شعوذة

شعوذة

28 0

أوصلتُ زوي إلى النُّزل ، ثمَّ استأذنتُها في المغادرة ، رغبتُ في المشي علّي أردّ عن روحي تعاستها ، و شرعتُ في ذلك و النّاسُ حولي أشباحٌ و الأماكنُ ضيّقة ، و النّهارُ في نصفِه الثّاني أكثرُ كآبةً من أواخرِ اللّيل ، لوحةٌ تناسبُ فان كوخ ، و تناسبُ حياتي المقيتة.

في الحقيقة ، لم أمشِ لأنّني مستغرقٌ فيما حدث ، على العكس ، لقَد ولّى الخوفُ و التّخبّطُ مُذ قابلتُ تلك الشّابّةَ العجيبة ، بتُّ مسترخياً إلى حدٍّ ما ، آسياً كما كنتُ طوالَ عمري ، أعلّقُ في رأسي عدّةَ أفكارٍ متشابكةً لأتناولَ أمرها فيما بعد ، أخالُ غالبها متمحوراً حول زوي الغريبةِ العجيبة ، حول هالتها في رأسي المُستوحاةِ من قصصِ آلِ تنكرس أحفادِ الشّياطين ، هالةِ البطلِ السّلبيّ المتغطرسةِ و المُتغابيةِ في ذاتِ الآن ، و حول فعائلها الحميدةِ المُناقضةِ لما سبق ، رغبتي المستحيلةُ في التّخلّصِ من الخيالاتِ المُرعبةِ و بغيرِ أن أحاولَ قَدْ حقَّتْ ، كلُّه بفضل حضورها.

لن أتناولَ الخياراتِ على محملِ الجدِّ في الوقتِ الرّاهن ، فعقلي مُرهَقٌ عديمُ الطّاقة ، و أيُّ نتيجةٍ سأحصدُها ستُعَدُّ ضرباً من الغباء ، أنا واثق.

1

رتّبتُ ياقةَ سترتي لئلّا تسرّبَ الهواءَ المُثلجَ إلى عنقي المكشوف ، و سرتُ في اتّجاهِ السّوقِ ، بلا سببٍ مفصحٍ عنه ، ربّما يرميني شوقي إلى مرابعِه الأصليّة ، و ربّما فضولي حول الجرائمِ الدّائرةِ فيها ، في الواقع ، التّوغّلُ هنالك أهونُ عليّ بكثيرٍ من التّفكيرِ أو حتّى سؤالِ زوي عمّا تعرف ، حسنٌ ، وجهُها ، ذاتُه أحدُ أنعمِ الوجوهِ التّي رأيت ، لا يساعدُ في التّواصُلِ على الإطلاق ، يشعرُني بأنّها على وشكِ ضربي حتّى لو كانَتْ تضحك.

النّعومةُ ليسَتْ بالضّرورةِ دليلَ لطف ، فهمتُ هذا القانونَ حديثاً جدّاً.

1

انسللتُ من بين الحشودِ المتجمهرةِ حولَ محالِّ الحلويّاتِ رخيصةِ الأسعارِ رديئةِ المنتجات ، و من جديدٍ ، توجّهتُ إلى محلِّ والدَيْ إيلين ، لم أستطع لحسنِ الحظِّ سماعَ أيّةِ أصواتٍ شاذّةٍ في دربي الطويلةِ المتعرّجةِ هذه ، فضجّةُ الحياةِ تغطّي على المآسي ، تغطّي على ذكرياتِ الأمواتِ أينما كانوا.

أبطأتُ من حذوي مُذْ وصلتُ محلّاً يجاورُ المطلوب ، توقّفتُ هنالك قليلاً ، و رحتُ بحذرٍ شديدٍ أسترقُ النّظرَ عبرَ زجاجِ الواجهةِ إلى الدّاخل ، وجدتُ إيلين واقفةً في وسطِ المحلِّ تستعرضُ البضاعةَ المُعلّقة ، و معها امرأةٌ أربعينيّةٌ بزخةُ المظهر ، تشبهُ بعض نساء المدينةِ قليلاتِ العقلِ غزيراتِ الثّروة بالذّات ، تعتمرُ قبّعةً عملاقةً و تحملُ في يمناها مروحةً يدويّةً تلوحُ بها ذاتَ اليمينِ و ذاتَ الشّمال ، أظنُّ أحداً لم يبلغها بأنَّ الفصلَ الحاليّ فصلُ الشّتاء ، أو ربّما لم يبلغوها بعملِ المروحة ، تظنُّها آلةً لتحريكِ القماشِ المُسدلِ من القبّعةِ على عينيها مباشرةً ، لم يخبروها كيف ترتّبُ القبّعةَ أيضاً ، ظريفة.

