----
”يميل بنو آدم لصنع الخطايا وارتكاب الآثام... بينما تُخيّط الضحايا جراحها في الظلام، بصمتٍ لا يراهُ أحد.“
الحادي عشر من فبراير، 2018.
----
غروبٌ جميلٌ آخر للشمس يمكن رؤيته من خلال النافذة، النسمات الباردة تتسلل خلال الستائر لتزيد من برودة الغرفة، تُحدِّق ايلين بالخارج بعقلٍ مشوّش، في حالة مابين الوعي واللاوعي.
يقفُ الطبيب المشرف على حالتها أمامها سريرها الأبيض، ينظر اليها بتعاطف وأسف، قبل أن ينظر للواقفين أمامه مرة أخرى ويتحدث قائلا: «بعد إجراء فحوصات شاملة، سأطلعكم على النتائج...».
يلقي نظرة اخيرة على التقرير الذي بين يديه، ثم يقرأه بهدوءٍ وثبات «ظهر في النتيجة ان الانسة ايلين تواجه اضطرابًا نفسيًّا حادًّا، مصحوبًا بفقدان جُزئيّ للذاكرة، وهذا نتيجة لأعتداءٍ جسديّ ونفسيّ، لكن حالتها مستقرة في الوقت الراهن».
كان وقع الأخبار الجديدة قاسيًا على شقيقيها، نظرت لها اليس بحسرةٍ وشفقة، ومدت يدًا لتلامس يدها بخفة، بينما زفرَ بيلين بعمقٍ وفرك وجهه بكفّه.
شعر الطبيبُ بالشفقة على حالهم، خصوصًا على حال الفتاة المستلقية على السرير دون حِراك، وكأنها روحٌ بلا جسد... قبل أن يكسر الصمت مجددًا قائِلًا: «أقترح عليكم عرضها على معالج نفسيّ».
ينظرُ له بيلين عند سماع أقتراحه، ويسود الصمت للحظات، تاركةً أقتراح الطبيب معلقًا في الهواء لبعض الوقت، قبل ان يطلق بيلين تنهيدة صغيرة اخرى، ويومئ برأسه بخفة، موافقًا على أقتراح الطبيب.
الذي بدوره أبتسم بخفة لثلاثتهم ثُم استأذن مُغادرًا، ليمنحهم بعض الخصوصية والوقت للتفكير واستيعاب كل ما حدث للتو.
الأمر ليس سارًّا حتمًا، لكن أن كان لا بُد منه، إذًا ليكن.
----
السابِع عشر من فبراير، 2018.
----
يُغلِّف المكان جوٌّ دافئ عكس برودة العراء، يصاحبه صمتٍ يصمُّ الأذان يخيمُ منذُ دقائق، تجلسُ بنيَّة الخصلات على الأريكة ذات اللون الرماديّ الباهت، يديها تتململان بلا توقف وعينيها تأبيان مقابلته.
من يجلس أمامها على الأريكة المقابلة، يراقبها بنظرة مدروسة وهادئة، ويقرر كسر الصمت وبدأ حوارٍ بسيط معها قائلًا؛ «لنبدأ بتروي، أنا المعالج نويل لاوري، وسيسرني بدأ جلسات العلاج معكِ».
تحدّث ليقابل كلامه بإيماءة صغيرة، دون حتى ان يتلقى نظرة واحدة، همهم بتفهم وظلّ صامتًا للحظات، قبل ان يتحدّث مجددًا «لا داعي للتوتر، اليوم، أنا هنا للتعرف عليكِ أكثر».
«قيل لي أنك تحبين الرسم؟» سأل بهدوء وحذر، فتلقى ايماءة اخرى، كجوابٍ صامت على سؤاله، فأشار بأصبعه الى دفترٍ وقلم على الطاولة أمامها، قبل أن يضيف؛«إذا كان هذا الحال، هلا رسمتِ لي شيئًا؟ فقط عبرِ عن ما يجول بخاطرك».
تنظر ايلين الى الدفتر بصمت للحظات، قبل ان تمدُّ يديها بتردد لتأخذه، وتبدأ بالرسم بصمت.
راقب نويل تعابيرها الفارغة من مكانه، ودوّن بعض الملاحظات قبل أن يعيد تركيزه اليها، مترقبًا ما ستخطُّه أناملها على الورق الابيض.
ظل صامتًا لدقائق أخرى، يمنحها الوقت والمساحة للرسم كما يحلو لها، ثمَّ أخيرًا، تُظهِر ايلين ما رسمته، فينظر المعالج اليها بأهتمام، تعابيرها ثابتة وغير قابلة للقراءة، بينما يحلل الرسمة التي أمامه بصمت للحظات.
كان رسمًا غير مكتمل، خطوطٌ سوداء متشابِكة، كأنما بِدايةٌ هي تفتقرُ للنهاية...
«همم، أيمكنك أخباري بماذا شعرتِ اثناء رسمك لها؟» يسألها مترقبًا جوابًا فعليًا، وليس مجرد ايماءة صغيرة، تظلُّ ايلين صامتة للحظات، عينيها تنظران الى الحائط، ويدها تتململ بالقلم، قبل ان تتحدث بصوتٍ منخفض «لا... لا أعلم...».
أومأ المعالج بتفهم، ملاحظًا سلوكها المتوتر ونبرتها المنخفضة، مال للامام قليلًا وارتسمت على شفتيه ابتسامة ناعمة ومطمئنة «لا أتوقع منكِ جوابًا لكل شيء حالًا، سنبدأ خطوة بخطوة».
صمت للحظاتٍ اخرى، ليتركها تستوعب كلماته وتشعر ببعض الراحة، قبل ان يستمر بجلسة العلاج الاولى، بمزيج من الاسئلة الخفيفة عن حياتها واهتماماتها، والتي ستقابل بهزّة رأس او ايماءة، او اجوبة مختصرة.
دوّن نويل الملاحظات بعناية اثناء الجلسة الاولى، مع الاخذ في الاعتبار سلوك ايلين واجاباتها المختصرة والمترددة، وفي نهاية الجلسة، أغلق كتابه ونظر اليها بأبتسامة دافئ وتحدث قائلا:«هذا كل شيءٍ لليوم، تذكري أن ترتاحي جيدًا حتى جلستنا القادمة».
تأمل نويل تعابيرها بينما يغلق الكتاب، مدركًا ان معركة حقيقية على وشك البدء، وأن صدى الصمت المدوّي أبلغ أحيانًا من إي صرخة.