داخل المملكة، وعلى أحد أروقة القصر الخارجية، وقف فتى لم يبدُ أنه تجاوز الخامسة عشرة من عمره، عيناه تتابعان مبارزة بين فرسان المملكة، لكنه لم يكن مجرد متفرج بل هناك شيء مختلف، شيء ما غامض يتصاعد في أعماقه.
كان إيديان يراقب تحركات الفرسان بشيء من التمعن، لم يكن الأمر مجرد مشاهدة عادية، بل أشبه بشعور غريب يغمره، للحظة، بدا وكأنه قادر على رؤية ما سيحدث قبل وقوعه، كل ضربة، كل خطوة، كل مناورة رآها بوضوح كأنها ذكريات سابقة، وليس شيئًا مستقبليًا.
اتسعت عيناه في ذهول، لكنه لم يملك الوقت للتفكير، إذ قاطعه صوت مألوف خلفه:
_ "السيد الشاب، أنت هنا إذًا."
التفت ليجد فيسيريس يقف خلفه، ينظر إليه بسخرية.
_ "فيسيريس، ما هذا؟"
_ "قتال يا سيدي، مجرد مبارزة بين فرسان المملكة."
هز إيديان رأسه، ما زال الارتباك يسيطر عليه:
_ "أقصد… أعتقد أن خطبًا ما أصابني فجأة. للحظة، خُيّل إلي أنني رأيت خطواتهم القادمة قبل أن تحدث…"
قهقه فيسيريس بصوت عالٍ، ثم ربت على كتفه وكأنه طفل صغير:
_ "السيد الشاب، هذه مهارتك المباركة! الجميع هنا يعلم أنك ورثتها، يا لك من أحمق! كيف لم تدرك ذلك باكرًا؟!"
واصل ضحكه بصوت مرتفع، حتى التفت إليه بعض الفرسان الآخرون متعجبين من حاله، لكن إيديان لم يكن في مزاج يسمح له بالمزيد من السخرية، بغضب أردف:
_ "سيدي… ألا تظن أنه وقت التدريب؟"
نظر إليه فيسيريس بتمعن قبل أن يبتسم قائلاً:
_ "ما رأيك أن نمتنع عن تدريب السحر اليوم، ونجرب شيئًا آخر؟"
رفع إيديان حاجبه في استغراب:
_ "شيئًا آخر؟ وما عساه يكون؟"
_ " لتبارز أحد الفرسان، لعلك تكتشف البركة أكثر"
اعتدل إيديان في وقفته وقال بتبختر:
_ "أنا؟ أبارز مجرد فارس؟"
ضحك فيسيريس مجددًا، ثم قال بنبرة هادئة:
_ "أيها السيد الشاب، لا يجب على المبارز الحقيقي أن ينصاع لغروره فما إن يفعل، ليكونن سوى عنزة تُجر إلى هلاكها بسبب عدم هروبها من الذئب"
كان إيديان مغمورًا بحماس جامح فبين أقرانه يعد الأكثر موهبة وبسبب الدماء التي يحملها هاهو يرث أحد البركات العشر، ومنذ أن أدرك موهبته، عرف يقينًا موقعه بين الأجناس، كان يصرخ في أعماقه:
"سأمزق هذا الجندي! أرى كل تحركاته بوضوح، بل وأعلم مسبقًا ما الذي سيفعله!"
وقف بثقة، عاقدًا العزم على إثبات تفوقه، وقال بصوت متحدٍّ:
_ "أيها الفارس، هيا تقدم! وتذكر… هذه مبارزة بالسيف، لا قتال بالسحر!"
تحرك الفارس بخطى ثابتة، لم ينبس ببنت شفة، واكتفى بنظرة هادئة لا تعبّر عن شيء، وما إن بدأ القتال حتى تحطّمت كل أوهام إيديان في لحظة خاطفة لم تمضِ إلا أجزاء من الثانية حتى سقط أرضًا بضربة واحدة، ليس حتى بسيفٍ مسلول، بل بغمد السيف!
وقف فيسيريس فوقه يحدّق في وجهه المصدوم، قبل أن ينفجر ضاحكًا حتى اغرورقت عيناه بالدموع:
_ "الآن فقط ستعرف الحقيقة أيها الطفل المدلّل! ستدرك عظمة الفارس وستفهم موازين القوى، سترى كيف يتفاوت الرجال في قدراتهم!"
انحنى قليلًا، وهمس بسخرية لاذعة:
_ "ما بك، أيها السيد الشاب؟ ألم تكن ترى المستقبل؟ ألم تقل أنك تملك قوة مباركة؟ ها أنت ذا مجرد ضعيف جاهل!"
ضحك فيسيريس عاليًا، ضحك حتى كاد صوته يصل إلى كل أرجاء المملكة لكن فجأة قُطع ضحكه بصوت ناعم، لكنه يحمل في طياته سلطة لا تُضاهى:
_ "فيسيريس… ألا تظن أنك تقسو على ابني؟"
تجمّد فيسيريس في مكانه، والتفت ببطء نحو مصدر الصوت، ليجدها… السيدة روزاريا، ملكة ويستيريا.
ارتبك للحظة، قبل أن ينحني سريعًا باحترام:
_ "سيدتي… إن المملكة كلها كانت تفتقدك."
نظرت روزاريا نحوه بلا تعبير واضح، ثم انتقلت بعينيها إلى ابنها الذي كان ينهض بصعوبة، ينفض الغبار عن نفسه.
اقتربت منه وقالت بصوت هادئ لكنه حازم:
_ "أخبرني، أي تقدم أحرزه هذا الفتى؟"
أجاب فيسيريس بابتسامة خفيفة:
_ "سيدتي، إنه حقًا موهوب حتى أنه أدرك بركة السيد، لكنه متهور… وإني أعالج هذا خير العلاج."
ماذا عن سحره؟
هو لم يبدي تقدما مذكورا إلا أن مهاراته في السيافة تتحسن بكل تأكيد …
ثم نظر نحو إيديان الذي بدا وكأنه يحاول استيعاب ما حدث.
لكن فجأة، كسر إيديان الصمت، وصاح بغضب مكبوت:
_ "أمي، لقد غادر أبي! قال إنه سيغيب لنصف شهر، لكنه لم يسمح لي بالذهاب معه! إنها المرة الرابعة التي يكذب فيها علي! أنا عازم على ألا أكلمه مرة أخرى!"
تنهدت روزاريا بصمت ثم قالت بصوت هادئ:
_ "إيديان، إن العالم الخارجي غير آمن يا بني، يجب أن تدرك قوتك أولًا، ثم لك كامل الحرية أن تذهب أينما شئت."
رفع إيديان رأسه ونظر إليها بعينين تحملان العناد والأمل معًا:
_ "وعدٌ هذا يا أمي؟"
ابتسمت روزاريا قليلاً قبل أن تردف:
_ "وعدٌ يا بني."
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما مجددًا، نظر إلى والدته بعينين حادتين، ثم قال بصوت حازم:
_ "سأفعل، لأكونن الأقوى في هذه المملكة بعد شهرين لا شهر واحد، شهر واحد فقط ...
جلس إيديان على سريره، يراقب يديه، يتذكر كيف استطاع أن يرى حركات الفارس قبل أن تحدث، لم يكن الأمر مجرد حظ ولم يكن مجرد مهارة تدريبية، بل شيء آخر… شيء أعمق.
وقف ببطء، وركز، محاولًا استدعاء ذلك الإحساس مجددًا للحظة، شعر بالهواء من حوله وكأنه ينبض، وكأن العالم كله يتنفس معه ثم، فجأة، اختفى الإحساس …
عبس إيديان، لكنه لم يكن محبطًا بل كان متحمسًا …
"إذا كانت هذه مجرد بداية، فما الذي يمكنني تحقيقه إن أتقنت هذه القدرة؟"
قائد فرسان مملكة ويستيريا ورفيق الملك فيسيريس يبلغ من العمر 34 سنة،يطلق عليه سكان المملكة فارس الفجر، هو شخص يحترمه مارتن وكلفه بشؤون المملكة في غيابه …
______________
معلومات مهمة:
ترمز البركة لأولئك من لهم القدرة على جلب النعمة والنقمة لهذا العالم عبر العصور توارث المحاربون البركة بينما قلة قليلة من اختارتهم البركة بنفسها …
البركات الحالية التي ظهرت:
بركة المستقبلبركة الدمبركة الحياة بركة الظلام بركة النور