كان الليل قد بدأ يرخي سدوله حينما امتطى مارتن الحكيم جواده الأسطوري تريشيا متجهًا نحو الوادي المنسي ابتعد عن ضوضاء المملكة وصخب السياسة ليبحث عن لحظة سلام نادرة في مكان يخصه وحده، كانت قرية ديرموث المتوارية في أحضان الطبيعة إحدى النقاط القليلة التي لا يشعر فيها بوطأة العرش حيث يمكنه أن يكون مجرد رجل وليس ملكًا ولا مقاتلًا أسطوريًا
كان الطريق طويلاً ومتعرجًا تحفّه الأشجار العتيقة التي تهمس أغصانها مع الرياح بينما تناثرت الأكواخ الخشبية على جانبي الطريق خافتة الأضواء ساكنة كأنها جزء من الأرض نفسها في الساحة المركزية حيث تتوسطها بئر حجرية قديمة كان الأطفال يركضون حفاة على التراب بينما جلست عجوز تروي لهم حكاية من زمن مضى ...
رغم الفقر الذي ينهش القرية كان هناك سكينة نادرة كما لو أن هذا المكان قد نجا من قسوة العالم الخارجي أو ربما نسيه العالم تمامًا
توقف مارتن أمام كوخ قديم متهالك قرب مدخل القرية دق الباب مرتين ثم وقف في صمت حتى جاءه صوت خشن متهكم
— "اللعنة من يكون هذا"
فتح الباب ببطء وظهر وجه فيرمن غريفين بشعره الرمادي الأشعث وعينيه المتقدتين بدهشة لم يحاول إخفاءها
— "مارتن"
نظر إليه مليًا ثم انفجر ضاحكًا
— "أظللت الطريق أيها الأحمق"
لم يجب مارتن بل فتح ذراعيه ليعانق رفيقه القديم ذاك الرجل الذي قاتل إلى جانبه في حرب الألفية حين كان الدم يغطي الأرض وكانا وحدهما ضد جحافل الإلف
— "أتعلم" قال مارتن بنبرة هادئة "أنا أحسدك حقًا يا فيرمن"
قهقه فيرمن وهو يدفعه نحو الداخل حيث كان الدخان يتصاعد من موقد متواضع
— "ملك يحسد قرويًا على ماذا على الخبز البارد والماء العكر"
جلس مارتن على الكرسي الخشبي المتهالك وتأمل النار المشتعلة أمامه
— "إنني أشتهي حياة بسيطة كوخ صغير زوجة وابن بعيدًا عن وجوه النبلاء وألاعيب السياسة السلطة يا رفيقي مملة قاتلة"
كان حديثه شفافًا نابعًا من قلب أثقلته السنين فلم يرد فيرمن إلا بالصمت كان يعلم أن بعض الأثقال لا يمكن لأحد أن يحملها عن الآخر حتى لو كان صديقًا قديمًا
— "أيقلقك شيء يا مارتن" سأل فيرمن أخيرًا
تردد مارتن ثم قال بصوت خافت
— "أشعر بشيء لا أستطيع شرحه كارثة حزن دماء كثيرة"
ابتسم فيرمن وهو يسكب شرابًا في كأسين
— "لعلّك تقلق بلا سبب بعد كل ما مررنا به ما الذي قد يحدث لنا الآن أليست حرب الألفية قد أنهت أسوأ ما يمكن أن يحدث"
رمقه مارتن بنظرة غريبة ولم يقل شيئًا
بعد لحظات مدّ يده داخل عباءته وأخرج رسالة مغلقة ناولها إلى فيرمن
— "لطالما أردت أن أعطيك هذه"
أخذ فيرمن الرسالة لكنه لم يفتحها بل اكتفى بالتحديق في مارتن كما لو كان يحاول أن يقرأ شيئًا أعمق من مجرد الكلمات
وقف مارتن مستعدًا للمغادرة فنادى جواده
— "يا تريشيا حان وقت العودة"
أوقفه فيرمن قبل أن يرحل
— "طلب أخير يا مارتن"
استدار الملك ببطء والتقت عيناه بعيني صديقه القديم
— "إيديان" قال بحزم "اعتنِ به"
نظر إليه فيرمن طويلاً ثم قال بصوت لم يخلُ من شجن
— "سأفعل يا مارتن"
أدار الملك ظهره ومضى بعيدًا على ظهر جواده بينما ظل فيرمن واقفًا عند عتبة الكوخ يراقبه يختفي في ظلام الليل وعيناه تلمعان بشيء لم يستطع إخفاءه
كأنه يعرف شيئًا لا يعلمه سواه