----
الثامن عشر من مارس، 2018.
----
يرى الفنانُ في خلوته ملجأ، مهربًا من العالم ومآسيه، مصدر الهامٍ لأبداعاته اللامتناهية، أو هكذا جرت العادة...
تختلي بنيّة الشعر بنفسها في مساحتها الصغيرة، محاطة بذكرياتها المتدفقة من الليلة الماضية، لم يغمض لها جفنٌ منذ الامس، وبالها مشغولٌ بكل ما تذكرته حديثًا.
بعد ليلةٍ هستيرية من البكاء الصامت، تجد نفسها في حالةٍ اقرب للتحطُّم العاطفي، بالرغم من انها لا تبكي بعد الان، عينيها لا تذرفان الدمع، إلا انها لم تكن بخير...
تنظرُ الى غرفتها وكأنها تفعل للمرة الاولى، السرير الخشبيّ، الاضاءة الخافتة، الجدران المزينة باللوحات الجميلة والملونة، جميعها تحفِّز الذكريات المؤلمة.
تجد نفسها في صراعٍ اخر...
’أقول أم أصمت؟ أيكون لصمتي عواقب وخيمة؟‘.
يراودها السؤال ذاته مرارًا وتكرارًا، فبعد أن عادت لها ذاكرتها، هل يجدر بها اخبار احدٍ بذلك؟ ام ان الصمت هو الخيار الافضل؟.
في محاولة يائسة لتنظيف دماغها قليلا، تجد ايلين قدميها تقودانها الى المطبخ، حيث تجد بيلين جالسًا، يتصفّح هاتفه وأمامه كوبٌ من القهوة، ترتسم على شفتيه ابتسامة صغيرة عندما يرى شقيقته.
«صباح الخير» يحييها بلطف كعادته، فيتلقى ابتسامة صغيرة في المقابل، وردًّا هادئًا «صباح الخير...».
تتبع عينيّ الغرابي هيئتها بينما تهمُّ لتسكب لنفسها بعض الماء، ولا تغيب عنه التفاصيل الصغيرة، النفخة الصغيرة اسفل عينيها، انسدال كتفيها للاسفل... فيثير ذلك بداخله الفضول.
«أنمتِ جيدًا بالامس؟» يكسر الصمت قائلًا، ويبقي نبرته هادئة وودودة، بينما يترقب ردّها سرًا، ايلين بدورها اجابته بإيماءة صغيرة، لم تنظر اليه حتى بينما تفعل، كما لو كانت تخشى ان يرى خلال واجهتها المزيفة.
لكن ذلك ايضًا لم يخفى على بيلين، الذي استطاع ان يلاحظ ادنى تغيّر في سلوك شقيقته، لكنه قرر عدم قول شيء في الوقت الحالي، ومراقبتها بصمت لتأكيد شكوكه.
يسيطر الصمت على المكان للحظات اخرى، يجد بيلين نفسه اكثر فضولًا تجاه حالتها المفاجئة، فقرر أن يطرح سؤالًا اخر «كيف كانت جلسة الامس مع المعالج؟».
يسأل بينما يراقب تحركاتها بطرف عينه، ولا يغفل عن الرعشة الخفيفة في يديها وتجنبها للنظر اليه مباشرة، والصمت القصير قبل ان تجيبه بأختصارٍ قائلة: «جيدة...».
أدرك بيلين انه يوجد سرٌّ ما خلف قناع الهدوء والثبات المزيف الذي ترتديه، أيًّا ما كان ذلك السر، فهو حتمًا ليس شيئًا سارًّا، والا ما كانت لتتكتم عليه بهذا الشكل...
تقدمت ايلين بصمت، لتجلس على الجانب الاخر من الطاولة، يديها تتململان بكوب الماء، وعقلها يجول في مكانٍ اخر.
’ أخبره أم لا؟ ماذا سيحدث أن فعلت؟ هل هذا هو القرار الصائب؟ ام هل أفعل الصواب اذا بقيت صامتة؟‘
تتردد تلك الاسئلة في بالها مرةً بعد مرة، وتعصفُ الافكار والاحتمالات بداخلها مع مرور كل لحظة، تشعر أنها ستُجن إذا لم تجد جوابًا الان.
