥♥
ما إن لمح خيالها أمام تلك القطعة الحجرية حتى توقفت قدماه وحدها...
لا حاجة لأن يرى وجهها كاملًا، هو يتذكر جيدًا هيئة ظهرها، وقفتها، الانحناءة الخفيفة في رقبتها، وحتى طريقة التفاتتها... تلك ليست امرأة عادية.
"مستحيل... تلك هي هي. راقصة الباليه... "
صوّرها ذهنه كثيرًا صورها وهي ممددة على أرضية الرواق، حين أطلقوا النار. الدم... الرقص... العيون نصف المفتوحة، والسبع طلقات التي مزّقت جسدًا يُفترض به أن يحلّق، لا أن يسقط.
"كل التقارير قالت إنها لم تنجُ... كل من أعرفه أكّد موتها. هل كانت كذبة؟ أم معجزة؟"
شعر بارتباكٍ غريب. ليس لأنه يراها فقط، بل لأنه لم يتوقع أن يُصاب قلبه برجفة لم يعهدها منذ سنوات. تلك الفتاة... لا تعرف أنها حيّة فقط لأن أحدهم لم يُحسن التصويب... أو لأنه كان مقدرًا لها أن تبقى.
ما إن وقعت عيناه على وجهها حتى تغيّر كل شيء... كأن الزمن جف في عروقه، كأن العالم توقف للحظة...
"هي...؟"
لم يحتج لأكثر من رمشة.
الهيئة ذاتها، الشعر نفسه، وطريقة الوقوف التي كانت تُشبه القصائد المكسورة.
إليزا ماركوفا...
"لكن... كيف؟"
ذاكرته تعود به إلى تلك الليلة، إلى العرض الذي شغل المدينة كلها... العرض الذي رقصت فيه كما لو أن جسدها كان ينزف من الداخل.
كان مشدوهًا، كأنه الطفل الوحيد في المسرح، يراها ولا يرمش.
ثم... الجزء الأخير من الرقصة لم يأتِ.
الأضواء انطفأت، الستائر أُغلقت دون تصفيق... وبعدها فقط جاءت الأخبار.
"راقصة باليه روسية تُدعى إليزا ماركوفا... أصيبت بسبع طلقات بعد اختفائها من عرضها الأخير.
تضاربت الأنباء... البعض قال مهووسٌ ارتكب الجريمة، وآخرون تحدثوا عن رجل كان يترصدها منذ أشهر."
ثم صمت كل شيء.
لا صور، لا جنازة، لا تأكيدات.
فقط إشاعات تآكلت، وغابت كأنها لم تكن.
والآن، تقف أمامه... تمسح الغبار عن قطعة أثرية، وكأنها خرجت للتو من زمنٍ آخر.
"لم أكن مخطئًا... كنت أعرف أنني لم أتخيلها.
أنا لم أنسَ.
أنا فقط... ظننتها ماتت."
تنفسه ضاق، كأن الرئتين ضيقتان على الذكرى.
"ولكن إن كانت إليزا حيّة...
فما الذي أعادها الآن؟
وما الذي أخفاها كل هذا الوقت؟"
نظر إليها مرة أخرى... بعينين لا تشبهان عينَي متفرج.
بل عينَي رجلٍ أدرك أن شيئًا ما، أكبر من الورق والذهب، عاد للحياة.
♡♡♡♥♡♡♡
الضوء ناعم، يتسلل من بين النوافذ العالية كأن المكان يغفو على كتف التاريخ.
إليزا كانت واقفة أمام قطعة أثرية، متأملة تفاصيل النقوش بملامح نصف ساكنة، نصف حزينة.
اقترب منها بخطوات هادئة، مرتبة، نبرة حذائه على الأرض لم تكن مزعجة... بل أشبه بنبض يقترب من ذكرى.
وقف بجانبها، لكن دون أن يلتصق، كأن بينهما مساحة محفوظة للاحترام أو الحذر.
قال بصوتٍ منخفضٍ، بهدوء متعمد:
أولدن:
"عجيبة هذه القطعة... كأنها تخبئ أكثر مما تُظهر، أليس كذلك؟"
نظرت إليه دون ارتباك، بعينيها الرماديتين الحذرتين، ثم هزّت رأسها:
إليزا:
"ربما... أو ربما نحن مَن نُحمّلها أكثر مما تحتمل."
ابتسم، ناظرًا نحوها بخفة، دون أن يُحدّق كثيرًا.
أولدن:
"أعجبني ردّك. ليس كثيرون ينظرون إلى الأشياء بهذا العمق... خاصّة في مثل هذا الوقت من المساء."
لم ترد، لكنّ شفتيها انفرجتا قليلاً، كما لو أنها كادت تبتسم.
أولدن (واصل الحديث دون توتر):
"هل تعملين في مجال الفن؟ أم أن هذا مجرد فضول عابر؟"
أجابت بلهجة روسية خفيفة، ناعمة لكنها حادة قليلاً:
إليزا:
"دعنا نقول إنني كنت أرقص بين أشياء تشبه الفن... وأهرب من أشياء تُشبهه أكثر."
رفع حاجبه، وكأنه أعجب بما سمعه، لكنه ظل على نبرته الهادئة، دون أن يُظهر معرفته.
أولدن:
"جميل. أحيانًا الهروب هو الطريقة الأصدق للبقاء."
ساد صمت بسيط. ثم نظر إلى القطعة الأثرية من جديد وقال:
أولدن:
"هل تعتقدين أن بعض الأشياء تختفي كي نبحث عنها؟ أم كي ننسى وجودها أصلًا؟"
نظرت إليه، هذه المرة بعينين أكثر ثباتًا، وقالت:
إليزا:
"أظن أن بعضها يختفي لأنها لا تريد أن تُكتَشف."
أولدن (بابتسامة خفيفة وهو يدير وجهه):
"تمامًا."
ثم ترك مسافة، كأنه اكتفى بتلك الكلمات... لكنه لم يبتعد تمامًا.
كان في حضوره شيء من "الاختبار"، وكأنه أراد فقط أن يراها، يتأكد... ويترك الباب مفتوحا .
كان يحدّق في القطعة الأثرية أمامه؛ تمثال حجري صغير لراقصة قديمة، أطرافها مكسورة، لكن انحناءة جسدها لا تزال تحمل شيئًا من الحياة.
ابتسم أولدن بخفوت، وألقى بنظره عليها تقترب منه، كما لو أنه يراها لأول مرة . لا التمثال. بل هي.
قاده تفكيره الى متاهة مسدودة مليئة بعلامات التعجب:
"العجيب في بعض القطع الأثرية أنها لا تبوح بتفاصيلها دفعة واحدة...
تظل ساكنة، صامتة، تشبه الناجين.
لا تصرخ: أنقذوني.
لا تهمس: أنا موجوعة.
بل تقف، مُنكسرة الأطراف، وتُربكك بقوة حضورها رغم ما مرّ عليها.
هذا النوع لا يُرمَّم... بل يُحترم.
لا يُعاد تشكيله... بل يُحرس بصمت."
ثم رفع بصره نحوها هي... إليزا.
كانت تقف غير بعيدة، تتابع الحديث مع موظفة القاعة، بحضور يشبه تمثال الراقصة الذي أمامه.
"سبع طلقات... سبع محاولات للإفناء.
لكنها لا تزال هنا. لا ترقص، لا تتكلم كثيرًا... لكنها لم تختفِ.
وفي عالم مثل هذا، مجرّد الوجود بصمت... مقاومة."
هو لا يعرف قصتها كاملة، لكنه رأى في صمتها شيئًا من الجمال القاسي. شيء يشبه الجدران القديمة التي لا تزال تحمل آثار النار والزمن... ومع ذلك، لا تنهار.
