أريد الهرب... لكن قلبي يتباطأ حين أقترب من الباب."
"لم أعد أفرق... هل أخفيها من العالم، أم أخفي العالم عنها؟"
"لم أرَ وجهه كاملًا أول مرة... لكني شعرت بخطورته تلمسني."
"أعرف الخطر... رأيت رجالًا يُقتلون دون أن يرمش لي جفن.
لكنني لا أعرف كيف أحميها دون أن أُؤذيها."
♡♡♡♡♡♡
وفي الزاوية الخلفية من القاعة، لمح أولدن ذات الظل مجددًا. كان الرجل قد ابتعد قليلًا، لكنه لم يختفِ. ظلّ هناك، يراقب.
همس لنفسه:
"الظلّ لا يتحرّك إلا حين يطمئن لصمت الهدف.
لكنني هنا... ولن أسمح له بالاقتراب أكثر."
فجأة، التفت نحو إليزا وقال بصوت منخفض، لكنه حاسم:
أولدن:
"هل تثقين بحكم حدسك؟"
إليزا (ترددت قليلًا) طالعته بعيناها تبحث عن سبب هذا السؤال :
"أحيانًا... لماذا؟"
اقترب منها أكثر، هذه المرة كسر تلك المسافة التي أبقاها بينهما، وقال بهدوء دون أن يرفع صوته:
أولدن:
"لأن حدسي يقول إن الوقت انتهى هنا...
وإننا يجب أن نغادر قبل أن نتحوّل من متفرجين في متحف الى آثار متبقية ."
حدّقت فيه بعينين فيهما ألف سؤال... لكنها لم تسأله شيئًا. فقط نظرت للباب، ثم نحوه.
إليزا:
"إلى أين؟"
أولدن:
"إلى الضوء، أو على الأقل... إلى المكان الذي يمكننا أن نختاره."
غادرا القاعة معًا، ببطء، بخطى لا تُثير الريبة.
لكن أولدن، في داخله، كان قد قرر شيئًا لم يخبرها به بعد:
"هذه المرأة... ليست مهمة عابرة. ليست قضية، ولا لغزًا تاريخيًا.
هي أثر لن أسمح لهم أن يمحوه."
وفي الخارج، حين لفحهم هواء الليل، وقف لحظةً وهو يشعر بنبض قلبه يعيد ترتيب إيقاعه...
ثم سار بقربها، وفي داخله صوت واحد:
"أنا الرجل الذي لم يكن له ماضٍ... والآن لديّ ما أخاف أن أخسره."
♡♡♡♡♡♡♡
المكان: ساحة المتحف الخلفية - قرب طريق حجري قديم مخصص للموظفين
الزمان: الساعة 9:47 مساءً - بعد انتهاء وقت الزيارة بدقائق
كان الهواء باردًا، يحمل شيئًا من رائحة المطر القادمة. خطوات أولدن كانت ثابتة، لكن صدره لم يكن كذلك. نظر إلى إليزا، التي كانت تمشي بجانبه بصمت، وكأنها تعي أن اللحظة ليست عادية... لكنها لا تسأل.
أخرج هاتفه، ضغط على زرٍ سري، ثم همس بصوت منخفض:
أولدن (بحدة إلى جهازه):
"ألغِ العملية. انسَ التمثال.
لا... لا أعيد تكرارها.
هناك عنصر غير متوقع... وأنا خارج."
صوت في الطرف الآخر، آليٌّ، بارد:
الصوت:
"التعديل غير مُصرّح به. تنفيذ المهمة إلزامي. كل الأنظمة تعمل."
أولدن (بصوت خافت ):
"دع أنظمتك تعمل... لكن ليس بي."
أغلق الجهاز، ورماه في سلة قمامة قريبة، ثم التفت إليها.
إليزا (بنبرة هادئة مرتجفة ):
"أنت لست سائحًا... ولا مجرد عابر طريق، أليس كذلك؟"
أجابها وهو يضع يديه في جيوبه:
أولدن:
"كنت شيئًا يشبه ذلك... قبل أن أدخل المتحف.
قبل أن أراكِ تقفين أمام تمثال، بنظرة راقصة فقدت موسيقاها."
نظرت إليه بعينين متصلبتين، فيها خوف غير معلن:
إليزا:
"أتعني أنك كنت تراقبني أيضًا؟"
هزّ رأسه:
أولدن:
"كنت أراقب التمثال. وكنتِ في طريق الخروج من ذاكرة أحدهم، إلى ذاكرتي."
صمتت، لكنه أكمل:
أولدن:
"جئت لسرقة قطعة نادرة... كان من المفترض أن تُسلَّم الليلة لرجل في أوديسا.
لكني لم أستطع نزعها من مكانها، بعد أن رأيت من يراقبك."
وضع الاوراق فوق الطاولة لا مزيد من الاسرار ولا اي شيئ مماثل هو وهي والحقيقة بينهما
نظر نحو الزاوية، حيث كانت سيارة متوقفة، نوافذها مظللة. قال بنبرة شبه هامسة:
أولدن:
"إنهم ليسوا هنا من أجلي. بل من أجلك.
وأنا الآن... صرت عائقًا في وجههم."
سألته إليزا:
إليزا:
"لماذا؟ لمَ تُعرّض نفسك للخطر من أجل امرأة لا تعرفها؟"
اقترب منها قليلًا، كانت بينهما خطوات فقط، لكن المسافة التي عبَرها داخله كانت أكبر بكثير:
أولدن:
"لأنني رأيتكِ تحاولين البقاء دون أن تطلبي المساعدة.
ولأن العالم الذي أنتمي إليه لا يعرف الرحمة، وأنا سئمت أن أكون جزءًا منه."
مرّت لحظة صمت، ثم سمعا صوت محرك السيارة في الزاوية يشتغل.
نظر إليها بسرعة، وقال:
أولدن:
"اصعدي معي. الآن."
إليزا (بصوت متردد):
"إلى أين؟"
أولدن:
"إلى مكان لا يعرفه أحد. إلى حيث لا تكونين فيها هدفًا.
أو... على الأقل، أمهلك بعض الوقت كي تختاري كيف تنجين، لا أن تُفرض عليك النجاة."
صرخت في وجهه تلعن تحت انفاسها لحماقتها كونها تبعته للخارج
"لن اغادر معك ثم لما تحدثني عد لسرقة ذالك الاثر او قم بحشوه في جسدك. "
قابلتها ابتسامته وهذا استفزها جعلها ترى شيئا احمر يرقص امام عينيها
ابتعدت توليه ضهرها
"ساعتين بعد ان تختفي ان لم تصلك رسالة انه يمكنك العودة لوطنك وانك لست متورطة ولا يحتاجونك في القضية صدقيني يمكنك ان تفعلي ما تشائي ".
تجمدت مكانها سبع اشهر وهي محتجزة لا تستطيع السفر اسيحدث ذلك كيف عرف؟ هل هو يختبرها؟......
ترددت، لكن حين تقدمت نحوه، سمع كلاهما فرقعة معدنية خلف السيارة السوداء.
طلق ناري واحد.
أطلقه أحدهم باتجاه الأرض، ليس لإصابتهما... بل كتحذير.
التفت أولدن فورًا، وأخرج من سترته سلاحًا صغيرًا، لا يُشبه المافيا... بل يُشبه "رجلًا قرر أن لا يُسلم أحدًا للموت دون قتال".
وقف أمامها تمامًا، حاجزًا الطريق.
أولدن (بغضب مكتوم):
"خطوتهم الأولى كانت مراقبتك... الثانية كانت تلك الرصاصات السابقة... الثالثة ستكون نهايتهم."
وفي صوته الداخلي، قال:
"لقد نجت من سبع طلقات... لكن من الآن، كل رصاصة تخصّها... تمرّ من خلالي."
المكان: أحد الأزقة الضيقة قرب نهر نيفا سانت بطرسبرغ
الزمان: بعد 5 ساعات من مغادرتهما المتحف الساعة 3:12 صباحًا
المدينة نائمة، لكن بعض الأرواح لا تعرف النوم.
تسلّلت سيارته السوداء عبر طرق خلفية، اختارها بعناية، حيث لا كاميرات، ولا نقاط تفتيش، ولا احتمالات صدفة.
توقّف أمام بناية قديمة من الطراز القيصري، واجهتها متآكلة، النوافذ مظلمة... وكأنها مهجورة منذ الحرب.
لكن الحقيقة كانت أعمق من الجدران.
فتح بابًا جانبيًا حديديًا بخط يدوي مشفّر.
درَجٌ ضيّقٌ يقود إلى طابق سفلي، ثم بابان سريّان، خلف أحدهما ممر من الإسمنت الصلب، مضاد للحرارة والرطوبة، بطول سبعة أمتار.
في نهايته... باب معدني بلا علامة.
المخبأ.
كان المكان هادئًا بشكل غير طبيعي، الإضاءة خافتة وموزّعة بعناية.
لا كماليات. فقط الأساسيات: غرفة نوم، شاشة مراقبة، أدوات تقنية، خزانة صغيرة للملفات، وخريطة ضخمة على الحائط فيها علامات حمراء وسوداء.
إليزا كانت تجلس على أريكة رمادية، تنظر إليه وهو يخلع سترته، يفتح خزانة، يضع سلاحه، ثم يعود ليجلس أمامها.
إليزا (بنبرة غريبة، شبه مصدومة):
"أين نحن؟"
أولدن (بصوت هادئ):
"هذا المكان ليس في الخريطة... ولا حتى في ذاكرتي القديمة.
بنيتُه لأنني علمتُ يومًا أن كل من يركض في هذا العالم... يحتاج مكانًا ليختفي فيه دون أن يموت."
نظرت حولها، ثم قالت:
إليزا:
"وهل أنا ميتة الآن؟"
أولدن (بهمس):
"أنتِ فقط... في مرحلة إعادة الحياة."
كلماته جعلت قلبها يرتجف دقة دقتان العد لا يحصي سرعة ما يحدث داخلها:
هذا الشعور... ليس طبيعيًا.
أن أبقى هادئة في مكان غريب، مع رجل لا أعرفه حقًا.
أن أستسلم لصمت لم أعتده، وأحتمي برجل لا أثق به تمامًا...
إنه مخيف.
أنا لا أصدّق ما أعيشه، لا أصدّق أنني لم أهرب بعد.
لكنني لا أملك خيارًا.
كأن العالم كلّه ضاق بي حتى لم يتبقَ لي سوى هذا الوجه وهذا المخبأ.
كأنني أُجبرت... على الثقة، على الهدوء، على الصمت.
ثم جاءت الرسالة.
الشرطي... أخبرني أن الأمور بدأت تُحل، أنني قد أعود.
لكن قلبي لم يرتح...
هو - أولدن - قال لي إن ذلك سيحدث، وبالفعل حدث.
فهل كان يعلم؟ أم كان جزءًا من اللعبة؟
أتساءل...
هل للشرطة دور في بقائي هنا؟
هل يراقبونني من بعيد؟
هل جذبوني إلى هذا المكان ليراقبوا ردودي؟ ليورطوني أكثر؟
هل أولدن... مجرد طُعم؟
أم أنه الغريق الوحيد الذي حاول أن يُمسكني من طرف الثوب قبل أن أغرق تمامًا؟
الشكّ يأكلني...
ولا أعرف... من هو عدوي الحقيقي.
الهدوء يعم المكان لكنها كانت تنظر إليه، كأنها تقرأ شيئًا لا يقول، ثم قالت:
إليزا:
"لقد قُتل كثيرون دون أن تُطلق عليهم رصاصة.
أنا نجوت فقط... لأني أزعجهم أكثر حيّة."
أولدن (بصوت عميق):
"إزعاجك لهم... صار هدفي أيضاً."
ابتسمت أخيرًا، للمرة الأولى، ابتسامة صغيرة... كأنها سمعت جملة لم تسمعها من قبل: أن أحدهم اختارها، لا لإنقاذها، بل لحمايتها لأنها تستحق.
وفي داخله، كان أولدن يعرف:
المهمة التي جاء لأجلها... تحطّمت بين ضلوع امرأة نزفت سبع رصاصات وما زالت تقف.
♡♡♡♡♡♡
اليوم التالي - الساعة 9:30 مساءً
المكان: المخبأ - سانت بطرسبرغ
الضوء داخل المخبأ كان خافتًا، كما الليلة السابقة، لكن العيون التي تسكنه تغيّرت.
إليزا كانت تجلس على الكرسي القريب من الجدار، شعرها غير مربوط، وعيناها تتحركان بين شاشة صغيرة تعرض كاميرات المراقبة، وبين دفتر فارغ أمامها. لم تكتب فيه شيئًا... لكنها أمسكت به منذ ساعة.
أولدن كان في الجهة الأخرى من الغرفة، يُعدّ شيئًا بسيطًا على الموقد الكهربائي، رائحة الشاي بالأعشاب ملأت الفراغ الصامت.
لم يكن بينهما حديث منذ الصباح، لكنها لم تبدُ منزعجة من الصمت، ولا خائفة منه. بل كانت ساكنة... كما لو أن وجوده قربها، بات نوعًا من الطمأنينة التي لم تطلبها، لكنها وجدت نفسها تنتمي إليها.
دخل إلى الدائرة الضوئية، وناولها كوبًا:
أولدن:
"أعتقد أنك تفضلين النعناع أكثر من القهوة."
تناولت الكوب ببطء، نظرت فيه، ثم رفعت عينيها نحوه:
إليزا:
"غريب."
أولدن (بهدوء):
"ماذا؟"
إليزا:
"أن تجد شخصًا يعلم ما تحب... قبل أن تخبره."
ابتسم أولدن، ولم يُجب.
شربت رشفة صغيرة، ثم أسندت ظهرها إلى الجدار، دون أن تلاحظ أنها للمرة الأولى... تسترخي.
مرت لحظة صمت، ثم سألته، بصوت خفيض:
إليزا:
"هل تفتح النافذة أحيانًا؟"
أولدن (متعجبًا قليلاً):
"لا توجد نافذة هنا. لكن... لماذا تسألين؟"
أجابت بنظرة تائهة قليلاً:
إليزا:
"لأني نسيت متى شعرتُ بهواءٍ لا يحمل خوفًا."
قال جملتها ثم سكتت، كأنها لم تكن تقصد أن تشاركه هذا. ثم اعتدلت سريعًا، وأشاحت ببصرها.
لكن أولدن لم يضغط. فقط قال:
أولدن:
"سأجلب لك هواءً من الخارج، دون أن يدخل معه أحد."
لم ترد. لكن في داخلها، شيء ما تكسّر... أو ربما ترمّم.
