كانت الليلة ساكنة على غير العادة. السماء بلونها الأرجواني الداكن تنذر بأن شيئًا غير طبيعي يقترب. الرياح تعصف بأوراق الأشجار، والهمسات القديمة تتردد في الغابة وكأنها أغنية من زمن آخر.
جلست عند حافة النهر، تنظر إلى انعكاسها في الماء. شعرها كان يتماوج مع الهواء، وعيناها المتسعتان فيهما بريق غريب. منذ أيام وهي ترى نفس الحلم: خيط أحمر يلتف حول أصابعها ويشدها إلى مكان مجهول.
مدّت يدها للماء، فإذا بالخيط ظهر فعلًا مضيء، ينبض كأنه حي. ارتجف قلبه
"هذا… ليس حلمًا."
وقبل أن تفكر أكثر، اهتزت الأرض تحتها. ظلال داكنة خرجت من بين الأشجار، كائنات غريبة أشبه بالدخان الأسود، زحفت نحوها بهمسات مزعجة. ارتبكت، لكن الخيط الأحمر ازداد لمعانًا، ممتدًا من يدها ليشكل دوائر متشابكة تحيط بها.
من الظلام، ظهر شاب طويل، بردائه الأسود، عيناه كقطعتين من الجليد. كان يسير بهدوء وكأن الأرض ملكه. رفع يده، فتشكّلت من الظلال سيوف سوداء ضرب بها الكائنات حتى تلاشت.
نظر إليها بثبات وقال بصوت عميق:
"أخيرًا… وجدتُك."
ارتجفت، ثم تشجعت وسألته:
من أنت؟ ولماذا كأنك تعرفني؟
ابتسم بخفة، لكنها ابتسامة خالية من الدفء.
"اسمي أرين. أنتِ لا تعرفين بعد… لكنك السبب في استيقاظ الظلال."
اقترب خطوة، عينه توقفت عند الخيط الأحمر المتوهج حول أصابعها.
"الخيط اختارك. وهذا يعني أن مصيرك متشابك بمصيري."
لم تفهم كلامه تمامًا، لكن قبل أن تسأل، انبثق نور قوي من الجهة الأخرى من الغابة. الضوء طغى على كل شيء، دافئ، كأنه شمس مصغّرة بين الأشجار.
من وسط النور، ظهر شاب آخر… شعره أشقر لامع، عيناه بلون السماء الصافية، ابتسامته عكس برد أرين تمامًا. كان يحمل رمحًا يتوهج بالضوء.
"ابتعد عنها يا رجل الظلال."
صوت مليء بالثقة والدفء. اقترب منها بسرعة، رفع حاجبه مبتسمًا وهو يرى الخيط الأحمر.
"إذن… هذه هي الفتاة."
وقفت إيلاف بين الاثنين، قلبها يضرب بعنف. سألت بحدة:
– أنتما… من تكونان؟ ولماذا يلاحقني هذا الخيط؟
رد أرين ببرود:
"الخيط الأحمر قوة نادرة، وهو اختارك أنتِ.
لكن وجوده سيجلب الوحوش وكل من يطمع بالقوة."
قاطعه الشاب الآخر بابتسامة:
> "أنا ليو. على عكس هذا الظلالي الكئيب، أنا هنا لأساعدك. الخيط لا يحميك وحدك، بل يمكن أن يحمي العوالم كلها… إذا تعلمتِ استخدامه."
تراجعت خطوة للخلف، وعيناها تتنقلان بينهما. خيط أحمر يلتف حول يدها، لكنه انقسم فجأة إلى خطين: واحد مظلم يشد نحو أرين، وآخر مضيء يشد نحو ليو.
همست بخوف وفضول:
> "ماذا يعني هذا…؟"
السماء اهتزت من جديد، والوحوش السوداء عادت بأعداد أكبر، تحيط بالمكان. أرين أخرج سيوف الظلال من حوله، ليو رفع رمحه المضيء، وأنتِ… شعرتِ أن الخيط في يدك ينتظر قرارك.
لحظة صامتة، لكنها عرفت شيئًا واحدًا: هذه لم تكن بداية مغامرة عادية. هذا كان بداية مصيرها.
Anari