اطمأنّ قلبي بعدَ عدّةِ تلفّتات ، و قرّرتُ الدّخولَ إليهما ، دفعتُ البابَ و ألقيتُ السّلامَ كزبونٍ اعتياديّ ، كم أنا مهرّج ، ما الذّي قَدْ يشتريه شابٌّ في مثلِ سنّي من محلِّ ملاءاتٍ و أقمشةٍ كهذا؟

1

حسنٌ ، لا يهمُّني ما تفكّرُ فيه الغريبةُ مرفوعةُ الأنفِ هذه ، فأنا أسكنُ وحدي و طبيعيٌّ أن أدخلَ كلَّ المحالّ ، كما ، و أظنُّه واضحاً ، أُحِبُّ إيلين أمام الجميع و لا أخجلُ من بيانِ هذا الحُبّ أمام أيٍّ كان.

2

حملَقَتْ بي المرأةُ مُذ دخلت ، بتفاجؤٍ أو اندهاشٍ أو حتّى ازدراء ، و ما ردَّتْ تحيّتي أبداً ، لستُ آبهُ بحركاتها الغبيّة ، لو لم تكن من أقاربِ إيلين طبعاً ، ستدمّرُنا لو كانَتْ.

تركَتْني حملقاتُها بعدَ برهة ، و توجّهَتْ نحو إيلين ، أشارَتْ لها كي تعرضَ عليها إحدى القطعِ الجاهزةِ في رفٍّ عالٍ قابعٍ خلفَ طاولةِ البيع ، بادلتُها عدّةَ نظراتٍ مستفهمة ، فهمتُ من بعدها ، إيلين يستحيلُ أن تطالَ القطعةَ بطولِها هذا

_"عنكِ"

تطوّعتُ قبلما أقدمَتْ إيلين على أيِّ تصرّف ، و على عجلة ، توجّهتُ إلى حيّزِ البيعِ من المحلّ ، وراءَ الطّاولة ، رفعتُ جسدي بعضَ الشّيءِ إلى الرّفِّ الثّالثِ المطلوب ، و جئتُ بالقطعةِ دون فوضى.

ركضَتْ إيلين إليّ ، و تناولتِ القطعةَ منّي كي تعرضها على تلك المخبول ، رتّبتُ ملابسي سريعاً ، و استرقتُ نظرةً طفوليّةً إلى وجهها ، كانَتْ تبتسم ، إيلين تبتسمُ كما لو كنتُ بطلها ، يا إلهي ، أليسَتْ في هذه البنتُ كلُّ سعادةٍ ممكنة؟

1

فتحتِ الكيسَ بهدوء ، و تناولَتِ القطعةَ منه تعرضُه على المرأة ، لم أنتبه لما تبادلتا من أحاديث ، كنتُ أنتشي بابتسامةِ الحلوةِ المنشغلةِ بالبيع ، ما تزالُ تبتسمُ حتّى بعد انقضاءِ الموقف ، و ما أزالُ أرغبُ في تأمّلِها ، ما اكتفيتُ من حلاوتها بعد ، أسوف أفعل؟

_"لم تعجبني بصراحة ، أعتذرُ لأنّني أتعبتُكَ يا جاي"

جفلتُ على إثرِ تلفّظها باسمي ، و جفلَتْ إيلين أيضاً ، أطبقَتِ الصّدمةُ على فاهينا ، نحنُ الاثنان ، نراقبُ كيف تتعاملُ المرأةُ مع الموضوعِ و كأنَّه اعتياديٌّ و بسيط ، و كأنّها تعرفُني منذُ خمسين عاماً ، عمري ثلاثةٌ و عشرون بالمناسبة.

حدّقتُ في وجهها قليلاً ، أتحرّى هويّتها ، و لم أبلغ أن عرفتُ شيئاً ، لم أرها في حياتي أبداً ، و لا يمكنُ أنّني أعرفُها ، هل فاهَتْ إيلين باسمي منذُ قليل؟ لا لا ، لم تفعل أبداً ، لم تخاطبني حتّى

_"تعرفينه يا خالة؟"

استسلمَتْ إيلين أوّلاً ، و طرحَتْ عليها سؤالاً بدا أنَّها كانَتْ تنتظرُه منذُ عقود ، لحظتُ ذلك ، لحظتُ ابتسامتها المُخفاةَ وراءَ قناعِ الثّقة ، و أظنّني فهمتُ الصّورةَ الآن

_"لا عزيزتي ، شعرتُ فقط بذلك"

_"صحيح! السّيّدةُ أخبرتني عنك جاي ، في إمكانها معرفةُ كلِّ الأسرارِ بأعجوبة!"

