آسٍ

آسٍ

41 0

”أنا آسٍ و متآسٍ

1

منهكٌ و متعبٌ و عالقٌ في رأسي و رؤوسِ الكثيرين

1

أردتُ إنقاذَ نفسي ، و لكن.."

«جاي»

1

__________

السّابعُ من تشرين عامَ ألفين و اثنين و عشرين

تطرقُ على نافذتي بقوّة ، تصفعُ الزّجاجَ و تصرخُ بصوتٍ مزلزل ، كنتُ أستلقي و الحنقُ يأكلُ رأسي ، ككلِّ ليلة ، في سريري الحديديِّ خشنِ الملاءات ، لستُ أستطيعُ إيقافَها ، و لستُ أستطيعُ فعلَ شيء.

كنتُ أعزمُ في كلِّ ليلةٍ على تركِ الغرفةِ و الانتقالِ إلى غيرِها ، ثمَّ و مع طلوعِ الصّباح ، أتناسى الأمرَ و آملُ أن تتوقّفَ من تلقاءِ نفسها ، و لا تفعل ، كيف ستفعل؟

ليس لديها ذكرياتٌ أسوأ لتستعيدها هناك ، في قلبِ الظّلمةِ المُوحشة ، لا يستعيدون هنالك إلّا العواطف ، و ما الأكثرُ عاطفيّةً من الأسى؟

هي تتذكّرُ ليلتها الأخيرةَ مع حبيبها الأخير في شرفةِ هذه الغرفة ، و أنا ، تعودُ ذكراهما لتحيا حولي ، هنا ، في الغرفةِ التّي استأجرتُها منذُ شهر.

أشعرُ بالأسى عليها ، و بالشّفقةِ على حبيبِها مجهولِ الموقع ، لا أعرفُ عنهما سوى ما أسمعُ و أرى من طيفها ، أسمعُها تخبرُه أنَّها لن تسامحَه أبداً ، و ها هي في الموتِ الآن ، لا تزالُ تستذكرُ هذه اللّحظةَ دوناً عن غيرها ، و كلَّ يومٍ في هذه السّاعة ، أتمنّى أن تتجاوزَ أمرَه و حسب ، أريدُ أن أنامَ بسلامٍ أنا أيضاً.

غطّيتُ رأسي بالوسادة ، و رحتُ أضغطُ عليها بكفّي لئلّا يتسلّلَ نحيبُها إلى رأسي أكثر ؛ أرجوكِ تجاوزي الأمر ، لقَدْ مُتِّ و انتهى الأمر ، ارقدي بسلامٍ و توقّفي عن استذكارِ هذا المعتوه ، أنا أتعذّبُ بسببِكِ أيضاً ، ارحمي كلينا أرجوكِ.

لم يسكنِ الصّوتُ و لا بأيِّ شكل ، و كلّما خفتَ أعادَ رأسي تردادَ أصدائه ، كما لو كنتُ حبيبها هذا بل و سببَ موتها أيضاً ، كنتُ دائماً ما أعاني من هذه القدرةِ مع هبوطِ اللّيل ، أشاهدُ ذكرياتِ الأمواتِ حولي و هم يستعيدونها في عالمهم المعتمِ المجهول ، أسمعُ قصصهم و أرى أطيافَهم ، لكنّني لم يحدث و استطعتُ مخاطبةَ أيِّهم ، كانوا جميعاً أطيافاً عابرة ، ذاتَ ذكرياتٍ مؤلمة سواءَ في مُرِّها أو حلوها.

1

أكرهُ قدرتي أحياناً ، و أعودُ و أُحِبُّها يومَ تحدّثني إيلين عنها.

إيلين _الفتاةُ التّي أُحِبّ_ تخبرُني دائماً أنَّها ترغبُ في استعارةِ قدرتي لتتمكّنَ من رؤيةِ جدّتها ، في الحقيقةِ أنا أرى ذكرياتِ جدّتها كلّما زرتُها ، لكنّني لم يحدث و أخبرتُها لئلّا تزدادَ حزناً ، البيتُ بأكملِه يلمعُ عندما أراها ، يلمعُ بذكرياتٍ مختلفةِ الألوانِ فريدةِ المشاعر ، كأنَّها الشّفق.

هدأَ بالي لوهلةٍ عندما استذكرتُ إيلين ، بشعرِها الأشقرِ المُموّج ، و فمِها الصّغيرِ الذّي لا ينطبقُ أبداً ، تلك الفتاةُ مشرقة ، تشرقُ في حياتي برغمِ صغرِ سنِّها ، و تعيلُني على احتمالِ ثقلِ رأسي ، تعيلُني على الحياةِ بنورِها الوهّاج ، إيلين ملاك ، ملاكٌ نفيسٌ لا أستحقُّه.

تنهّدت ، و رفعتُ الوسادةَ من على رأسي ، لحظتُ أنَّ الطّرقَ المُؤرقَ قدِ ازدادَ ضجّةً ، بل قَدْ رافقَ طرقاً حديثاً قادماً من جهةِ المدخل ، حسبتُها ذكرى أُخرى بادئ الأمر ، بيدَ أنّني أوقنتُ بعدَ التّمحيص ، هذه حقيقةٌ مثبتة ، يبدو أنّ هنالك مشكلةً تنتظرُني في عالمِ البشر ، السّاعةُ المتأخّرةُ تنذرُ بذلك.