في تلك الليلة، حين نامت إليزا للمرة الأولى على الأريكة، لم تطلب أن يغلق الباب، ولم تسأله عن السلاح، ولم تُشعل الضوء كما تفعل عادة.
بل نامت.
بهدوءٍ حقيقي.
في الصباح التالي، استيقظت، ووجدت كوبًا من الماء الدافئ بجانب سريرها، ومعه قطعة خبز صغيرة وعلبة تحتوي على دواء مضاد للألم.
وضعت يدها على العلبة، وابتسمت، ثم قالت بصوت خافت لنفسها:
إليزا: "يبدو أنه يعرف... متى لا أقول شيئًا."
ولأول مرة، لم تشعر بالحاجة أن تترك المكان. لم تُفكر في الهرب، أو في البحث عن مخرج سري.
بل جلست في صمت... تراقب رجلًا لا يتكلم كثيرًا، لكنه يبني حولها جدارًا من الأمان، لبِنة بعد لبِنة... دون أن يطلب منها أن تلاحظ.
لم تقل "أنا أثق بك". لم تفكر حتى بتلك الكلمة.
لكنها حين جلست قربه في المساء التالي، وأخذت منه كتابًا قديمًا دون أن تطلب الإذن... كانت قد قالتها بالفعل.
♡♡♡♡♡♡♡
اليوم الثالث في المخبأ
في الصباح الباكر، كانت إليزا تجلس على طرف السرير، تخلع الضمادة عن كتفها ببطء. الجرح بدأ يلتئم، لكنه لم يندمل بعد. نظرت إلى جلدها... لم تكن فقط رصاصة. كان تذكيرًا... بأنها لم تعد كما كانت.
دخل أولدن بصمته المعتاد. يحمل علبة صغيرة ومعها قطعة قماش نظيفة.
دخلتُ الغرفة دون صوت، كما اعتدت دائمًا.
لكن قلبي لم يكن صامتًا كما اعتاد.
كانت تجلس هناك... على طرف السرير، تخلع الضمادة عن كتفها ببطء.
لم يكن المشهد مؤلمًا... بل كان أشبه بصفعة بطيئة.
كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة لتُجبرني على أن أراها.
أن أراها كما لم أرَ أحدًا من قبل.
ضوء الصباح يتسلل بخجل من النافذة، ينعكس على جلدها المائل للزرقة، والجرح... لم يكن مجرد أثر لرصاصة،
بل شهادة على كل ما فقدته، وكل ما لم تقله بعد.
ترددتُ.
شيء بداخلي شدّني إلى الخلف.
لكن قدماي مضتا إلى الأمام.
كأنني أقترب من هاوية... وأنا أعرف أنني لن أعود منها سليمًا.
في يدي علبة صغيرة وقطعة قماش نظيفة... لكن داخلي كان فوضى.
اقتربت منها، بصوت لا يحتمل الجدل:
"دعيني."
جلستْ بصمت. لم تقل شيئًا.
لكن صمتها كان أقوى من أي احتجاج.
لم تكن تستسلم... بل كانت تُسلمني شيئًا لا أعرف إن كنت قادرًا على حمله.
بدأتُ أضع المرهم على جرحها.
أناملي ثابتة.
لكن صدري... لم يكن كذلك.
لم أكن أطبّب الجرح فقط،
كنت أقاوم شيئًا أعمق.
شيئًا خطرًا.
شيئًا لا اسم له.
كل لمسة، كل ضغط خفيف من إصبعي،
كأنها تجرّني خارج الجدار الذي بنيته سنين حولي.
جدار مهماتي. صلابتي. حساباتي.
أنا لم أُخلق لأشعر.
هكذا كنت أقول لنفسي.
لكني الآن أشعر... رغمًا عني.
ثم جاء صوتها...
همسة خافتة، لكن فيها كل ما كنت أهرب منه:
"من أنت يا أولدن؟"
قالت اسمي.
أدركتُ حينها... أنني لم أعد كما كنت.
أنني مكشوف أمامها... أكثر مما أريد.
سؤالها لم يكن اتهامًا، ولا فضولًا.
كان شيئًا آخر... كأنها ترى ما لا يُقال.
لم أجبها.
ليس لأنني لا أملك الإجابة...
بل لأنني أخشى أن أصدقها إن نطقتها.
فأنا لا أعرف من أكون حين أكون معها.
هل أنا الحامي؟
أم أنا الرجل الذي يخاف أن يُؤذى؟
أم أنا ذلك الذي بدأ يرى فيها ملاذًا؟
أو أسوأ من ذلك...
مجرد وسيلة لينجو؟
أنهيت تضميد الجرح، وبصوت ميت، قلت:
"اسمي ليس المهم... المهم أنكِ على قيد الحياة."
كذبت.
أعرف ذلك.
فاسمها أصبح مهمًا.
وجودها أصبح مهمًا.
نظرتها... حضورها... حتى ألمها، صار يؤلمني.
لكنني لا أستطيع أن أسمح لنفسي بذلك.