أولدن حدث نفسه في أعماقه :
"ربما أنا لا أعجب بالفن قدر ما أعجب بما نجا منه الفن.
وهي... لم تكن يومًا لوحة تُعلّق.
بل أثرٌ باقٍ، رغم فتك النار."
كان أولدن يقف قرب أحد الأعمدة الحجرية في القاعة، يراقب إليزا من بعيد، وبين عينيه تلك النظرة الغامضة التي لا تفضح شيئًا. لكن داخله؟ شيءٌ أشبه بانفجار هادئ بدأ يتسرب في صدره منذ لمح الشرارة في عيني الرجل الذي كان يتبع خطواتها، ساعتان وهي في هذا المتحف تنتقل بين الرسومات والاثار لم تكتشف انها مراقبة.
لقد رآه...
ذلك "الظل"، خلف الزجاج المعتم في المقابل، يراقب حركتها لحظة بلحظة. لم تكن إليزا تعي ذلك. هي فقط تعتقد أن الحياة منحتها هدنة بعد الموت... لكن أولدن عرف هذا النوع من الهدوء.
"ليست حُرّة... فقط حيّة."
ادرك ما يحدث.....
همس في داخله، وقد بدأ الدم يغلي في عروقه. لم يكن يملك دليلًا قاطعًا، ولا يهوى التسرّع. لكن النظرة التي أُلقيت عليها، وطريقة تكرار الخطوات خلفها... كانت كافية ليوقظ شيء قديم فيه. شيء لم يشعر به حتى في أحلك صفقاته:
الرغبة في إنقاذ أحدهم، لا لمصلحة... بل فقط لأنه لا يستحق أن يُراقَب كفريسة.
"هي لا تعلم...
لكنها صارت جزء من تفكيري .
وكأن سبع طلقات لم تكفِ، والآن... الدور على غرس السكاكين الخفية في جلدها ."
أراد الاقتراب... لكن ليس كغريب يطلب رقصة أو كوب قهوة. بل كرجل يجعلها تشعر بالأمان دون أن يطلب منها أن تثق به فورًا.
فبدأ بلغة أذكى...
طلب منها أن تترجِم له رموزًا على تمثال في المعرض، مدّعيًا أنه لا يفهم السياق الثقافي.
وحين اقتربت، وشاحت ببصرها للحظة، رأى بين أصابعها رعشة صغيرة... ليست خوفًا، بل تعبًا من الحذر، اراد إخراجها من هذا المكان دون ان يقترب منها الرجل لقد اخطأت بقدومها للمتحف لانهم يعلمون انها لم تحدق بتلك النقوش عبثا.
تابعها بعينيه وهي تتحدث كل ما جال في تفكيره ان:
"الضعف ليس ما يثيره فيها ... بل قدرتها على حمله كأنه لا يعنيها.
إنها تنهار بطريقة لا يلاحظها أحد... وتمدّ يدها للحياة كأنها لا تحتاج لأحد.
لكنني هنا.
وسأكون هو الذي 'لا تحتاجه'... لكنه لن يرحل."
هو لا يخبرها أنه رآها تُراقَب...
لا يخبرها أنه بات يحفظ خطواتها في المدينة...
ولا يخبرها، أن مجرد التفكير بأنها قد تُؤذى، يجعله يشتهي شيئًا آخر غير المال والصفقات لأول مرة في حياته:
"اراد شيئا بكل جوارحه وهو التهوّر من أجلها."
نسي المهمة التي قدم من أجلها التمثال الذي أراد استبداله ملاين الدولارات التي يحملها في جيوب بنطاله كل ما فكر فيه ان يأخذها ويحتفظ بها.
نجت من سبع طلقات ولكنها لن تنجو مرة ٱخرى.
سرد داخلي، مشاعر مشتعلة يكسوها كبرياء الرجل الذي لم يعرف من قبل معنى "التهوّر" عرفه لأجل امرأة...
Aya Bdr