الاوّل؛ شـرارة

الاوّل؛ شـرارة

20 0

----

"فقيدُ الذكرى اثره على الروحِ كبير، فقيدٌ يروحُ ومعه تروح الروح، وفقيدٌ يغيب... وبعودته تهلِك الروح".

السابع عشر من مارس، 2018.

----

وها قد مرَّ الشهر الأول، بذكرياتٍ مشوشة وصورٍ ضبابية، حكايةٍ غير مكتملة... تجد ايلين نفسها في ذات الغرفة محاطة بالجو الدافئ ورائحة الزهور المهدئة.

تصارع ذِكرى منسية للخروج مع صوت هطول حبات المطر وهزيم الرعد المدوّي، تنظرُ ايلين خارج النافذة بعينين فارغتين، لولا الرعشة الطفيفة التي تمرُّ بجسدها عند سماعها لصوت الرعد لظنَّ انها تمثالٌ بشريّ.

يتحنحن نويل ليجذب انتباهها اليه، نبرته اقل رسمية الان، ولكنها ماتزال هادئة وصبورة عندما يتحدّث اليها «تبدين منجذبة للمطر، أهو اعجاب، أيمنحك الالهام لفنّك، أم أنه مصدر الهاء بالنسبة لك؟».

يسأل متعمدًا طرح عدة خيارات، بالرغم من انه يعلم تماما ان جميعها خاطئة، لعله يحثها على التحدث بما في بالها.

تتجنبُ ايلين النظر اليه مباشرة، وسؤاله يحرك شيئًا ما بداخلها، لكنها لا تعرف تمامًا ما هو، تترك الصمت ليسيطر على المكان للحظات اطول، قبل ان تكسره بصوتها الهادئ الهامس؛ «لا أحبه...».

يُترك جوابها معلقًا في الجو للحظات، فيهمهم نويل بتفهم عند سماعه، مدركًا ان هذا هو أفضل جواب سيحصل عليه في الوقت الراهن، لكنه مايزال صبورًا في تعامله معها.

«أتخشين الاصوات؟ العالية مثلًا او المفاجئة، هل تسبب لك التشتت؟» يتابع بسؤالٍ اخر، وينظر اليها بصبرٍ وترقب، لكنها تستمر بالنظر الى النافذة، مراقبة حبات المطر وهي تصطدم بزجاج النافذة.

يلاحظ المعالج ادنى تعكُّرٍ في تعابيرها عند سماع صوت الرعد من جديد، قبل ان تنظر الى ناحية اخرى، وتومئ برأسها، بـ 'نعم' صامتة.

يسجِّل نويل ملاحظة اخرى في كتابه بصمت، محاولًا التقاط التطورات في حالتها عن الجلسة الاولى، أنها اكثر استجابة ووضوحًا، لكنها ماتزال... تائهة.

----

لاحقًا في تِلك الامسية، يجلِس فحميّ الشعر على الاريكة، ينفثُ دخانًا رماديًا يحرقُّ به افكاره المتّقدة، تتقدمُ اليس واضعةً كؤوس الشاي، في محاولة يائسة لالهاء نفسها والجميع عن المشكلة الأكبر.

عينيها تقعان على من يقفُ عاقدًا ذراعيه متكئًا على الحائط، بتعابير جامدة وثابتة.

تتنهد اليس بخفة بينما تجلس على الاريكة، تنظرُ الى حجرها بضياعٍ وقلة حيلة، قبل ان تكسر الصمت قائلة: «ثُمَّ ماذا...؟ جلسات العلاج لا تأتي بنتائج حقيقة...».

تُصرِّح بالحقيقة التي رفض الجميع الاعتراف بها، لتتلقى تنهيدةً صغيرة من شقيقها الجالس «يبدو الامر وكأننا ندور في الدائرة ذاتها منذ البداية...».

يتحدثُ بيلين بصوتٍ هادئٍ منكسر، تتدلى بين اصبعيه السيجارة ذاتها منذ قليل، تحكي صراعًا داخليًا يُنهك أعماقه.

«أشعرُ بالعجز، أشعر أنني... خذلتها...» يضيف بيأس بينما يفرك وجهه بين كفيه، يسأل نفسه مرارًا لماذا لم أكن اخًا أفضل لها؟ لماذا لم اتمكن من حماية روحها؟.

تقدم الاخر متحدثًا أخيرًا، صوته اكثر اتزانًا، لكنه مشوب بالتعاطف والتفهم «لو كان هناك من يُلام، فسيكون نحنُ... لقد سمحنا لها بالذهاب الى مصيرها القاسي...».

تزفر اليس بخفة عند سماع ذلك، مدركة ان ما قيل للتو صحيح، ولكنها ايضًا تعلم ان الندم على الماضي لن يُصلح المستقبل

«انه ليس وقت اللوم يا ليو، اولويتنا الان هي ايلين واسترجاعها لذاكرتها».

اومأ المدعو ليو بخفة، موافقًا على ما قالته زوجته للتو، مدركًا انهم بحاجة للتركيز على هدفهم الرئيسي في الوقت الحاضر، ولكن يقاطعه صوت بيلين من الجانب الاخر.

«الاولوية ليست لاسترجاع ذاكرتها، الاولوية لجعل الفاعل يدفع ثمن فعلته».

تظلُّ كلماته معلقة في الهواء للحظات، ويزداد التوتر وثِقل الهواء مع سماع تلك الرغبة غير المعلنة للانتقام، تتجهّمُ اليس بمزيج من الغضبِ والترددُ، ولا يسعها ان تكظم غيضها لوقتٍ طويل...

«أتظن أن سعيك وراء الانتقام سيعيد اليها ما ضاع منها؟ هل تظنها ستسعد هكذا؟!» يلاحظ كلٌّ من بيلين وليو الارتفاع الطفيف في نبرة اليس، مستشعرين الصراع بين مشاعرها، وبين عاطفتها ومنطقها.

لكن بيلين يأبى التراجع كذلك، عينيه تظهران شرارة الغضب والغِلّ، والتي لن تنطفئ الا بأنتقامٍ مرضي«بل سيجعلها تدرك أنها ليست وحيدة في هذا، أن لديها من سيأخذ بثأرها في نهاية المطاف».

يزداد التوتر بين ثلاثتهم، وترتعد اوصال اليس بأحباطٍ وغضب، وعندما تفتح فمها للاعتراض مجددًا، يضع ليو يده على كتفها ليمنعها، فتطلق تنهيدة عميقة وتصمت، مدركةً ان لا جدوى من الجدال.

يخيّم الصمت على المكان، وكلُّ منهم يتجنب النظر الى الاخر، ينتهي بهم المطاف في افكار متقاطعة من جديد، لكن فكرة جديدة تفرضُ نفسها في الساحة؛ الإنتقام.

في جهة اخرى من ذلك المنزل، حيث تجلس بنية الخصلات على كرسيها امام اللوحة البيضاء الخالية، وتبدأ بتمرير فرشاتها لتملئ الفراغ بأفكارها المشوشة.

قد تكون فراشة مقطوعة الجناح، وردةٌ ذابلة البتلات، او مجردُّ رسمٍ لن يفهمه سواها.

فجأة، ينسكبُ اللون الاحمر على الارضية البيضاء، يرتسم عبوس صغير على شفتيها بينما تحمل منشفة وتقترب لمسحه، قبل ان تتوّقف في مكانها بذهول ودهشة.

تتسع عينيها كأنهما اصطدمتا بحقيقة مرعبة بينما تنظر إلى البقعة الحمراء، تتسارع انفاسها تدريجيًا وترتعش يديها، تتدفقُّ ذكرى غير حميدة الى بالها، يتزايد الخوف والتوتر، والرعشة لا تتوقف، والاصوات في دماغها تصرخ.

لم تكن تعلم أن سقوط لونٍ سهوًا قادِر على هدم الجُدران التي بنتها حول ذاكرتها...

« بقعة؟ بذلك الحجم؟ لا... لا... لقد كانت اكبر... ملاءات بيضاء، صدى صوت... واحد، أم اثنان؟؟ ربما ثلاثة!».

تتزايد الأصوات من حولها، ضحكةٍ ساخِرة شامتة ويدٌّ تُخرِس فمها، همساتٌ مخيفة وضوءٌ خافت، رائحة النيكوتين الخانقة، مجددًا صوت المطر الغزير في الخلفيّة...

يدوي الرعدُّ باثًّا الرعب إلى نفسها ويعيدها إلى الحاضر، تسقط الفرشاة من يدها وتهطل دموعها بغزارة، يتراجع جسدها إلى الوراء حتى ترتطم بالحائط، تخبئ وجهها بين كفيها بينما تبكي بصمتٍ بسبب تلك الذكريات.

لم تكن تعلم ان تدفق تلك الذكريات من جديد يعني فتح بابٍ للجحيم في حياتها، لم تكن تعلم ان برجوع تلك الذكرى المفقودة، ستحل لعنة معقدة عليها وعلى من حولها، مليئة بالالغاز والخبايا والاسرار، وبداية فعليّة لصراعٍ نهايته معلقّة بين طيّات القدر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Ventuno ||

المؤلف xalhil1
2025/07/14 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة