في السابع من شهر شرطان، حينما كانت الشمس تلقي بضيائها الذهبي على الأرض الوسطى، اندفع رجل على صهوة جواده من البوابة الكبرى لمملكة ويستيريا، لم يكن مجرد فارس بل كان مارتن الحكيم، سيد الجيش المارق وملك المملكة ذاتها، رجلًا تهامست حوله الأساطير، كما تهامس الجنود في المعسكرات عن بطولاته.
من خلفه، انطلق صوت جهير مليء بالاحترام:
_ أيها الملك، تمهل! لا يزال أمامنا سبعةُ أيامٍ على الاجتماع، ما الذي يجعلك مستعجلًا هكذا؟
لكن مارتن لم يبطئ، بل اعتدل فوق حصانه تريشيا والتفت بابتسامة ساخرة:
_ لتكن المملكة بين يديك الآن، يا فيسيريس! إنها فرصتك لتصبح ملكًا، ولو لأيام معدودة! هاهاهاها.
ابتسم فيسيريس بدوره، ولوّح مودعًا:
_ عد سالمًا، سيدي.
ورغم أن مارتن قد بلغ عقده الثامن، إلا أن روحه كانت متقدة كاللهب، وجسده صامدٌ كالصخر. لقد كان رجلًا عاش للحروب كما عاش للسلام، فحكم ويستيريا بقبضة من حكمة وسيف من حديد. لم يعرف الضعف طريقًا إليه، وكان السر وراء الاستقرار الذي نعمَت به المملكة طوال سنوات حكمه.
لكن هذه الرحلة لم تكن مجرد نزهة ملكية، بل كانت وجهتها الاجتماع الأهم في الأرض الوسطى، اجتماعُ الطاولةِ المستديرة، حيث يجتمع ملوك العالم وأسياد الجيوش الذين صنعتهم الحروب العظمى كل خمس سنوات. نظريًا، كان الهدف هو السلام، لكن في دهاليز القاعة العريقة، كانت الألسنة مسنونة كسيوف أصحابها، والحسابات تُعقد بدمٍ أكثر مما تُعقد بحبر.
هذا المجلس لم يُخلق من العدم، بل ولد من رماد حرب الألفية، حين التهمت النيران الممالك، واهتزت عروش كانت تبدو راسخة كالجبل، قيل إنه صُمّم ليكون واحةً للحوار، لكنه لم يكن سوى ساحة معركة أخرى، حيث الأقوياء لا يرفعون سيوفهم بل كلماتهم، وكثيرًا ما كانت تلك الكلمات أشد فتكًا من أي نصل.
كان مارتن يسرع كالسهم نحو ضفاف أشجار السنديان، حتى إن حصانه تريشيا، ذلك الفرس الأسطوري الذي حمله في حرب الألفية، بدا وكأنه شبحٌ ينساب بين الطرقات، لا يكاد يلمحه المارة، الريح تعصف بقلنسوته، وكأنه مشهد رجل يأبى الإنتظار…
لم تمضِ سوى لحظات حتى بلغ المكان، وهناك، تحت ظلال السنديان العريقة، وقفت روزاريا بثباتٍ هادئ، لم تكن مجرد ملكة بل كانت سيدة ويستيريا وملكة الأرض الوسطى، امرأةٌ ولدت من سلالة الإلف، مميزة بهالتها العتيقة، بشعرها الفضي المتلألئ وعينيها العميقتين اللّتين حملتا الجمال وما فيه …
حين رآها هدأت نفسه وتلاشت الحروب والمؤامرات من ذهنه، بصوتٍ يملؤه الحنين همس:
_ عزيزتي، كم اشتقت إليكِ.
ابتسمت روزاريا، وكأنها تنتظر منه هذه الكلمات، ثم قالت بنبرة رقيقة:
_ قررت الذهاب إذًا؟
أومأ مارتن وهو يترجل عن صهوة تريشيا واقترب منها:
_ عليّ ذلك، إنه واجبي، لا يمكنني التخلف عن الاجتماع، كان سيلفين سيشعر بالخيانة لو لم أحضر.