لا في هذا العالم. لا في عالمي.
العالم الذي يأكل من يشعر، ويدفن من يثق.
أنا الآن أمام اختيار لن يُمهلني طويلاً:
إما أن أحميها... مهما كلفني ذلك،
أو أستعملها... لأحمي نفسي.
وكل ما فيّ يتمزق بين الخيارين.
كل لمحة من ملامحها تدفعني نحو الحماية،
وكل ظل من ماضٍ في صدري يصرخ بي:
"لا تضعف، لا تنخدع، لا تحب."
لكن كيف أهرب منها...
وهي الوحيدة التي جعلتني أشعر أنني حي؟
أنني لست فقط ظلًا يمشي، بل إنسان يتردد... يتألّم... ويتورط؟
لا أعرف كيف سينتهي هذا...
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
إذا سقطتُ في مشاعري نحوها... فلن أخرج منها كما كنت.
نفس الليلة - الساعة 1:40 ليلا
المكان: المخبأ - سانت بطرسبرغ
كانت إليزا تتقلّب على فراشها دون نوم. صوت المطر كان يضرب زجاج النافذة الصغيرة بإلحاح، كأنّ الليل بأسره يقرع على جدار قلبها، يعاتبها... أو يوقظ فيها شيئًا كانت تحاول نسيانه.
في صدرها شيء لا يستقرّ، لا هو خوفٌ كامل، ولا راحة تامة. شعور مبهم، يتسلل في عروقها كالماء البارد. نهضت بخطى حذرة، كأنّها تخشى أن تلمس الأرض أكثر مما ينبغي، وكأنّ الخشب العتيق تحت قدميها قد يفضح اضطرابها.
خرجت من الغرفة، وفي الممرّ المظلم قادها دفء الضوء الخافت نحو المطبخ القديم.
كان هناك... أولدن، جالسًا وحده، يكتب على ورقة باهتة. الضوء الأصفر ينعكس على وجهه الصامت، وكتفه يتحرك مع كل كلمة، كأنّ العالم كله اختُصر في حبرٍ وقلم.
توقّفت، ولم تتجرأ على الكلام مباشرة. كانت تراقبه بصمت.
تراقب الطريقة التي يرفع بها عينيه حين يركّز، وكيف يتحرك قلمه بثقة لا تشبه تردّدها.
وسألت نفسها للمرة العاشرة:
كيف لرجلٍ غامضٍ مثله... أن يمنحها شيئًا يشبه الأمان؟
وهل ما تشعر به حقيقي... أم مجرّد لحظة ضعف صنعتها الخسارة؟
اقتربت ببطء، وجلست على الطرف البعيد من الطاولة، تاركةً مسافة كافية تحفظ لها وهم الحذر.
ثم، وكأنّ الكلمات علقت طويلًا في حلقها، همست:
"لماذا ساعدتني؟"
توقّف عن الكتابة، ورفع عينيه نحوها ببطء.
كانت نظرته حادّة، لكنها لم تكن قاسية... وكأنّه يقرأ شيئًا لا يُقال.
قال بهدوء:
"لأنني كنت هناك... حين لم يكن أحد."
كلماته عبرت فيها كأنّها تعرف الطريق، وأصابت شيئًا عميقًا لم تكن مستعدة للاعتراف به.
لكنّها ظلّت مترددة، خائفة، مشوّشة. جزء منها لا يزال يرفض أن يثق، وجزء آخر فقط يريد أن يهرب.
ظلّت صامتة لحظة، ثم انكسرت.
هزّت رأسها، وبدأت دموعها تنهمر بصمت... ببطء، دون نحيب. فقط دموع تسير وحدها، تعبّر عن كل ما لا تستطيع قوله.
قالت بصوت مخنوق، مكسور:
"أنا...
أنا كرهت هذا المكان.
كرهت الخوف الذي صار يعيش بجانبي، وكرهت نفسي لأنني صدّقت أنّه قد يكون هناك بداية جديدة.
ندمت...
ندمت لأنني جئت، لأنني فتحت الباب، لأنني خطوت خطوة واحدة بعيدًا عن المسرح الذي كنت أعرفه."
أمسكت بيديها كأنّها تحاول أن تحبس رجفة جسدها:
"كلّ ما أريده...
أن أعود إلى حياتي. إلى الرقص. إلى القاعة الباردة التي كانت تؤلمني، لكنها تشبهني.
أن أعود إلى حذائي، إلى مرآتي، إلى تعب الجسد بدل هذا الخوف الذي لا ينام."
نظرت إليه أخيرًا. كانت ملامحها، رغم الحزن... تحمل براءة شديدة. امرأة لا تملك شيئًا، لم تكن تحمل في يدها سلاحًا، ولا في قلبها نية أذى.
كانت فقط تحاول النجاة.
لكنّ نظراته نحوها... لم تكن نظرات عطف فحسب.
كان يحدّق فيها كأنّه يرى ما خلفها، كأنّه يعلم أنّها ليست مذنبة، نعم...
