"بمائةٍ فقط! اقترب و جرّب!"
"الموزُ و التّفّاحُ و البرتقال ، الفواكهُ و الخضراواتُ و كلُّ ما تريد!"
"اشترِ قطعتين و خذِ الثّالثة عربونَ محبّة!"
"تخفيضاتٌ على كلِّ ملبسك!"
قطعتُ بأعجوبةٍ بين سيولِ الباعةِ و المشترين في شارعِ السّوقِ الرّئيسيّ ، و انسللتُ إلى آخرِه دون أن يجذبني بائعٌ واحد ، و دون أن يسقطَ كيسُ السّكاكرِ أو يُسحَبَ من يدي ، يمكنُ القولُ أنّ مهمّتي قَدْ كُلِّلَتْ بنجاحٍ فريدٍ من نوعه.
لقَدْ وصلتُ حيّاً سليماً إلى حيث يقبعُ محلُّ الملاءاتِ و الأقمشةِ الخاصِّ بوالدَيْ إيلين ، أرسلَتْ لي صباحاً مع صبيٍّ صغيرٍ تطلبُني ، قالَ أنّها تجلسُ لوحدها في المحلِّ حتّى وقتِ الظّهيرة ، و تريدُني أن أرافقَها لئلّا تشعرَ بالوحدة ، هذا الأمرُ الوحيدُ الذّي أبرعُ فيه ، في جعلها تشعرُ بالأُلفةِ رغمَ أنّني لستُ بريئاً تماماً في نيّتي.
دفعتُ بابَ المحلِّ بتأنٍّ شديد ، لأنّني أعرفُ حظّي ، و دخلتُ بهدوءٍ تبدّلَ إلى بهجةٍ ما إن أطلَّتْ إيلين ، واقفةً في وسطِ المحلِّ ضئيلِ المساحةِ كثيرِ الأغراض ، و ابتسامتُها اللّامعةُ النّفيسةُ تلازمُها ، ركضتُ إليها فوراً ، و تناولتُها بين ذراعيّ ، لم أرَها منذُ نهايةِ الأسبوعِ الفائت ، و قدِ اشتقتُ إليها جدّاً.
رائحتُها النّاعمة ، ضحكاتُها الطّفوليّةُ مُخفَتةُ الصّوت ، و أسلوبها البريءُ في ضمّي إليها ، كلُّ هذه الصّفاتِ تزيدُها حلاوة ، تزيدُ عينيها المزيّنتين بخضرةِ الحياةِ رقّةً ، تزيدُ وجنتيها المنتفختين الورديّتين لطفاً ، و تزيدُني ودّاً و حُبّاً لها
_"جاي"
همسَتْ في أذني ، و راحَتْ تلاحقُ كيسَ السّكاكرِ كي تخلّصَه من يدي ، فتركتُه لها و أنا أقهقه ، و حرّرتُها ، لديها ما تقول ، أسمعُ ذلك في نغمةِ صوتِها المكبوت.
إيلين أكثرُ الأطفالِ حُسناً و أدباً ، و إحدى أكبرهنّ أيضاً ، ما زالَتْ حتّى في الثّامنة عشر لم تدخل في سنِّ المُراهقة ، بيدَ أنّ عائلتها لا ترى هذا على الإطلاق ، تراها شابّةً منطلقةً و كثيرةَ الرّغبات ، و مستعدّةً للانحرافِ في أيّةِ لحظةٍ يغفلون عنها فيها ، لا أحدَ يسمحُ لها بالتّنفّسِ كبقيّةِ البشر ، هذا ما أريدُ قولَه.
و حسنٌ ، عائلتُها تكرهُني إلى حدٍّ لا يُوصَف ، يصوّرونني أمامها طوالَ الوقتِ على أنّني رجلٌ قذرٌ منافقٌ و غبيّ ، ينتظرُ الفرصةَ المؤاتيةَ لينقضَّ عليها و يسلبَها حياتها ، أخوها الأكبرُ هدّدني بالقتلِ في الأسبوعِ الفائتِ لو تعرّضتُ لها من جديد ، و هذا ممتعٌ فعلاً.
جلستُ إلى كرسيٍّ موضوعٍ إلى جانبِ فتحةِ الباب ، و انتظرتُ أن فتّشَتْ إيلين في الكيسِ و تعرّفَتْ إلى أنواعِ السّكاكرِ الموجودةِ فيه ، ثمَّ جاءَتْني بفمٍ ملويٍّ مُتذمّر ، لم أضع علكةً بالنّعناعِ في هذه المرّة ، فقط لأرى هذا الفم.
ضحكتُ بصوتٍ خافت ، و تناولتُ قطعَ العلكةِ من جيبِ سترتي ، سرعان ما تبدّلَ فمُها الملتوي إلى فمٍ مُشرقٍ غاصٍّ بالسّعادة ، أنا أكثرُ النّاسِ سعادةً على وجهِ الأرضِ الآن
_"أنتَ الأفضل!"
خطفَتْ قطعَ العلكةِ و وضعتها في الكيس ، ثمَّ جلسَتْ إلى الكرسيِّ المقابلِ و راحَتْ تحدّقُ بي ، عرفتُ أنّ هنالك خطباً ، و قَدْ سلبَها بهجتها إذ عادَ و خطرَ في بالِها
_"ما الأمرُ إيلين؟"
تقدّمتُ إلى أمام في جلستي ، أقربُ إليها ، مددتُ يدي إلى حجرها ، و تناولتُ إحدى يديها المعقودتين فيه ، ربّتُّ عليها قليلاً كي تأمن ، أعرفُ أنَّها خائفةٌ بل و ترتعدُ خوفاً ، أهلُها في الحقيقةِ لم يبتاعوا لها هاتفاً لئلّا تحدّثَ أحداً أو ترى ما يراه غيرُها ، فماذا سيفعلون إن حدثَ و علموا بأنّها تستقبلُني في المحلِّ لوحدها؟
_"لماذا جئت؟ سأخافُ عليكَ هكذا"
_"تخيّلي ألّا آتي و قَدْ أرسلتِ في طلبي"
_"أستفعلُ أيَّ شيءٍ أطلبُه؟ أنا أطلبُكَ لأنّني أريدُ رؤيتك ، لكنّني سأندمُ طوال عمري لو أزعجكَ أحدٌ بسببي"
قرّبتُ كفّيها من شفتيّ كي تسكن ، و قبّلتُهما بخبلٍ لا أدري كيف حلّ ، كنتُ أتابعُ ثرثرتها بنوعيها ، الصّاخبةَ و السّاكنة ، تلك الثّرثرةُ الضّاجّةُ بالحياةِ بكافّةِ أركانها ، أنا غارقٌ فيها ، غارقٌ حتّى أنفي.
إيلين تقولُ هذا الكلامَ على الدّوام ، لأنّها تحسبُ طلبها دافعي الوحيدَ في المثولِ أمامها ، و لا تعرفُ أنّ إزعاجَ الدّنيا برمّته لا يساوي شيئاً أمامَ لحظةِ صفاءٍ إلى قربها.
سحبَتْ يدها ، في قلبِ المشهد ، و قلبته إلى استغرابٍ بحت ، لم أفهم ما خطبُها بعد ، و أتوجّسُ شرّاً قادماً على يدِ أهلها..
_"أتحبُّني؟"
_"طبعاً أفعل"
_"إذاً ستخبرُني ما هذا"
هززتُ برأسي بغيرِ تفكير ، و إذ بها تنزلُ أرضاً و تتناولُ غرضاً مغلّفاً من تحتِ الطّاولة ، ثمَّ تعودُ و تجلسُ في مكانها ، تفتحُ الأوراقَ بعناية ، و تناولُني هو.
كانَ كتاباً ، كتاباً مغلّفاً بغلافٍ سميكٍ ضخم ، مكتوبٍ باللّغةِ الإنجليزيّة ، فتحتُه كي أقرأَ مقدّمته ، و لم تكُ مقدّمة ، كانَتْ تحذيراً.
رفعتُ عينيّ عنه إلى إيلين المنهمكةِ بمتابعةِ أصابعي و الأوراقِ الملامسةِ لها ، بدَتْ متوتّرةً جدّاً ، أخشى أنّها قَدْ قرأت منه
_"من أين جئتِ به؟"
سألتُها بلهجةٍ جامدة ، تلكّأت في استقبالها ، فقَدْ ظلَّتْ تترقّبُ أن أقلبَ الصّفحةَ بادئ الأمر ، يبدو أنَّ المصيبةَ هنالك و ليسَتْ هنا.
تنحنحَتْ ، بضعةَ مرّاتٍ و ازدردَتْ ريقها ، ثمَّ بادلتني نظراتي الحادّةِ بنظراتٍ تائهةٍ مرتعبة ، ما لبثَتْ ثوانٍ قبلما تناثرَتْ فوقَ الأرضِ من جديد ، و ظللتُ أحدّقُ أنا ، غيرَ مدركٍ لشيء
_"وجدتُه هنا.."
سمعنا صوتَ خطوٍ في الخارج ، فأسرعتُ التّصرّفَ و دسستُ الكتابَ في معطفي ، لو وجدَه أحدُ أهلها لن تظلَّ قطعةً واحدة ، و لو خبّأته هي ، فلن تعودَ إيلين التّي أعرف ، ستصدمُ صدمةً لم تتوقّعها في عمرها ، لن أسمحَ لهذا بأن يحدث.
دُفِعَ البابُ بعدَ لحظاتٍ و أدخلَ ريحَ الشّتاءِ قبل أيِّ أحد ، ملتُ برأسي كي أعاينَ الموقف ، كي أعاينَ كيف يلعبُ حظّي التّعيسُ ضدّي اللّعبةَ الأخيرة ، و ينهي كلينا ، بيدَ أنّني لم أعاين شيئاً ، لم أعاين إلّا الصّدمة..
_"آنسة زوي؟"
_"أنتَ هنا يا متخلّف؟ ألا تعرفُ أنّ كلبَكَ قَدْ هجمَ على غرفتي؟"
لم أكد أسألها عن أيِّ كلبٍ تتكلّم ، قبلما أمسكَتْ ذراعي بسرعةٍ و سحبتها في ناحيةِ الباب ، وقفتُ و تبعتُها على عجلة ، فقوّتُها هائلةٌ ستوقعُني ما لم أقف ، يا رجل كيف تفعلُ بنتٌ بنصف طولكَ كلّ هذا بك؟
هذه زوي ، جارتي الظّريفةُ في المسكنِ كثيرِ الغُرَف ، جمعَني بها حديثٌ جديدٌ صباحَ اليوم ، لم ينتهِ بصفعة ، في الواقعِ لم يتعدَّ التّرحيبَ و التّعريفَ بالأسماء ، لكنَّها ظريفةٌ جدّاً للأمانة ، هي و أحاديثها.
ودّعتُ إيلين على عجلةٍ و جريتُ وراءَ زوي ، جريتُ سريعاً و قطعتُ الشّارعَ معها إلى النّاحيةِ الأُخرى ، أوقفتنا بين بنائين قديمين ، و راحَتْ تسترقُ النّظرَ إلى ناصيةِ الشّارع ، هنالك لمحتُ شقيقَ إيلين ، متوجّهاً إلى المحلِّ بخطا متباطئة ، يتلفّتُ ذاتَ اليمينِ و ذاتَ الشّمال ، التفتُّ أنا إلى زوي ، و لحظتُ أنَّها تراقبُه كمثلي ، فما القصّة؟
_"آنسة.."
_"اشكرني لاحقاً"
قاطعتني مستعجلة ، و استمرّتْ في التّلفّتِ و مراقبةِ الماضي و القادم ، يبدو أنّها تعرفُ كلّ شيء ، تعرفُ بدقّة..
_"كيف...؟"
_"أغلق فمك"
شكراً سيّدة مختلّة!
حسنٌ لا أجرؤ على قولِ كلمةٍ من هذا ، ستجعلُني أبتلعُ سترتي لو فعلت