أخذت تتأمله للحظة، ثم قالت بقلق واضح:
_ لا أريدك أن تذهب.
أشاح مارتن بيده كأنه يطرد الفكرة:
_ ليس لي خيار، أنا من يقود الاجتماع.
أمسكت بيده، كما لو كانت تحاول أن تثنيه عن قراره:
_ إن كان لا بد من الذهاب، فلعلّي أرافقك.
تردد مارتن للحظة، ثم ابتسم بأسى:
_ وإيديان، والمملكة؟
_ فيسيريس هناك، تثق به أكثر من أي أحد، سيفعل ما عليه.
نظر إليها طويلًا، وكأن قلبه يوشك أن ينكسر، ثم همس بصوتٍ منخفضٍ كاعترافٍ مؤلم:
_ روز... أوه، يا عزيزتي، لم أندم على شيء كما أندم على كوني بشريًا، كم تمنيت أن أعيش طويلًا معكِ أنتِ وإيديان.
كان الليل يزحف قادِمًا، والريح تحرك أغصان السنديان، مضيفة جوًّا من الرومانسية، جوًّا لعاشقَين جمعتهما الحروب، وتفرّق بينهما الزمن.
فهمت روزاريا دون أن ينطق مارتن بذلك، وكأن كلماته المبتورة، ونظرته العميقة، وحتى نبرة صوته التي حملت شيئًا من التردد، كانت كلها تقول شيئًا واحدًا:
المملكة تحتاجكِ، يجب أن تبقي.
ولسببٍ لم يدركه حتى هو، كان يشعر أن عليها البقاء، وكأن القدر ينسج خيوطًا لا يراها بعد.
لم تجادله روزاريا، لم تحاول إثناءه عن قراره، لكنها وعلى حين غرّة أمسكت بيده، نظرت إليه نظرات عشقٍ جعلت حتى مارتن بالغ الحكمة يقع أسيرًا لها كما لو كان شابًا يافعًا يرى الحب للمرة الأولى.
ابتسم مارتن وهو يحاول أن يخفي ارتجافة قلبه،ثم قال:
_ روز، سأذهب الآن، سأعود بعد عشرة أيام. إنّ تريشيا قد مضت عليه العقود، لكنه لم يفقد بريقه بعد، سأكون هنا قبل عيد ميلاد إيديان، أخبريه أن يطالع كتاب الكويكب فهو بحاجةٍ إلى صقل سحره وتحسين بنيته.
أومأت روزاريا برأسها، وكأنها تخبره أن لا يقلق على شيء، أن لا يشغل باله إلا بطريقه، وأنها ستنتظره كما انتظرته في كل مرة.
ثم، دون أن تضيف شيئًا أرخى مارتن أصابعها، وامتطى تريشيا الذي حرك رأسه بفخر، كما لو أنه يعرف أن الرحلة القادمة ستُكتب في صفحات التاريخ
بدأ يسير ببطء، ثم تسارعت خطواته، حتى صار ظلًا لا يُرصد.
روزاريا لم تتحرك، وقفت هناك، تتابعه بنظرات صامتة، حتى تلاشى عن ناظريها، لكن قلبها كان يخبرها أن هذه الرحلة لن تكون كسابقاتها…
مارتن بالغ الحكمة ملك مملكة ويستيريا وسيد الأرض الوسطى، هو الرجل الذي كان له فضل كبير في إيقاف غزو الإلف والغوبلن، قضى لوحده على وزير الإلف الرابع السابق ...يبلغ حاليا 80 سنة يعتبر الرجل الذي اختاره سيلفين المارق ليترأس اجتماع الطاولة المستديرة ...صاحب بركة المستقبل ...الرجل الوحيد الذي تعتبره آلثيريا رفيقا لها اعترف به ملك الإلف كشخص قوي …