لكنّها تخفي شيئًا. شيئًا لا يعرفه بعد، لكنه يلمحه في الطريقة التي تهرب بها عيناها حين تسأل، أو حين تصمت فجأة قبل أن تُكمل.
همست هي:
"هل تقدر... أن تمنحني حريتي؟
لا وعدًا مؤجلاً...
بل وعدًا حقيقيًّا.
ألا تحتفظ بي لأنك تحتاجني...
ولا لأن أحدًا طلب منك ذلك.
أنا لست مدينة لك بشيء... أليس كذلك؟
فلا تضعني في قفص اسمه الأمان."
ثم خفضت نظرها، وتمتمت وكأنها تقولها للمرة الأولى في حياتها:
"فقط أخبرني...
أنك ستدعني أقرر،
حتى لو قررت أن أبتعد."
ثم سكتت.
ولم يبقَ في الغرفة سوى صوت المطر... ونبض لم يُفهم بعد.
♡♡♡♡♡
بعد يومين - في الممر الجبلي خلف المخبأ
خرجت معه بصمت.
لم يكن هناك اتفاق على الخروج، ولا كلمة قيلت. فقط لحظة سكون... تبعتها خطوات نحو الخارج.
الثلج كان لا يزال يتساقط، خفيفًا، ناعمًا، كأنه يحاول أن يغطي كل شيء بصمته.
كانت تمشي خلفه، بنفس الوتيرة تقريبًا، لكن بخطى حذرة.
هو لم يلتفت، لكنه شعر بها خلفه... كأنها ظلٌ قريب، أو سؤال يتكرر كلما حاول نسيانه.
الطريق ضيق بين الجبال، وكل شيء من حولهما صامت، إلا أصوات الخطوات التي تختلط بصوت أنفاس متقطعة لا تأتي من البرد فقط.
وفجأة... توقفت.
توقفها لم يكن مدروسًا، كان أشبه برغبة عالقة في صدرها انفجرت فجأة.
نظرت إلى ظهره، ثم نادت عليه بصوت منخفض، متردّد، لكن فيه نبرة غضب خافتة كانت تحاول إخفاء ارتباكها:
"هل ستتركني في النهاية؟"
هو توقف.
بقي لحظة دون أن يستدير، كأنه كان يعرف أن السؤال قادم... لكنه لم يعرف ماذا سيقول حين يُقال.
ثم التفت ببطء، نظر إليها.
عيناه لم تكن قاسيتين، لكن فيهما تعب واضح... تعب لا علاقة له بالمسافات ولا بالمشي.
تعب من حياة لم يتقن فيها التعلق بأحد، ولا البقاء لأجل أحد.
اقترب خطوة، وصوته جاء هادئًا، لكن واضحًا... لا يشبه التبرير، ولا يشبه الاعتذار:
"إذا كنتِ تبحثين عن عائلة... فأنا لست رجلًا لذلك."
كان صوته يحمل صدقًا جارحًا، كمن لا يريد أن يمنح أملاً لن يقدر عليه.
ثم أضاف، وهو يثبت عينيه في عينيها كأنه يوقّع وعدًا بطريقة لا تحتاج شهادة:
"لكن إن كنتِ تبحثين عن من لن يبيعك... فأنا هو."
قالها ببساطة، لكن كل كلمة خرجت وكأنها تُقتطع من داخله.
ما كان يملك الكثير ليقدمه... لكن ما لا يملكه، لن يُخون به.
هي لم تتحرك.
لم تقل شيئًا، ولم تبكِ، لكنها نظرت إليه بطريقة مختلفة.
في عينيها، لم يكن هناك تصديق كامل، لكنها كانت تُنصت بقلبها.
لأول مرة منذ زمن، شعرت بشيء يشبه الهدوء... ليس لأنها ارتاحت، بل لأنها توقفت عن الجري خلف إجابة.
وكان هو، في تلك اللحظة، أقرب ما يكون للحقيقة التي لا تطمئن... لكنها لا تكذب.
لم تقترب منه... لكن في عينيها، كانت قد وصلت إليه.
في طريق عودتهما كان الصمت يسبقها، لا خطاها.
وعندما عادا من الجولة، لم يكن البرد هو ما جعل أصابعها ترتجف، بل ذلك الشيء العالق في صدرها، كأن كلماتها تخشى الخروج لكنها لا تطيق البقاء.
وقفت أمام باب الكوخ، يداها متشابكتان دون وعي، رأسها منخفض، والعالم من حولها كُتم فجأة...
كأنها سمعت صوتًا في داخلها لم يعد يُحتمل.
استجمعت شجاعتها، رفعت عينيها إليه ببطء، وسألته بنبرة ناعمة، لكنها مشحونة بما يشبه الندم:
"أولدن..."
كان واقفًا أمامها، متيقظًا، ينتظر شيئًا، لكنها لم تمنحه وقتًا ليُفسّر سكوتها.
قالت، وعيونها تنكمش قليلًا، كمن يذرف شيئًا غير مرئي:
"أعتقد أني أخطأت... حين سمحتُ لنفسي أن أقول ما أشعر به.
كان يجدر بي أن أكون أكثر حذرًا، أن لا أقول شيئًا...
أن لا أسمح لك برؤية ذلك الجزء الضعيف مني."
سكتت، وبدت كأنها تبحث عن صوتها.
ثم همست:
"ما قلته لك... تلك الليلة... لم يكن اعترافًا، كان انهيارًا.
وأنا... لا أغفر لنفسي الانهيار."
كانت الكلمات تخرج متقطّعة، محمّلة بما لم تُفصح عنه سابقًا، بما خبّأته بين الضمادات، وتحت وسادتها حين تتظاهر بالنوم.
قالت، بصوت خافت كأنها تتكلم مع نفسها:
"لم يكن من المفترض أن تعرف...
أن ترى هذا الضعف، هذا التعلق الذي لم أطلبه، ولم أرده.
كرهت أن أنظر إليك بتلك الطريقة.
كرهت أن أبدو صغيرة، وحائرة، ومُنهارة أمامك."
نظرت إلى السماء، ثم إلى الأرض... ثم إليه.
"كنت أظن أني سأجد فيك ملاذًا، ربما...
لكني الآن فقط، أدرك أني أردت الهروب منك أكثر مما أردت الاحتماء بك."
ارتجفت شفتاها، لكنها تماسكت.
"سأعود إلى حياتي... إلى جسدي حين يرقص دون خوف.
سأعود، حتى إن عدتُ مكسورة،
فأنا أُجيد جمع شظاياي وحدي."
كانت واقفة، متماسكة من الخارج، لكن عيناها تنطقان بحزن لا يمكن تجميله.
ثم، دون أن تنتظر رده،
مدّت يدها إلى الباب الخشبي وفتحته بهدوء،
ودخلت.
ولم تنظر خلفها.
هو بقي واقفًا في الخارج، لم يتحرك.
كأن وجوده عند العتبة كان آخر ما تبقى له منها.
ولم يكن في الأرض كلها، في تلك اللحظة،
أشدّ برودة من المسافة بين قلبيهما.
كان الهواء بارداً، لكنه لم يتحرّك.
أولدن بقي واقفًا خارج الكوخ، يحدّق في الباب المغلق كمن يحفظ وجه من رحل.
صوته الداخلي ساكن، لا حزن، لا ندم... فقط صمتٌ متوتر، كأن شيئًا ما يتخمر في الظلّ.
وفجأة...
اهتز شيء في جيب معطفه الداخلي.
أخرج الهاتف القديم. جهاز رمادي اللون، حوافّه متآكلة، لا يحمل شريحة معروفة، ولا تلتقطه أيّ شبكة نظامية.
رنة واحدة. لا اسم، لا رقم.
أجاب، دون أن ينبس بحرف.
وجاءه الصوت...
"كنت أعلم أنك ما زلت حيًّا، اللعنة يا أولدن...
ماذا فعلت؟ المهمة كانت في منتصف الطريق، وتركت كل شيء كأنك تبخّرت.
هؤلاء لن ينسوا، أنت تعرف من نقصد."
ابتسم أولدن بخفة، تلك الابتسامة التي لا تطمئن أحدًا.
قال بنبرة منخفضة، هادئة حد القلق:
"كنت أحتاج أن أختفي... قليلًا.
الوضع لم يكن يسير كما خُطط له.
العرض كان مزيّفًا، والشحنات كانت مراقبة، وأحدهم باعنا قبل أن نصل إلى الحدود.
أنا خرجت قبل أن يُغلق الباب عليّ."
قال الصوت من الطرف الآخر، بنفَس غاضب:
"وتركتنا نواجه الفوضى وحدنا؟
السلطات تبحث، السوق مجمدة، والكل يعتقد أنك انتهيت أو أنك خائن-"
قاطعه أولدن ببرود:
"أنا لا أخون، لكنني لا أسمح لأحد أن يستخدم اسمي لتغطية صفقاته القذرة.
كنت أعرف أن أحدًا في الداخل يتلاعب، ولا وقت لدي لأُدفن معكم جميعًا."
صمت برهة... ثم أضاف، بصوت فيه ما يشبه الغرور الحذر:
"على كل حال... أنا لا أعود بدون شيء.
لديّ خطة.
وورقة رابحة."
"ورقة؟" سأل الصوت.
رد أولدن:
ضحك الطرف الآخر ساخرًا:
"أنت تمزح؟ كل هذا لأجل راقصة؟"
لكن أولدن لم يضحك، لم يرد.
كان ينظر إلى الباب المغلق، عيناه لا تريان الخشب بل شيئًا أبعد.
قال أخيرًا، ببطء:
"هذه المرة، الصفقة ليست فقط مالًا.
إنها أكبر من سوق، وأعمق من نحت على حجر.
أنا لا ألعب ليخسر أحدهم، أنا أستعد كي أربح كل شيء."
ثم أنهى المكالمة.
أعاد الهاتف إلى جيبه، وسحب نفسًا عميقًا من الهواء الليلي، كأن الصقيع ينعش شيئًا مدفونًا فيه.
ولم يدخل الكوخ.
بقي في الخارج... يراقب الظلّ الذي تركته هي خلف الباب.
نفس الليلة - الساعة 11:47 مساءً
المكان: المخبأ - سانت بطرسبرغ
كان الليل ثقيلاً على قلبها، والكوخ أضيق مما تتصوّر.
توقفت إليزا وسط الغرفة، أنفاسها تتردد في صدرها كأنها تُصارع بين أن تبقى... أو تهرب قبل أن يفوت الأوان.
ارتدت بنطالاً داكناً كان يخصّ "أولدن"، واسماً محفوراً بخيط باهت على الداخل، لم تنتبه له إلا حين كانت تطويه.
وقميصه الرمادي الفضفاض، ذو الأزرار الكبيرة، الذي كان يسقط من كتفيها كلما تحركت.
ثم معطفه... المعطف الثقيل، الذي لطالما علّقه خلف الباب، والذي ضاع كتفاها في داخله حين لبسته.
سمح لها بذلك في اليوم الثالث من إيوائها. لم يقل شيئًا حين أعطاها إياه... فقط وضعه فوق كتفيها حين كانت ترتجف.
وهي، رغم خجلها، احتفظت به كأنّه غطاء من نوع آخر...
غطاء لا يدفيء الجسد فقط، بل يُربك الروح.
كانت تشعر فيه كأنها ترتدي جزءًا منه...
كأنها سرقته بهدوء دون أن يمانع، أو ربما، دون أن يعلم كم ترك ذلك أثرًا لا يُمحى في ذاكرتها.
وقفت أمام المرآة المعلقة على الجدار الخشبي، نظرت إلى انعكاسها.
لم ترَ راقصة باليه.
بل فتاة تائهة، بملامح متعبة، تختبئ في معطف رجلٍ منحها الأمان... وترك في قلبها ارتباكًا أكبر من الخوف.
شدّت حزام الحقيبة على كتفها.
في داخلها:
حذاء الباليه الوردي، المتسخ من الدم والأرض.
الورقة المشؤومة، تلك التي دفنتها بين طيات النعل منذ بداية رحلتها.
بعض قطع الثياب القديمة، فرشاة شعر، وصورة صغيرة بالأسود والأبيض لأمّها وهي في زي الباليه.
كل شيء كان جاهزًا.
خطوتها الأولى نحو الهرب بدأت.
خطت نحو الباب.
كانت تعرف أن قلبها لن يتماسك، لكنها لم ترد أن تبقى أكثر.
لن تقبل أن تبقى لأنها ضعفت... أو لأنها شعرت بشيء تجاهه.
فحتى ذلك الاعتراف الطائش، الذي باحت به ذات مساء عندما تألمت، ندمت عليه.
ندمت على مشاعرها التي أفلتت منها.
على أنوثة خذلت كبرياءها.
على كل ما بدا هشًا داخلها حين كانت في حضرته.
لكن الهرب هذه المرة لم يكن جبنًا...
بل توقًا لاستعادة ما تبقّى من ذاتها، ولو كان قليلاً.
وصلت إلى الباب.
مدّت يدها نحو المقبض، البارد كما في الليلة الأولى، حين دخلته مصابة.
لكن قبل أن تحرّكه، وقبل أن تدفعه نحو الخارج...
جاء الصوت.
من الزاوية المظلمة للغرفة، حيث اعتاد الجلوس حين لا يريد أن يراه أحد:
"إليزا..."
كان صوته لا يُشبه أي نداء.
كان كأنّه يُلامس شيئًا في عظامها، لا في سمعها.
هدأ كل شيء.
الريح خارج الكوخ توقّفت.
القلق في صدرها توقّف.
حتى قلبها... خاف أن ينبض كي لا يجيب عنه.
تصلّبت في مكانها.
لم تلتفت.
ولم تتقدم.
فقط... بقيت واقفة هناك،
بين بابٍ يُفضي إلى حريّتها، وصوتٍ يُعيدها إلى متاهة لا اسم لها.
أهذا هو الهدوء؟.
هذا هو الهدوء الخادع الذي يسبق كل شيء...
قبل الانهيار، قبل الصراخ، قبل أن تشتعل الحقيقة وتكسر ما تبقى من احتمالات الأمان.
الثلج لم يتوقف عن السقوط،
لكن الزمن داخلهما كان يسير بطريقة لا تُشبه العالم.
الوقت والعالم...
لم يكونا معهما،
ولم يُخلق لهما أن يكونا في صفّهما.
كأن كل شيء حولهما يراقب بصمت... فقط ليشهد على لحظة لم تُكتَب لها نهاية هادئة.
كأن القدر نفسه، واقف خلف الجبل... ينتظر العاصفة.
Aya Bdr