أمسكَ بي أحدُ الرّجالِ و حرّكني من أمامِ سيّارتِه المركونةِ في وسطِ الشّارع ، كانَ يسألُني طوالَ نصفِ ساعةٍ أن أنزاحَ من أمامها ، وصلَ إلى الشّتمِ و التّهديدِ لشدّةِ انفعالِه ، و لم أستجب أنا لشيءٍ ممّا كانَ يفعل ، في الواقع ، كانَتْ حواسي تتلقّى كلَّ هذا ، بيدَ أنَّني لم أستطع تحريكَ جسدي و لا بأيّةِ طريقة ، عقلي ظلَّ يشلُّني مُذْ رأيتُ منظرَ الدّمِ الأحمرِ المُعبّقِ بالرّهبةِ ينسابُ بين ساقيّ المرتجفتين ، ما يزالُ يقنعُني بأنّني مِتُّ ، أو عشتُ و لم أنقذ من ماتَت في حمايتي..
الدّمُ و الرّصاصُ لم يكن أيُّها طيفاً ، أتلمّسُ بطني من جديدٍ و أنفي ، و لكنَّ الأطيافَ ذاتُ لونٍ باهت ، و هذه كانَتْ كاملةَ الألوانِ طبيعيّةَ المظهر ، أعودُ و أتلمّسُ بطني و أنفي ، الأطيافُ لا رائحةَ لها و لا ملمس ، تلك تميّزَتْ بحرارةِ الحياة ، أجسُّ بطني بشدّةٍ أكبر ، فأتألّم ، الرّصاصةُ التّي رأيتُها تخترقُني بعينيّ هاتين ، مرَّتْ بي مرورَ الكرام ، و كأنّني أنا الطّيفُ و هي الحقيقةُ المُثبتة.
تلفّتُّ حولي كطفلٍ أبلهَ تائه ، و زفرتُ بحرقة ، لم أرد أن أبكي ، لم أعتد على أن أذرفَ الدّموع ، لم أعتد على أن أتفاعلَ مع الغمِّ مهما كبرَ و عظم ، كانوا يسخرون منّي لو فعلت.
و لكن و من دون شكٍّ و بغيرِ منافسةٍ محتدّة ، كانَ هذا أشنعَ موقفٍ أمرُّ فيه منذُ ولادتي ، أجاورُ فيه الموت ، أخوضُه بكافّةِ تفاصيلِه المُؤرقة ، فيما عدا الألمَ الحقيقيّ ، و أعودُ حيّاً منه ، حيّاً آسياً..
ذلك الكتابُ الأخرقُ تغلّبَ عليّ في شيءٍ صغير ، في أنَّ الحظوظَ متغيّرةٌ فقط ، و يمكنُ أن تزدادَ فظاعة ، لا يهمُّني ما يقولُ فوق هذا ، لقَدْ تركتُه هنالك في وسطِ الشّارع ، مرَّتْ سيّارةُ الرّجلِ من فوقِه و لم تدهسه ، ما يزالُ غلافُه المستفزُّ على ذاتِ الحُلّة ، لم يتغيّر فيه شيء.
تحرّرَ جسدي بعدَ هنيهة ، استغللتُها في المراقبة ، و استطعتُ جرَّه أبعدَ من وسائطِ النّقلِ المتخلخلةِ التّي تقطعُ في قلبِ هذا السردابِ الضّيّقِ القائمِ فوق الأرض ، جلستُ إلى درجةٍ مكسورةٍ من الجصِّ إلى الأمامِ من أحدِ الأبوابِ الهرئة ، و حاولتُ ابتلاعَ عاطفتي ، بعيداً ، بعيداً من كلِّ أجزائي الحيّة ، عميقاً ، عميقاً في قلبِ الأسى الأسودِ حالكِ الظّلمة.
لا يجبُ أن أهتمَّ بهويّةِ المرأةِ التّي لقيَتْ حتفها على هذه الأرضِ من قبل ، لا فائدةَ من هذا ، لا أثراً أجنيه عدا المزيدِ من الأسى ، من التّآسي.
و لكن.. لا أستطيعُ أن أنسى ، لا أستطيعُ أن أنسى يا إله الكون!
أسندتُ وجهي إلى راحتي كفّيّ ، و رحتُ أمسحُه بهما ، بعنفٍ شديدٍ كما لو كنتُ أمسحُ الذّكرى منه ، زدتُ الشّدّةَ كلّما عدتُ و فكّرت ، و ما انتفعتُ في شيء ، الدّمُ و الصّراخُ و الرّصاص ، مشهدٌ ما يزالُ ثابتاً ، أبيّاً على الغفلان..
لماذا لم أولَد طبيعيّاً كأيِّ ذكرٍ بائسٍ على وجهِ هذه الأرض؟ لماذا وُلِدتُ أصلاً؟ ما الذّي جئتُ أفعلُه في عالمٍ لا يشبهُني و لا أشبهُه!؟ ما الذّي جئتُ أفعلُه و أنا مجرّدُ فاشلٍ يرمي فشلَه على مختلفِ ما يصادف!؟
ظلَّ هذا العالمُ يلفظُني منذُ ولادتي ، تركتني أُمّي عشيّةَ يومٍ غائرٍ في ذاكرتي و طافٍ في ذاتِ الآن ، يومٍ طفوليٍّ ما يزالُ أبي يلومُني عليه حتّى الوقتِ الحاضر ، تركَتْ كلينا ، هجرته و غادرَتْ ، قالَتْ أنّها لن تتأخّر ، قالَتْ أنّها عائدةٌ بعدَ برهة ، برهةٍ لم تنتهِ أبداً ، قُلِبَ كلُّ شيءٍ رأساً على عقبٍ منذُئذ..
رفعتُ رأسي خائباً ، و عدتُ أتلفّتُ رغبةً في الهربِ ممّا يدورُ في رأسي الكبيرِ ثقيلِ الأفكار ، لاحَ لي خيالٌ جديدٌ في الأرجاء ، جعلَني أنتفضُ رعباً ، كنتُ سأنهضُ و أهربُ لو كانَتْ لديّ طاقةٌ إضافيّة ، لكنّني تصنّمتُ من جديد ، و انتظرتُ أن تقضي قواي اللّعينةُ عليّ..
أغمضتُ عينيّ ، و رحتُ أعدُّ بعشوائيّةٍ سلاسلَ طويلةً من الأرقامِ كي أكفَّ عن التّركيزِ فيما سيحدث ، و في لحظةٍ بعيدةٍ ما ، أحسستُ بحرارةِ شخصٍ ما ، حرارةٍ حقيقيّةٍ تماماً ، أكثرُ واقعيّةً منّي أنا نفسي..
_"ماذا تفعلُ هنا يا ولد؟ يبحثون عنكَ في المخبز"
زوي! هذه زوي!
فتحتُ عينيّ بسرعةٍ أتأكّدُ من اكتشافي ، و الحمدُ للّٰه ، كانَتْ زوي الحقيقةَ المُثبتة ، بقصّةِ شعرها الصّبيانيّةِ و ملابسها الفضفاضةِ الغريبة ، و عقدةِ حاجبيها التّي لا تغيبُ أبداً..
نهضتُ على عجلة ، و رحتُ أتأمّلُ تبدّدَ مخاوفي و ظنوني و اتّهاماتي أسفلَ قدميها ، لربّما كنتُ في حاجةٍ للكلام ، أنا فعلاً في حاجةٍ للكلام ، في حاجةٍ لمن يسمعُني و ينصتُ لي ، في هذه اللّحظةِ على سبيلِ الحصر ، و قَدْ كانَتْ منقذتي ، و سوف تظلُّ حتّى لو لم تسمعني..
_"ما خطبُك؟"
_"كدتُ.. كدتُ أموت.."
لا أدري كيف انهمرَتْ دموعي ، لا أدري متى بدأت تفعل ، عرفتُ بها فقط عندما حاولتُ تغطيةَ وجهي.
رفعَتْ زوي يدَها ، بركون ، و ثبّتته على كتفي ، ثمَّ شرعَتْ تربّتُ عليه ، و تهسهسُ لي كي أسكن.
لا تبدو جيّدةً في المواساة ، لكنّها واستني ، واستني على نحوٍ يستحيلُ أن يُخيَّلَ لها في يومٍ من الأيّام..
أنا ممتنٌّ لها ، و برغمِ أنّني لا أفهمُ شيئاً ممّا تفعل ، لا أفهمُ كيف تتواجدُ حيثما أقتربُ من الموتِ في كلِّ مرّة.. حيثما تقربُني رائحةُ الموت.. و مع أنّني أنا بذاتي.. جزءٌ من تلك الرّائحة..
_"هيّا بنا"
استدارَتْ ، و بدأَتْ برفقتي سيراً بطيئاً جدّاً ، عبرَ السّردابِ المُعتمِ الضّيّق ، مشينا في الاتّجاهِ المُعاكِسِ لموقعِ المخبز ، عدتُ أسمعُ صرخاتِ الموتِ في كلِّ زاويةٍ من زوايا هذا السّرداب ، بغيرِ أن أرى شيئاً منها ، كما لو كانَ كابوساً ليليّاً غيرَ مُدرَك ، أرجو أن يكون.
فهمتُ الآن ، هذه الأماكنُ هي أوكارُ أحقرِ عمليّاتِ الإجرامِ تطبيقاً ، و أكثرِها تراجيديّة ، الأسودُ المُضحكُ في الأمرِ أنّكَ لو تأذّيتَ هنا لا أحدَ يساعدُك ، و لا أحدَ يقفُ في صفّك ، الجميعُ يقفُ بعيداً ، يشاهدُ ببرودٍ و هو يشربُ الشّاي ربّما ، و يلومُكَ لأنّكَ تجاوزتَ حدودكَ و دخلتَ هنا ، إلى مولدِ الجريمةِ و العقاب ، ليسَتْ روايةَ دستويفسكي ، ليسَتْ أبداً ، فها هنا مرتكبُ الجرائمِ يعاقبكَ على كونكَ ضحيّةً لها ، أو يعاقبُكَ لأنّه يرغبُ في ذلك ، بحكمِ أنَّه الأقوى ليس إلّا.
مشيتُ و مشيت ، راقبتُ حتفي المُصطنعَ يُحاكُ في كلِّ بقعةٍ و كلِّ لحظةٍ من هذا الدّربِ السّقيم ، و زوي ، كانَتْ تسيرُ برأسٍ مرفوعة ، و ابتسامةٍ فخورةٍ مختلّة.
و في نهايةِ الدّربِ الإعجازيّة ، توقّفَتْ ، و أوقفتني ، كنتُ على عجلةٍ بصراحة ، و هي ، هي بصقَتْ على الأرض ، بصقَتْ على كلِّ ذلك الشّارعِ الضّيّقِ اللّعين..
_"لا أحدَ يستطيعُ لمسَنا يا أبله"
_"كيف؟"
أشارَتْ إلى نفسِها بفخرٍ شديد ، ثمَّ التفتَتْ ، و تابعَتْ رسمَ دربنا المُختلِّ إلى المجهول.
من زوي هذه؟ و لماذا تبدو كآلِ تنكرس؟