«بيلين...» تندهُ عليه بتردد، فينظر اليها فورًا، في انتظار سماع مالديها لقوله، لكن لحظة صمت اخرى تسيطر على المكان، وتجد عقلها يكرر السؤال ذاته مرة اخرى عليها.
’هل هذا هو الصواب؟ ‘.
هي تنفض تلك الفكرة فورًا من دماغها، كلا، هذا ليس صوابًا، ليس من الصواب أن تخبره، ليس الان، ليس بعد...
«أردتِ قول شيء...؟» يخرجها صوته من دوامة افكارها، فتلتقي عينيها بعينيه لجزء من الثانية، قبل ان تكسر ذلك التواصل البصري وتهز رأسها بخفة.
«كلا... لا شيء...» تنهضُ من مكانها بعد قول ذلك، مدركةً ان الاوان لم يحن بعد للكشف عن بعض الحقائق، عندما توشك على المغادرة، يوقفها ممسكًا بمعصمها، كما لو كان يمنعها من المغادرة بعد.
«واثقٌ ان هناك ما اردتِ قوله» ينظر اليها بشك بينما يتحدث، ويبحث عن جوابٍ في عينيها، لكنها تتجنب النظر اليه مجددًا، ويلفت انتباهه التوتر الواضح في لغة جسدها.
«ليس شيئًا ذو اهمية، صِدقًا...» تُتمتم ايلين ردًا، املًا في ان يقنعه قولها هذه المرة، لكن بدلاً من ذلك...
«إن كنتِ تذكرين شيئًا، فأتوسّل أن لا تخفيه عني...» يمكنها سماع نبرة اليأس والتوسُّل في صوته، وقلبها يؤلمها بشدّة، كانت على بُعد لحظاتٍ قليلة من افشاء كل ما في جعبتها له، إلا ان دخول اليس في تلك اللحظة اعاد اليها صوابها.
تقف اليس على اطار الباب، تستشعر التوتر في الجو بين شقيقيها، وينتابها الفضول عندما ترى بيلين ممسكًا بمعصم ايلين.
يطلقُ بيلين تنهيدة صغيرة قبل ان يُحرر معصم ايلين من يده، مدركًا انه لا يستطيع اجبارها او الضغط عليها، خصوصًا بوجود شقيقتهما.
تستغلُ ايلين ذلك لتغادِر المطبخ من فورها، ينتابها شعورٌ من الراحة لتمكنها من التهرب من هذا الموقف، اخر ما تريده هو التصرف بتسرع وبلا تفكير، حركة واحدة خاطئة قد تؤدي الى عواقب وخيمة...
----
مجددًا، في عزلة خانقة بين اربعة جدران، تجدُ نفسها محاطة بذكرياتها وافكارها، بلا خيارٍ امامها سوى ان تواجه الخوف.
تتناثر الوانها الواحد يلو الاخر على اللوحة البيضاء، والشكوك بداخلها تعوي كالعاصفة، تتجول اناملها المرتعشة بشعورٍ خانق من الخوف، وتقفُ اخيرًا لتنظر الى ما صنعته يدها.
رسمٌ تجريديٌّ مشوه، رجلٌ بلا ملامح، متعدد الظلال وطويل القامة، صبغت بشرته بلونٍ اسود داكن، سبباته امام فمه في اشارة للصمت، وفي يمناه قناعٌ ابيض.
ينتابها الخوف والهلع كلما نظرت الى الصورة، يمرُّ من امامها ظلٌّ مخيف، تشعرُ بيدٍ تلتف حول عنقها، همساتٍ ساخرة تملئ اذنها، تتسارع انفاسها مع مرور كل لحظة.
لم تستطع ان تتحمل المزيد، حملت اللوحة والقت بها بأهمال في احدى الزوايا، كما لو ان الرسم سيتحول لحقيقة ان لم تفعل، كل ما خطر في بالها انذاك...
’ ليس الان، ليس بعد، كلا... ‘
لا يمكنها ان تفصح عن ما تتذكره، حتى وأن كان الصمت يتقلها ببطئ، لا يمكنها ان تفتح المجال لتلك اللعنات بالتوغل في حياتها اكثر...