نهضتُ متردّداً ، مرتاباً و شبهَ خائف ، مشيتُ في اتّجاهِ الباب ، و الطّرقُ يتسارعُ مع كلِّ دقيقةِ تأخير ، سحبتُ المقبضَ على نسقٍ متباطئ ، و شددتُ الباب ، و إذ بالمخاوفِ تنجلي ، لم يكن شرطيّاً و الحمدُ للّٰه ، كانَتِ امرأةً بيضاءَ قصيرةً بنفسجيّةَ الشّعر ، تقفُ و عقدةُ حاجبيها بائنةٌ أمام البابِ مباشرةً ، خطتْ قليلاً إلى حيّزي مُذْ فتحتُ لها ، و أسندَتْ ذراعها إلى حاجب الباب ؛ ماذا فعلت؟ لا أذكرُ أنّني رأيتُها من قبل..

_"أهلاً؟"

_"تذكّر أنّكَ لا تسكنُ وحدَكَ يا ولد ، احترم جيرانكَ و إلّا جعلتُكَ تحترمُهم رغماً عن أنفك ، هل سمعت؟"

ردّتْ شعرَها القصيرَ عن وجهِها و هي تهدّدُني ، و شزرتني من أعلى رأسي حتّى أخمصِ قدميّ ، بغضبٍ مكنونٍ أخشى استفزازَه بغبائي.

عرفتُها على أيّةِ حالٍ الآن ، هذه جارتي التّي انتقلَتْ حديثاً للسّكنِ في ذاتِ النّزل ، أخبرَني المالكُ صباحاً بقدومِها.

أحسستُ أنّني قَدِ ارتكبتُ ذنباً ما جعلَها تكنُّ لي بغضاً خاصّاً جدّاً ، خاصّاً بما أنّني قَد تهرّبتُ من التّرحيبِ بها من قبل ، أنا آسف ، لم أعرف أنّها جميلةٌ و ناعمةٌ هكذا ، قيلَ لي فقط أنّها تكبرُني سنّاً و حادّةُ الطّباع ، كنتُ سأتعرّفُ إليها بكلِّ سرور..

1

تحمحمت ، ثمَّ انحنيتُ معتذراً ، لا أدري ما هو ذنبي بعد ، لكنّني أتأسّفُ في سائرِ الأحوال ، هذا لأنّني مُحترَم ، أظنُّ ذلك

1

_"أعتذرُ منكِ ، و لكن ماذا فعلت؟"

1

تلمّسَتْ ذقنها ببنانِ أصابعها ، و أدارَتْ عينيها إلى فوق قليلاً ، فكّرتُ معها ، فكّرتُ في أنّني كنتُ أخرقَ عندما لم أتعرّف إليها أبكر

_"لا أدري ، هذا استباقٌ لئلّا تفعلَ شيئاً ، عد إلى نومكَ الآن"

1

رفعَتْ كتفيها ، و أنهتِ الحديثَ بأن استدارَتْ و بدأَتْ طريقها بعيداً من الغرفة ، في حينِ لم أحرّك ساكناً ، وقفتُ أراقبُها مشدوهاً فاغرَ الفاه ، أعيدُ التّفكيرَ و حسبُ فيما حدث ، في أنّها كانَتْ جدّيّةً في كلِّ كلمةٍ و لا تمزح ، صعقتني تماماً للأمانة ، أنا آسفٌ إيلين ، لكنَّ هذه المخلوقةَ فاتنة ، حتّى و هي مختلّةٌ هكذا..

_"واه.."

أفلتَ فمي بغتةً بغيرِ أن أشعر ، و أوقفَ تحرّكَها بما أفلت ، لم تكد تبتعدُ من موقفي ، و لم تستغرق التفاتتُها وقتاً يسمحُ لي بالهرب ، لقَدْ عادَتْ بنفسٍ جديدٍ أكثر مرحاً ، أظنُّني وقعتُ في مأزقٍ بالرّغمِ منه..

_"ماذا قلت؟"

سألَتْ بلهجةٍ حادّة ، و أدارَتْ كفَّها في الهواءِ تؤكّدُ على السّؤال ، راقبتُ حركاتها و ازدردتُ ريقي ، ثمَّ شرعتُ أحاولُ الاعتذارَ بالإيماءات ، عرفتُ أنَّ المأزقَ أكبرُ من قدرتي على التّملّص ، و لو تكلّمتُ سأخرّبُ كلَّ شيء ، أعرفُ هذا جيّداً..

_"إمّا أنّكَ تسخرُ منّي أو.."

_"إعجاب.. إعجابٌ أقسمُ لكِ"

قاطعتُها بأبلهِ طريقةٍ ممكنة ، و أوقعتُ نفسي في مأزقٍ أكبر..

1

رفعَتْ حاجبيها و أخفضتهما بسرعة ، ثمَّ أشارَتْ لي كي أدنو منها ، و آنما فعلت ، وضعَتْ يدَها على وجنتي ، ثمَّ صفعتني ، لم تؤلمِ الصّفعةُ بقدرِ ما صدمت..

2

_"الزم حدودكَ يا ولد"

1

أستحقُّ هذا ، فعلاً أستحقّ.

1

و لكن بغضِّ النّظر ، أيُّ وقتٍ سأقضي مع هذه الجارة!؟

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آسٍ

المؤلف دلع☆⁩
2025/09/16 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة