تمهيـد

تمهيـد

21 0

في قلب روما المضيء، حيث تتعانق الأوراح بالدفئ، كان هناك ظِّلٌ يركضُ عكس التيّار، مُحمّلًا بالخوف والصمت\. تستلقي بجسدها المهلوك على سريرٍ ضخم بفوضوية، عسليتها تفتقران لبريقهما المعتاد أثناء تحديقها بالسقف بصمت، وقد جفّت الدموع على خديها\. «أهي حيّة؟» «مازالت تتنفس صحيح؟» «أنظروا إليها\.\.\. يجب أن لا تفارق الحياة\!» تعالت الهمسات من حولها، بالكاد كانت تسمعها، لكنّ يدًا مرتجفة تمرّدت إليها محاولةً جذب إنتباهها«يـ\-يا آنسة» التفتت برأسها يمينًا ببطئ شديد، تنظر لمن تقف بجانبها مشفقةً على حالها، كانت سيّدة تبدو في عقدها الثالث\. «مالك المكان وأتباعه غادروا المكان منذ برهة، هذه فرصتك للنجاة بحياتك\!» لمع بريق الأمل في عينيها أخيرًا، بينما تومئ بقوة وتحاول النهوض بصعوبة\. «أهدءِ الآن، أرتدي هذا المعطف، سأعينك على الوقوف» أحضرت السيّدة قميصًا رماديًّا تستر به عورة الفتاة أمامها، أعانتها على النهوض وبدأت تسير بها يمينًا حيث رُبِطت ملاءات السرير بالنافذة حتى يتسنى لها الهرب\. «أذهبِ، بالأسفل هناك ينتظرك أحد الخدم، سيدلك على المخرج الأكثر أمانًا، هيا\!» هزّت رأسها موافقة بينما تحاول النزول ببطئ وحذر، أخذت تنزل وتنزل حتى وصلت للنهاية، هناك حيث أنتظرها بالفعل رجلٌ شاب بتعبيرٍ قلق\. أمسك بالفتاة جيّدًا ونبس لها بهمس «سأوصلك للمخرج بنفسي، بعدها أهربِ بنفسك دون أن تنظرِ للخلف، أفهمتِ؟»\. أسند جسدها وبدأ بالركض في حديقة ذلك القصر الكبير، كلُّ ما يُسمع هو صوت أقدامهما وأنفاسهما في ذلك المكان، النبضُ المتسارع لقلبها يحجبُّ أي صوتٍ أخر في أذنها\. ما إن وصلوا إلى مخرجٍ مخفيّ، كسرٌ في جدار الحديقة مخفيّ بين أوراق الشجيرات، حتى سارع الشاب بأمساعدتها على الخروج، حِرصًا على أن لا يراها أحد\. «تقدمِ\! لا تلتفتِ للوراء مهما كان الثمن\!» خوفًا على حياتها، سمِعت تلك النصيحة وأخذت تركض، ركضت وركضت على غير هدى، بالرغم من الألم المميت الذي يسري في جميع أنحاء جسدها\. بالرغم من كونها تجري حافية القدمين، بالرغم من أن جسدها لا يستره سوى قطعة قماش، إلا أنها جرت كما لو أن حياتها تعتمد على ذلك، هبّت العواصف وهطلت الأمطار\. أصابها البرد ونال منها التعب، لكن الطريق أمامها مازال طويلًا، تشتاق لمنزلها، تشتاق لحضنٍ دافئ يحتويها ويشعرها بالراحة الآن\. بدأت تلتقط أنفاسها بصعوبة، كما لو كانت تجري لأعوامٍ طويلة، أسئلةٌ كثيرة مالها مُجيب، كيف أنتهى بها المطاف هكذا، لِما حلَّ بها كل هذا؟ ما هو الذنبُ الذي أقترفته لتعاقب هكذا\.\.\.؟\. دمعةٌ تمردت من عينيها العسليتان تختصر ما يجول بخاطرها من كلمات، حتى تعثّرت وسقطت في بركةٍ من الماء\. عبثًا حاولت النهوض، عبثًا حاولت تحريك ساقيها، شعرت باليأس والعجز، شعرت أنها لا تستطيع الأحتمال بعد الآن، بدأت تبكي وتضرب ساقيها كعقابٍ على عصيانها، رفعت رأسها والدموع تملئ وجهها\. أدركت أنها على بعد خطواتٍ قليلة عن المنزل، أدركت أنها تستطيع العودة إلى عائلتها، مجددًا حاولت النهوض ونجحت بذلك\! وقفت أخيرًا على ساقيها المرتعشتين\. خطوةٌ تلتها الأخرى، بدأت تجري مجددًا، حتى قادتها قدميها إلى المنزل، هاهي ذي تقف أمامه، لكن قواها خارت بالفعل\. تشبّثت بأسوار الحديقة المنخفضة مستندةً عليها، تسحب أقدامها رويدًا رويدًا علّها تصل إلى الباب أخيرًا\. حتى سطع ضوءٌ من بين ظلال الليل من خلفها مُتبعًا بصوت محرِّك سيارة، فتسارعت نبضاتها مجددًا، هل تمَّ القبضُ عليها من جديد؟ هل ستعودُ لجحيمٍ ذاقت المُرَّ لتهرب منه؟\. ما لبست حتى سمعت صوتًا كانت قد أشتاقت إليه، صوتًا حنونًا أعاد لها روحها وغلّفها بالدفئ\. «ايلين\.\.\. ايلين أنها أنتِ فعلًا\!» إلتفتت ايلين حينما سمعت ذلك الصوت، شعرت بالراحة والطمأنينة تغمرُ قلبها للمرة الاولى منذُ أيام، رأت شقيقتها تقف هناك، معالم القلق بادية عليها ويبدو كما لو أنها بحثت عنها لساعاتٍ طويلة\. غيّرت ايلين مسارها فورًا، ذهبت بأتجاه شقيقتها التي بدورها فعلت المثل، ارتمت ايلين بحضنها أخيرًا، اغمضت عينيها تستمع لبكاء شقيقتها ولموها لنفسها، بينما تشعر بالسعادة لأن كابوسها قد أنتهى أخيرًا\. ظلّت تستمع لنبضات قلب شقيقتها بصمت، لتخبر نفسها أنها لم تعد وحيدة بعد الان، أنها وأخيرًا\.\.\. تستطيع أن تستريح، ترتخي قبضتيها ببطئٍ على جسد الكبرى بينما تخور قواها «اليس\.\.\. أنا عدتُ\.\.\.»\. نبست بكلماتٍ أخيرة قبل أن تغمض عينيها وتروح في سُباتٍ عميق، لتنتهي معاناتها أخيرًا، أو ربما تبدأ\.\.\. 2018، الثامن والعِشرون من يناير\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Ventuno ||

المؤلف xalhil1
2025/07/14 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة