الفصل 4
روح ضائعة
- ابي هل تسمح لي بأن استضيف المنقذة لورا في بيتي؟
" بالطبع يمكنكِ فعل هذا، أنا واثق أنكِ ستهتمين بها كثيرًا..."
( التفت للسيدة التي اقترحت أن تسضتيفني في بيتها، وكانت سيدة تحمل رضيع صغير بين ذراعيها، بدت سيدة لطيفة طيبة، نظرت لي و حيتني..)
_ مرحبًا بمنقذتنا، يسعدني أن تمكثي معي في منزلي، تفضلي سأعرفك على قريتنا الصغيرة هذه...
سرت خلف السيدة التي كانت تشير للمنازل و الأشخاص، وللحقول التي تمايلت فيها سنابل القمح الذهبية تحت الشمس الحارقة، شعرت هنا بالألفة كأني في بيتي، هذا إذا كنت أملك واحد من الأساس ثيابي نظيفة هذا يعني أنني أملك واحد حتمًا.
_ تلك سلاسل جبال الشمال، وتلك الغابة الشرقية وتمدد إلى الانهاية، وهناك غرب القرية تقع حقولنا بعدها مروج شاسعة، وأنتِ جئتي من هناك، وجنوب القرية يجود البحر الواسع، وهكذا صرتي على دراية بكل تضاريس قريتنا الجميلة.
ابتسمت لورا وسألت: " إنه أجمل موقع على الإطلاق، أيمكنني إلقاء نظرة على البحرة؟ "
_ بالتأكيد فهو قريب من القرية، لكن ألستي متعبة؟
( هززت راسي نافية بالرغم من أن التعب تناول جسدي كله. وهكذا سِرنا عدة خطوات خارج القرية حتى وصلنا لبقعة خضراء فسيحة مليئة بالأزهار العطرة، قبع امامها مباشرةً بحر أزرق مُمدد للأفق الذي ليس له نهاية، يمكنني سماع زجير أمواجه الهادئة....آه)
_ أنا أحب البحر يا سيدتي؛ فهو يريح الأعصاب هذا غير امواجه الشبيه بنوتات متناغمة، أنتم محظوظون لانكم تملكون مكان كهذا....أيمكنني المجيئ إلى هنا من حين لآخر؟
ضحكت السيدة وقالت بينما تمسك بقوة بصغيرها الذي بدأ يمد يديه الصغيرتان نحو ذلك اللون الأزرق.
_ هذا شيء لا يحتاج للأذن يا عزيزتي، أترين ذلك الشخص هناك، إنه زوجى وهو صياد أسماك، تنويه! سنتناول السمك على الغداء اليوم، هل تحبين السمك؟
_ نعم أحب كل أنواع الأطعمة المختلفة على حد علمي.
_ هذا جيد لنعود للمنزل لتاخذي قسطًا من الراحة، هيا بنا .
عُدنا للقرية حيث كان الجميع يجهزون المكان للأحتفال وهم في قمة ساعدتهم التفت السيدة لي وقالت: " إنهم سعداء بمعرفة أنهم سيستعيدون ذاكرتهم "
" مهلًا! ألستي سعيدة مثلهم يا سيدة......"
_ سيدة ياسمين هذا هو اسمي
" مهلاً! أنتِ تملكين إسم؟! هذا غريب هل هذا يعني أنكِ تتذكرين اسمك؟...
التفت السيدة ياسمين وتبسمت بلطف فتحت باب بيتها الخشبي وولجنا إلىالداخل حيث كان هناك طفل ذي ستة سنوات يلعب مع شقيقته التي تصغرهبسنة...
ركض نحو والدته قائلًا بمرح:" لقد عادت أمي! أمي! لقد استطاعت ليليالصغيرة من حفظ بعض الأدعية القصيرة..."
_ هذا مدهش حقًا!
تشبثت الصغيرة بثوب والدتها بينما ظل شقيقها يدور حولها لكنه توقف فجأة وحدقبعينيه السوداء الكبيرة للورا، وسأل والدته بسرعة: " أمي من هذه الفتاة؟؟ هل
هي شخص ضائع أيضًا؟ مسكينة.."
_ إنها المنقذة لورا إيمونر التي ستعيد ذاكرة الجميع..
"
_ المنقذة لورا!! هذا مدهش!...
_ نسيت لقد سالتيني قبل قليل أيتها المنقذة بأن للماذا أحمل اسم، لستُ الوحيدة، بل هناك أخرين يحملون اسامي لكنهم صغار مثل ابني شادي و ابنتي
ليلي وصغيري مادي وغيرهم، فوالدي هو ١٨٢٢ ووالدتي ١٨٢٣ .لقد ولد هنالذا لست مثل الأناس الضائعين، حالتنا مختلفة صحيح أننا ننسي أحيانًا، لكنا لاننسى أسمائنا، الغريب في الأمر هو أننا مهما حاولناإطلاق أسماء لأبي أو أمي أو بعض السكان، ننسى جميعًا الاسماء التي اطلقناهاعليهم، نتذكر فقط التاريخ الذي جاؤ إليه...
فكرت لورا وهي تحني رأسها بحيرة: " هذا غريب حق
هل هناك أحد بالغ غيركِ يمتلك اسم؟."
_ لا أنا فقط، أشعر بالأسئ لأولئك الذين لا يتذكرون شيء ربما كانت لديهمعائلات تنتظرهم ليعودوا لحضنهم الدافئ، أتمنى أن يستعيدوا كل ذكرى جميلة
منسية..."
_ سأحاول فعل ما بوسعي، أين هي المكتبة يا سيدة ياسمين؟....
أجابت الأخيرة وهي تضع الطعام فوق سجاد غرفة الضيوف الناعم: " يمكن لشادي أخذك إليها، لكن أولًا علينا تناول الغداء"
_ حسنًا، فأنا دائمًا ما انسى أنني جائعة.
_ هذا ما يحدث لجميع الضائعين لذا صنع أبي تلك الساعة لتذكيرهم بالأشياءالمهمة مثل تناول الطعام والأستحمام وغيره...
جلست لورا على وسادة طرية فوق السجاد المزخرف و سألت بفضول:"وانتِ هل تنسين أيضًا ؟ "
_ لا... لا أنسى الأشياء المهمة كهذة بل أشياء أخرى، مثل ما الذي أريد شرائه أو من التي كنت أريد زيارتها لكن حللت هذه المعضلة؛ بكتابة ماأحتاجه على معصم ثوبي لأني لو كتبته على الورق أو راحة يدي سيختفي؛ أمرغريب أليس كذلك ؟ المهم الآن لنأكل..
( تحملقت العائلة حول الأطباق اللذيذة، ووجوه بشوشة تحدق فيها بشهية كبيرة. الرجل المسن والجدة، والاب والام والصغار، كانت عائلة سعيدة بحق، بعد أن
إنتهى وقت الغداء شرعت الاسرة بغسل أيديهم ووجوههم وكذلك أقدامهم،كنت أراقبهم بفضول، أخبرتني السيدة ياسمين أن ما يقومون به إستعدادًا
ُلنوع خاص من أنواع الصلوات. هذا غريب! جلست أراقبهم بشغف، وقلبي يخفقبقوة لماذا؟ لا أدري، لكنه خفقان مبهج. )
كان الدين شيء مجهول للورا التي كانت الآن تبكي بوجه مبتسم؛ عندما سمعتدعاء الرجل المسن، فلقد لامس هذا وتر خفي في قلبها وجعله ينبض بقوة.
لاحظت السيدة ياسمين هذا فجلست رفقة لورا في غرفة الخياطة تتحدثان عنأشياء شتى، حتى سألت لورا عن ما فعلوه قبل قليل، تبسمت السيدة ياسمين
وأجابت: " إنه نوع من أنواع الصلوات، نحن نصلي لأجل خالق الأكوان الذي وهبنا هذه الحياة الجميلة دون ثمن، شرط أن نعيش فيها على الأخلاق الحميدة
والعبادات التي تساعدنا في هذه الحياة. لقد خلقنا لنبعد الله العلي العليم، نحن نؤمن به لذا يجب أن نكرس حياتنا لطاعته، فنحن لم نخلق عبث كما يعتقد بعض الأشخاص؛ فهذه الحياة التي نعيشها ما هي إلا سوى دار إختبار، ونحن مخيرونبسلك أي طريق، فقد ميزنا الله ووهبنا بعقل راجح صحيح يعرف ويميز بين الخطأ والصواب. حبيبات الرمل وقطرات الماء وحفيف الأشجار كلها يعلمه حتىأنفسنا متى نولد وكيف نعيش وفي أي توقيت سنموت، نحن نعرف ماذا ينتظرنا
بعد الموت ونعرف جائزة وعقاب كل واحد لذا نحاول وندعو من الله عزوجل أن يجعلنا من الفائزين. "
كان خطاب يشرح الكثير، الوجود والفناء، والعقاب والجزاء، كلمات إخترقبصمت قلب لورا التي خفضت رأسها وتركت عبراتها تنهمر بصمت، شعرت أن روحها
تحتاج لهذا، روحها التي كانت ضائعة مع ذكرياتها عادت مجددًا عندماإكتشفت أن هناك أعظم إختبار ينتظرها بعد فقدان هذه الذكريات التي رأتهاتافهة الآن وبلا قيمة. عانقت السيدة ياسمين الفتاة كأم حنون تفهم ما يجول فيخلد أبنائها، وحاولت بث الأمان في هذه الفتاة الباكية، في هذه اللحظة نشأترابطة قوية بين الإثنان رابطة لا يمكن قطعها بسهولة، فالأرواح الصافية
المتشابهة تنجزب لبعضها البعض.
يتبع.........
AZAHER_AA