استرسلَتْ إيلين في الحديث ، بحماستها الطّفوليّةِ المعهودة ، التّي لن تتواجدَ عندي و لا بأيِّ شكلٍ من الأشكال ، في الواقع ، لقدِ اتّضحتِ الصّورةُ قبلما حاولَتْ إيضاحها ، هذه المرأةُ محتالة.

ضربَتْ إيلين على ساعدي برفق ، و عادَتْ تشيرُ إلى السّيّدةِ من جديد ، نبّهتني بصراحةٍ إلى أنّني لم أقس ملامحي على أفضلِ نحو ، إلى استحالتها و على الأرجحِ جدّيّةً و جامدةً جدّاً ، أو حتّى ساخرة.

حاولتُ من ثمَّ ألّا أبدو لئيماً أمام فتاتي العزيزة ، و حاولتُ التّعبيرَ عن شعورٍ ما ، فضحكت ، و بكلِّ غباءٍ على الأرض ، لم أقصد ، هو فقط.. الأمرُ مضحك!

2

رمقتني المرأةُ من جديد ، و تلعثمت إيلين و هي تحاولُ الاعتذارَ عمّا بدرَ منّي ، ليسَتْ تحتاجُ للاعتذار ، فخطئي ، فوق أنَّه ليس خطأها ، لم يكن خطأً ، كانَ الرّدَّ المناسبَ لهكذا كلامٍ أبله

_"لا تكترثُ بي ، أعلم ، جيّدٌ أنَّكَ لم تصب بأذىً منذُ قليل"

خاطبتني بثقةٍ عاليةٍ دالّةٍ على غباءٍ خارق ، و على الرَّغمِ من أنّني ما نظرتُ في وجهِها مُطلقاً ، و يالحظّها ، لم تنجح في صيدِ انتباهي ، فهي كالعرّافاتِ الأُخرياتِ في السّوق ، لا تختلفُ عنهنّ في شيء ، تتحدّثُ بشكلٍ عامٍّ و تصيبُ بالصّدفة ، هذا مضجر.

أمسكَتْ إيلين بذراعي ، و شرعَتْ تتفحّصُني من أعلى رأسي حتّى أخمصِ قدميّ ، بقلقٍ جعلَني أتخلّى عن كلِّ أفكاري السّالفة ، و أعربُ عن ابتسامةٍ رقيقةٍ بسيطة ، أنا سعيد

_"ماذا حدثَ جاي؟"

_"بطنُه بخير ، لم تصبها"

أجابَتْ عنّي في لحظةٍ غادرة ؛ حسنٌ ، هذا التّنبّؤ ما عادَ مزاحاً كما كان ، فهي قَدْ رأت ، أو عرفتْ شيئاً لا يعرفُه إلّا أنا و الميتةُ و ربُّنا ، و يصعبُ أن يأتي عن سبيلِ الصّدفة..

جذبَتْ انتباهي ، جذبَتْ ناظريّ إليها ، و إلى تلك الابتسامةِ المُختلّةِ المنتصرة ، هي تعرف.. تعرفُ أكثر..

_"تفقّدها مجدّداً ، أو اسأل تلك الشّابّةَ الأُخرى ، مع أنّها ليسَتْ لطيفة"

_"ما الذّي..!؟"

صرختُ في وجهها بغيرِ أن أعي ، و كلُّ مداركي تشتكي المسموعَ و تطلبُ النّجدة ، ثمَّ سكنتُ تماماً ، لم أعد قادراً على التّحكّمِ في أفعالي و مرادّها ، يجبُ أن أظلّ ساكتاً..

مسحتُ على رأسي أحاولُ أن أهدأ ، رأيتُ إيلين تحدّقُ بي ، يبدو أنّها تنتظرُ أن أردّ ، لا أستطيعُ أن أفعل ، لا أستطيع..

_"أيّ شابّة؟"

رمقتني المرأة ، أنا و إيلين المتسائلةَ الضّائعةَ بيننا ، و أطلقَتْ ضحكةً ساخرةً كادَتْ تدفعُني إلى ضربها لولا تحكّمتُ في نفسي.

2

استدارَتْ بلؤم ، و أخذتِ الطّريقَ نحو الخارج ، كدتُ أخرجُ في إثرها و أجبرُها على أن تبوحَ بما لديها بعد ، و بطريقةِ حصولها على هذه السّمومِ و دوافعِ دسِّها لنا الآن ، بيدَ أنّ إيلين ، و بقوّةٍ مفاجئةِ التّولّد ، أحكمَتْ ردعي ، و تثبيتي حيث أرادت ، أمامها..

_"ما القصّة!؟"

سألَتْني على انفعالٍ قليلاً ما شهدتُه فيها ، لستُ أملكُ إجابةً على الأكيد ، بيدَ أنّني أعرفُ من تستطيعُ أن تقتلعَها من تلك المجنون..

_"يجبُ أن أغادر.. سأسألُ زوي.."

_"من زوي!؟"

فهمتُ الآن.

حاولْتُ أن أقتربَ منها ، بعدَ أن تجاوزتُ صدمةَ صراخها في وجهي ، فصدمتني من جديدٍ إذ حاولَتْ دفعي ، يبدو أنّ الصّغيرةَ غاضبةٌ جدّاً في هذه المرّة ، تبدو ظريفةً أكثرَ ممّا كانَتْ

_"جارتي الجديدة ، أنسيتِها؟ جاءَتْ صباحاً"

أجبتُها بلهجةٍ هادئةٍ راكنة ، أستعملُها في العادةِ عندما أرغبُ في حلِّ الخلاف ، ثمَّ عدتُ و اقتربت ، لم تدفعني في هذه المرّة ، بل تراجعَتْ خطوةً نحو الخلف ، ها نحن ، لقَدْ هدأت ، تبقّى أن أكسبَ استعطافها فقط

_"ما علاقتُها بالأمر؟"

_"هيّا بربّكِ ، أتصدّقين ما تقولُ هذه المجنون؟ و حتّى لو كانَتْ صادقة ، هي تقصدُ أنّها كانَتْ معي عندما كدتُ أصاب"

_"بماذا كدتَ تُصاب؟"

نجحت.

عادَ قلقُها إلى الواجهة ، و عادَتِ الأمورُ إلى نصابها فيما بيننا ، لا أريدُ أن يفرّقنا شيءٌ مطلقاً ، يكفي كلُّ من يحاولُ أن يحولَ بيننا ، تلك المرأةُ انضمَّتْ إلى القائمةِ حديثاً.

اقتربتُ منها بحذر ، و لم تؤتِ بحركة ، داعبتُ شعرها ، و مسحتُ على خدِّها الحلوِ المنتفخ ، أردتُ أن أسترضيها ، و لو لم تستجب سأعودُ و أحضرُ مزيداً من الحلويّات ، أكرهُ عندما تنزعجُ منّي.

هل أُعتبَرُ سامّاً و أنا أخطّطُ هكذا؟ لا أدري ، الاعتباراتُ النّفسيّةُ الحديثةُ باتَتْ أعقدَ و أكثرَ انتشاراً من أن تحوزَ إجابات ، ما عادَتْ تنفعُ مطلقاً

_"بطنُكَ بخير؟"

طرحَتْ سؤالاً جديداً ، بنغمةٍ طفوليّةٍ ظريفةٍ حثّتني على الابتسام ، و استجبت ، رسمتُ لها ابتسامةً واسعةً مستلطفة ، ثمَّ تلمّستُ بطني أثبتُ لها أنّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام ، و في لحظةٍ ما ، أثبتُّ لنفسي العكس..

انتشرَ ألمٌ فظيعٌ في داخلي مُذ جسستُ موطنَ الرّصاصة ، دفعني لأن انحنيتُ و كدتُ أقع ، ألمٌ قاتلٌ أشبهُ بآلامِ التّمزّق ، و كأنّ سكّيناً تمزّقُ بطني فأحشائي ، كما حدثَ منذُ سنوات..

_"هل أنت بخير!؟ أجبني جاي!"

لم أستطع أن أجيبها ، كنتُ أضغطُ على بطني بكلِّ قوّةٍ و أعضُّ على شفاهي لئلّا أصرخ ، فانسلّت بسرعة ، و رفعَتْ ملابسي حتّى بانَ لها بطني ، و شهقَتْ ها هنا..

بطني.. ممزّقة.. تمزّقاً عميقاً ضخماً.. لا ينزفُ على الإطلاق..

2

_"زوي.."

3
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آسٍ

المؤلف دلع☆⁩
2025/09/16 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة