الجزء الثالث والعشرين
دخلوا إلى مقر الشرطة وجلسوا على المقاعد، تحيط بهم أجواء الترقب والتوتر. بدأوا في إعادة البحث والتحقيقات، لكن خالد كان شارد الذهن، غارقًا في أفكاره، وكأن العالم من حوله أصبح مجرد ضجيج غير مفهوم. المنظمة، جرائمها، مخططاتها... كل شيء يتشابك في ذهنه، لكنه ظل صامتًا، كأنه يحاول فك طلاسم لغز معقد لا ينتهي.
وفجأة، اخترق هذا السكون صوت قرع عنيف على الباب، لم يكن طرقًا عاديًا بل ضربات قوية، تبعتها دفعة عنيفة جعلت الباب يُفتح بقوة كادت تكسره!
اندفع شاب إلى الداخل، أنفاسه متسارعة كأنه كان يركض منذ ساعات. عيناه متسعتان بالرعب، وكلماته خرجت متقطعة، وكأنه يحاول السيطرة على لسانه الذي تعثر تحت هول الصدمة. وأخيرًا، نطق بصعوبة:
— "خالد... ياسين... انفجارات! في المراكز 2... 3... 4!"
ساد صمت رهيب للحظة، كأن الزمن توقف. ياسين كان أول من تحرك، قبضته اشتدت حتى برزت عروق يده، ثم فجأة، ضرب بيده الطاولة بقوة هائلة جعلت سطحها يتشقق تحت عنف غضبه، وقال بصوت مغموس بالغليان:
— "أوغاد... حثالة!"
أما خالد، فكان رد فعله على النقيض تمامًا. كان هادئًا إلى حد مخيف، وجهه بلا تعابير، لكن عيناه كانتا تشتعلان بوهج غامض، وكأن عقله استوعب الأمور بلمح البصر. ثم، ببطء، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة تحولت إلى ضحكة انتصار مكتومة، قبل أن يتمتم بصوت واثق:
— "أوغاد... دائمًا يفعلون هذا..."
ثم نظر إلى الشاب الذي ما زال يلهث وقال بنبرة حادة:
— "أخبرني فورًا، ما المواقع بالضبط؟ أين تقع الضربات؟ أين تتركز القنابل والمجموعات الإرهابية؟"
الشاب كان يكافح للحفاظ على تماسكه، لكنه أجاب بصوت مرتجف:
— "في... الطريق الثاني!"
ما إن سمع خالد هذه الكلمات حتى اتسعت ابتسامته وكأنه توصل إلى مفتاح اللغز. لكنه لم ينطق بأي كلمة أخرى، لأن اللحظة التالية حملت معها جحيمًا من النار والموت!
دوى انفجار عنيف زلزل المكان، تبعته سلسلة من الانفجارات التي جعلت الأرض ترتج تحتهم بعنف. الهواء امتلأ بدخان أسود كثيف، بينما أصوات الرشاشات والرصاص كانت كزخات المطر، لا تتوقف أبدًا.
الصخور والركام تساقطت من كل جانب، ألسنة اللهب امتدت كوحش جائع يلتهم كل شيء، الجثث تناثرت، والأنين ملأ المكان. كان المشهد كابوسيًا، لا مكان للرحمة فيه.
وعلى الجانب الآخر، علت ضحكات المجموعات الإرهابية، صاخبة، متشفية، كأنهم يستمتعون بفوضى الدمار التي خلفوها. وقفوا أمام مقر الشرطة، أسلحتهم موجهة، وجوههم مليئة بالسخرية، وصرخوا بصوت عالٍ:
— "أين أنتم يا شرطة؟ يا حماة العدالة؟ هيا، اخرجوا إلينا إن كنتم رجالًا!"
وسط الدخان والدمار، كان خالد واقفًا، لم يتحرك قيد أنملة، عيناه مثبتتان على الأعداء، وقبضته ترتجف ليس خوفًا، بل احتدامًا لغضب مكبوت على وشك الانفجار. التفت إلى ياسين وقال بصوت ثابت كالرصاص:
— "ياسين، اذهب إلى الطريق الثاني، واقتل هؤلاء الأوغاد الإرهابيين! خذ معك هذا الشاب، وأربعة آخرين، لا تدع أحدًا منهم يخرج حيًا."
كان ياسين على وشك الاعتراض، لكن ما إن التقت عيناه بعيني خالد، حتى شعر بشيء يشبه التيار الكهربائي يخترق جسده. لم تكن مجرد نظرة، كانت أمرًا لا يقبل النقاش، رسالة واضحة أن الوقت ليس وقت جدال.
هز رأسه موافقًا، ثم استدار واندفع نحو الباب الخلفي، يركض بسرعة، مستعدًا للمواجهة. أما خالد، فظل في مكانه، لا يزال يحدق في الإرهابيين، عيناه تحملان وعدًا واحدًا...
لن ينجو أحد!
انتهى الجزء الثالث والعشرون.
الجزء الرابع والعشرين
وقف خالد أمام النافذة، يحدق بنظرة أخيرة إلى الفوضى العارمة التي تعصف بالخارج. كانت الأجواء جحيمًا متقدًا، أناس أبرياء يقتلون بلا رحمة، دماؤهم تلطخ الأرض في كل مكان، ألسنة اللهب تتراقص في الهواء والنيران تشتعل في المكان من حوله، وأصوات الصراخ والأنين تمتزج بدوي الانفجارات المدوية.
الركام والصخور متناثرة، والمدافع منصوبة في كل زاوية، تطلق نيرانها بعنف، وكأنها وحوش جائعة لا تشبع. كان المشهد مأساويًا، لكنه لم يكن جديدًا على خالد... كان يعلم أن هؤلاء الأوغاد لا يعرفون سوى الدمار.
أغمض عينيه للحظة، قبض على أسنانه بقوة، ثم همس بين أنفاسه المتوترة:
— "أوغاد..."
استدار بسرعة، اندفع نحو خزانة معدنية خاصة به، فتحها بقوة، وأخرج منها سلاحًا فريدًا من نوعه. كانت قبضته على السلاح محكمة، وكأنه جزء من جسده، يتزحلق في الهواء كالشعاع، لكن قوته تتجاوز طلقات المدافع والدبابات، فطلقة واحدة منه تعادل مئة رصاصة!
خرج خالد من الباب الأمامي، خطواته ثابتة رغم النيران التي تحيط به. تردد للحظة، يحدق في الإرهابيين الذين كانوا يضحكون بسخرية، ينظرون إليه بنظرات التحدي، ثم بدأوا يهتفون:
— "يا ضعيف! يا جبان! يا وغد! حكومتكم فاسدة وضعيفة!"
كلماتهم لم تحرك فيه شيئًا، لكنه كان يترقب اللحظة المناسبة للرد... لكن قبل أن ينطق، رأى شخصًا يقترب من بعيد، يركض نحوه بسرعة. إنه يحيى! كان يحمل سلاحًا، ملامحه تعكس التصميم، وكأنه قرر هذه المرة أن يقاتل بجانب صديقه.
لكن الفرحة برؤية يحيى لم تدم طويلًا...
قبل أن يصل، انطلقت دفعة هائلة من الرصاص نحوه!
رصاصات كثيرة جدًا اخترقت جسده، أصابت قدمه، يده، كتفه، معدته... لكنه لم يسقط بعد! ظل يقاتل للبقاء واقفًا، يحاول الوصول إلى خالد، لكن جسده بدأ ينهار ببطء.
في تلك اللحظة، تحرك خالد بسرعة، وقف أمامه كدرع بشري، نظر إلى الأبرياء الذين ما زالوا واقفين في المكان، ثم صرخ بأمر صارم:
— "خذوه فورًا إلى المستشفى! لا تتركوه ينزف هنا!"
لم ينتظر ليرى استجابتهم، بل استدار مباشرة، قبض على سلاحه، وبدأ يعبئه بالذخيرة. كانت عيناه مشتعلة بالغضب، لكنه لم يسمح له بالتحكم به... بل حوّله إلى قوة قاتلة!
رفع سلاحه، وضغط على الزناد.
انطلقت أول طلقة... لكنها لم تكن طلقة عادية!
شعاع ناري حمل سبعة ألوان، انطلق بسرعة هائلة، وعندما اصطدم بأول مجموعة من المدافع، دمرها بالكامل، كأنها لم تكن موجودة أصلًا!
لكن قبل أن يطلق الضربة الثانية، شعر بألم حاد يخترق كتفه... لقد أصيب!
لكنه لم يتوقف!
بدأ يتحرك بسرعة، جسده يلتف في الهواء، يقفز، يتشقلب، يركض بخفة مذهلة، يطلق الرصاصات الواحدة تلو الأخرى، بلا توقف، بلا رحمة!
كل رصاصة كانت تطيح بسلاح، كل طلقة كانت تدمر مدفعًا، حتى لم يتبقَ لهم شيء، خلال دقائق قليلة فقط!
تنفس بعمق، نظر إلى الإرهابيين الباقين... لم يتبقَ سوى خمسة منهم. كانوا يحدقون به برعب، لكنه لم يمنحهم فرصة للهروب.
— "اخرجوا الآن!" قالها بصوت حاد.
لكنهم رفضوا، صرخوا متحدّين:
— "مستحيل!"
ابتسم بسخرية وقال بنبرة مهددة:
— "كما تريدون... لكن تذكروا، المجموعة التي كانت في الطريق الثاني قد انتهت تمامًا. والآن... أنتم التاليون!"
في تلك اللحظة، أمسك بهاتفه، اتصل بياسين، وسأله ببرود:
— "هل قتلتهم جميعًا؟"
من الطرف الآخر، انطلقت ضحكة هستيرية. كان ياسين يضحك بجنون، ثم قال بصوت ممتلئ بالحماس:
— "الأسلحة التي أخذناها منك لم تترك لهم أي فرصة للرد! كانوا ضعفاء جدًا... لقد ماتوا جميعًا!"
أغلق خالد الخط، وبدأ يضحك هو الآخر، ضحكة هستيرية، لكن عينيه كانتا تحملان نظرة مختلفة... كانت نظرته مليئة بالنصر.
التفت إلى الإرهابيين الخمسة، الذين بدت ملامحهم شاحبة، عيونهم مفتوحة على آخرها، وكأنهم فقدوا القدرة على الكلام. كانت شفاههم تتحرك، لكن لم تخرج أي كلمة. كانوا يرتعشون من الخوف.
أخيرًا، قال أحدهم بصوت مهزوز:
— "حسنًا... سوف نهرب!"
وبدون أي تردد، ركضوا بسرعة، كأن الموت يطاردهم، واختفوا عن الأنظار في غضون ثوانٍ.
نظر خالد إليهم وهو يبتسم بانتصار، ثم استدار نحو الأبرياء وقال لهم بثقة:
— "هذا المكان سيُعمّر من جديد... لكنه سيستغرق بعض الوقت."
عاد إلى مقر الشرطة، جسده مرهق لكنه لم يتوقف. أرسل رسالة إلى ياسين:
— "تعال إلى قسم الشرطة الآن، أحضر الجميع معك."
وبينما كان ينتظر، بدأ يسمع أصوات الهتافات. الجميع كانوا يشكرونه، يحيطون به، يهتفون باسمه، لكن عقله كان مشغولًا بشيء واحد...
— "يحيى!"
تذكر صديقه المصاب، وبدون تفكير، اندفع يركض بأقصى سرعته، التقط هاتفه مرة أخرى، واتصل بياسين:
— "ياسين، اجمع الجميع وتعالوا إلى مستشفى وسط المدينة فورًا! يحيى هناك... لا بد أن نراه الآن!"
— "حسنًا!" جاء رد ياسين سريعًا.
أغلق خالد الهاتف، وزاد من سرعته، قلبه يخفق بقوة، والأمل يملأ عينيه...
هل سيكون يحيى بخير؟
أنتهي الجزء الرابع والعشرين
الجزء الخامس والعشرون
ولكن فجأة، وبينما كان يركض بأقصى سرعته، وجد أعضاء من المنظمة يقطعون عليه الطريق. كانوا مسلحين حتى النخاع، يحملون المدافع والأسلحة الثقيلة، وقد سدّوا الطريق بالكامل بسيارات ضخمة اصطفت كالجدار الأسود.
ضحك خالد ضحكة هستيرية وهو يقول:
"متى جئتم إلى هنا مرة أخرى؟"
بادلته المجموعة ضحكة مماثلة، وهم يردون بنبرة خبيثة:
"الخائنون كثيرون... ونحن نعرف كيف نأتي في أي وقت نريده."
ثم، وبدون سابق إنذار، ألقوا قنابل خلف خالد، فانفجرت السيارات التي كانت تطارده في لحظات، وتحولت إلى نارٍ تلتهم الهواء، وانفجارات متتالية تهزّ الأرض تحت أقدامه. قفز خالد للأمام بسرعة خاطفة، وسقط على الأرض بعنف، متألمًا من الاصطدام، لكنه تمتم متحديًا:
"هل تظنون أن هذه الخطة ستنجح؟"
لكن قبل أن يُكمل كلمته، انهمر وابل من الرصاص، تزامن معه دوي قنابل ومدافع، تزرع الخراب من حوله بسرعة مذهلة. أصيب كتفه، وسقط في دمائه، لكنه لم يستسلم.
نهض رغم الألم، وقفز برشاقة، يتشقلب في الهواء، ويدور بسرعة مذهلة، وقد أخرج سلاحه وأطلق النار على خصومه دون توقف. كانت طلقاته دقيقة، سريعة، كأنها أمطارٌ نارية تصيب الهدف مباشرة.
وفي لحظة خاطفة، انفجرت قنبلة تحت قدميه. لكنه، بردة فعل مدهشة، قفز مبتعدًا قبل انفجارها بلحظات. تطايرت الرمال، واشتعلت النيران، وتصاعد دخان أسود كثيف غطى المكان، وكأن جهنم فُتحت على الأرض.
أعضاء المنظمة رمقوه بنظرات شيطانية مشتعلة، وقالوا بصوت غاضب:
"أطلقوا عليه الرصاص!"
فانهمرت عليه زخات كثيفة من الرصاص بسرعة مرعبة. أصيب مرة أخرى، لكن الإصابة كانت سطحية، بفضل الدرع الواقي الذي يغطي جسده بالكامل.
ابتسم لهم ساخرًا وقال:
"أهذه كل قوتكم؟"
ضغطوا على أسنانهم من شدة الغضب، وردوا عليه:
"ستعرف الآن."
انتهى الجزء الخامس والعشرون.
الجزء السادس والعشرون
ثم اتصل بأحد أعضاء المنظمة وقال له:
"فجّر المنزل."
رد العضو قائلاً:
"حسنًا، سيدي."
بعد ثوانٍ معدودة، انفجر المنزل بالكامل. النيران اشتعلت، وتصاعد الدخان الأسود الكثيف، ليرتفع أكثر وأكثر، كأن السماء نفسها قد أظلمت. العفش وكل شيء في المنزل بدأ يتحول إلى رماد وفحم، والجدران والأرضيات والأبواب اشتعلت حتى أصبحت مجرد تراب وفحم متساقط على الأرض.
...
في الجهة الأخرى، خرجت عائلة خالد بأعجوبة من المنزل المدمّر. رغم أنهم نجوا، تعرض كل منهم لإصابات متفاوتة، بسيطة ومتوسطة.
قال أحدهم بغضب:
"من الوغد الذي فعل هذا بنا؟ وبالمنزل؟"
لكن لم يكمل كلامه، حيث صمت الجميع للحظة.
قال والد خالد، وهو مصدوم ويرتجف:
"هل يمكن أن يكونوا أعضاء المنظمة التي ذكرها خالد؟" وفتح عينيه على آخرهما.
أمه قالت بتردد:
"مستحيل."
أخته قالت بصوتٍ حازم:
"أجل، ربما هم."
...
وفي الجهة الأخرى، كانت ضحكات أعضاء المنظمة تتعالى بشكل هستيري.
قال أحدهم:
"خطتنا هي تدمير عائلتك بالكامل، يا خالد."
عند سماع هذا، شعر خالد وكأن صاعقة أصابته. صرخ في نفسه:
"أوغاد!" ثم تابع وهو يبتسم ساخراً:
"لكن هناك شيء لا تعلمونه... عائلتي خرجت سالمين، رغم أن إصاباتهم متوسطة وبسيطة فقط، لأنهم محترفون في الهروب."
ثم قال بنبرة حادة:
"لكن هذا لا يعني أنكم ستنجون. ستُقتلون جميعكم هنا والآن!"
ضحك ضحكة هستيرية أخرى، قبل أن يبدأ في تنفيذ ما هدد به. قفز في الهواء، وهو يتشقلب بحركات سريعة، وأطلق رصاصات وطلقات دقيقة، دون أن يتوقف. الأعداء كانوا يطلقون عليه الرصاصات من كل الاتجاهات، لكن خالد كان يتصدى لها ببراعة، وكأن الوحش الذي بداخله قد أفاق وخرج للقتال.
كان يطلق النار بسرعة، موجّهًا ضرباته إلى رأس وقلب أعدائه فقط. وبضع دقائق كانت كافية لكي يسقط أكثر من عشرة من أفراد المنظمة المجرمة.
ثم بدأ الأعداء في إطلاق النار عليه مجددًا، لكن خالد كان أسرع. حرك رأسه وجسده بمهارة عالية، وقفز قفزة عالية عن الأرض. دَارَ في الهواء بحركة قوية، ثم أطلق رصاصات متتالية بسرعة مذهلة، قبل أن يوجه ثلاث قنابل نحو أعدائه في رمشة عين، لتنفجر وتقتل عشرين منهم.
واستمر في تصفية الأعداء، إلى أن أصاب آخر شخص منهم. كان يضحك ضحكة هستيرية وهو يقول:
"هذه ما زالت البداية، أخبر رئيس المنظمة بذلك." ثم رحل وسط سحب الدخان الكثيفة والنيران المشتعلة.
لكن الشخص الأخير من المنظمة الذي كان يراقب خالد كان ينوي غدره. أخرج سلاحه بسرعة ليرديه قتيلًا، لكن خالد كان أذكى من ذلك. لاحظ الغدر في اللحظة الأخيرة، وقفز بعيدًا. ثم أطلق رصاصة أصابت رأسه، ليقع على الأرض ميتًا.
خالد استمر في طريقه وسط دخان المعركة والنيران، وهو يتصل بأهله للاطمئنان عليهم. وعندما ردوا على الهاتف، قالوا:
"يا بني، نحن بخير، لا تقلق علينا."
ابتسم خالد وقال:
"كنت متأكدًا من هذا." ثم أغلق الهاتف، وعاد يكمل طريقه إلى المستشفى حيث كان يحيى ينتظره.
انتهى الجزء السادس والعشرون.
الجزء السابع والعشرون
لم يكن يعلم أن الأسوأ لم يبدأ بعد...
لم يكن يتخيّل أن ما سيأتي سيغيّر كل شيء.
الهدوء الذي يسبق العاصفة... انتهى.
وها هي العاصفة قد بدأت.
ركض خالد وهو يلهث، مندفعًا نحو يحيى، واستمرّ على هذه الحال لدقائق، وكأن قلبه لا يريد التوقّف. فجأة، وبينما كان يبعد عن المستشفى بأمتار قليلة، توقف وقال:
ـــ أخيرًا...
كان هناك، حيث يقف ياسين ووردة.
قالت وردة بقلق:
ـــ لماذا تأخرت؟
وقال له ياسين بغضب ممزوج بالقلق:
ـــ يا غبي! أقلقنا عليك.
نظر إليهم خالد بنظرة حزينة وقال بصوت متهدّج:
ـــ أعضاء المنظمة اعترضوا طريقي مرة أخرى.
قال ياسين بعصبية:
ـــ أوغاد... دائمًا يفعلون هذا!
أضافت وردة وهي تهزّ رأسها:
ـــ بالفعل، دائمًا.
.........
في الجانب الآخر، حيث الظلال تتآمر بصمت...
كان أعضاء المنظمة مجتمعين ويتحدثون.
قال المجرم رقم واحد:
ـــ هل نبدأ عملية الإبادة، يا سيدي؟
جاء صوت غامض من الجانب الآخر:
ـــ ابدأوا.
حينها، دبّت الفوضى في أرجاء البلاد.
صرخات، بكاء، فزع...
سقطت القنابل الدخانية والصواريخ، وتوالت الأسلحة المحرّمة دوليًا على رؤوس الأبرياء.
بدأت الأجساد تحلق في الهواء بأعداد مهولة.
وجنود الاح.ت.ل.ا.ل بدأوا تجهيز أقوى قواتهم، وتوجهوا نحو ر.ف.ح.
هناك، شرعوا في القتل والتعذيب، وألقوا القنابل الدخانية على الأبرياء، فخنقوهم حتى الموت.
المناظر كانت مرعبة...
مبانٍ مدمّرة، جثث مُمزقة، أشخاص يحتضنون أبناءهم وأشلاء أحبّائهم، يصرخون:
ـــ "يا رب، أنت العالم... يا رب، أهلك الظالمين."
لم تمر دقائق حتى بدأت عملية "التجهير"، حيث كانوا يقتلون من يرفض بطريقة بشعة.
ولم يكتفوا بذلك، بل وضعوا الجنود والدبابات والطائرات على الح.د.و.د، وراحوا يستمتعون بإلقاء القنابل التي تحتوي على دخان كثيف، يخنق الناس ويقتلهم ببطء.
ثم ازداد الأمر سوءًا...
ألقوا قنابل على المنازل والمخيمات، فانهارت المنازل على ساكنيها، وتحولت الأجساد إلى أشلاء، واحترقت الخيام بمن فيها.
لم ينجُ أحد.
دمروا المخازن، والمباني، والمنازل، وحتى المستشفيات.
نفّذوا عمليات سطو عديدة على المستشفيات، مدّعين أنها تحوي "إلـعـداء" بالنسبة لهم.
.........
في الجانب الآخر...
دخل خالد وياسين ووردة إلى غرفة يحيى، فوجدوه بخير، وقد تلقّى العلاج.
قال ياسين، واضعًا يده على رأس يحيى:
ـــ الحمد لله على سلامتك يا بطل.
قال خالد بابتسامة:
ـــ فرحان أنك استيقظت.
قالت وردة بلطف:
ـــ اطمئن، أنت بخير الآن.
فتح يحيى عينيه وقال بصوت خافت:
ـــ شاهدوا التلفاز...
نظروا إلى الشاشة، فشاهدوا الجثث المتناثرة، والنيران التي تلتهم كل شيء، والأشخاص الذين يطيرون في الهواء، وآخرين يموتون ببطء شديد.
ضغط خالد على أسنانه وقال:
ـــ أوغاد... سأنتقم منكم.
ثم خرج من الغرفة، وغادر المستشفى، وركب سيارة ياسين.
قال ياسين وهو يشدّ قبضته:
ـــ أوغاد... ستموتون قريبًا.
ثم التفت إلى وردة وقال:
ـــ ابقي هنا، سنعود قريبًا.
قالت وردة بثقة:
ـــ حسنًا.
ركب ياسين السيارة ولحق بخالد، وبدآ بالاتجاه نحو الح.د.و.د.
قال ياسين:
ـــ هل سنفعل هذا؟
قال خالد بحزم:
ـــ أجل.
ثم أجرى اتصالًا بالشرطة:
ـــ ألو؟
ـــ نعم، خالد! كيف حالك؟
ـــ الحمد لله. أحتاج إلى خدمة.
ـــ عيني لك، تفضل.
ـــ أريدك أن تجهّز أكثر من 500 جندي، وعشر دبابات، وعشر مدافع، وأسلحة أخرى على الح.د.و.د بسرعة شديدة.
ـــ هل تخطط للهجوم عليهم؟
ـــ نعم.
ـــ حسنًا، سأخرج معكم... لن أسكت عن الحق مرة أخرى.
ـــ رائع... نلتقي هناك.
وأغلق الهاتف، وانطلقا معًا نحو الح.د.و.د...
الوجوه غاضبة، والقلوب تشتعل نارًا...
وما سيأتي... لن يكون سهلًا.
نهاية الجزء السابع والعشرين.
الجزء الثامن والعشرون
حينها انطلق خالد وياسين نحو الحدود بأقصى سرعة لديهما، شغّلا المحركات، وانطلقت السيارة تشقّ الطريق كالسهم، حتى وصلا بعد ساعة كاملة إلى نقطة الحدود.
ترجّلا من السيارة، ووقفا بثبات يراقبان ما يحدث في الجانب الآخر، عيونهم لا تغفل، وملامحهم تشتعل بالغضب والتحدي.
قال خالد وهو يتأمل الأفق:
"انظر إليهم... كالجرذان، يختبئون خلف الأسوار... حان وقت تلقينهم درساً لن ينسوه."
أمسك كل منهما سلاحه، وبدآ بإطلاق النار على الأعداء، صوتهما يعلو فوق أصوات الرصاص، وضربا عليهم بجميع الأسلحة التي كانت بحوزتهما قبل وصول الدعم.
وفي غضون دقائق، سقط عشرة جنود من الجانب الآخر أرضًا، جثثًا هامدة، بينما البقية كانوا في حالة من الهلع.
الجنود في الجانب الآخر كانوا يرتجفون، وجوههم شاحبة، وأصواتهم مرتعشة، يتهامسون:
"مَن الذي أعاد هذا الشعب الثائر من جديد؟! أهو كابوس؟!"
لكن خالد وياسين تبادلا نظرات حادة مليئة بالمكر، ثم حملا المدافع اليدوية، وأعدّا القنابل، وبدأا في قذفها على العدو، لتدوي كلمة:
"الا.ح.ت.لا.ل"
في سماء المعركة، وقد شُلّ تحركه، لا يعرف ماذا يفعل، جنوده يتساقطون واحدًا تلو الآخر، لا يملكون حتى القدرة على الإمساك بأسلحتهم جيدًا.
وفي تلك اللحظة، وصلت الدبابات.
ركب خالد إحداها، وياسين صعد إلى الأخرى، استعدادًا لمرحلة أعنف.
حدّق الأعداء بالدبابات بأعين مفتوحة على آخرها، وكأنهم رأوا شبح موتهم، صمتوا... فقدوا النطق، بل تجمّدت ملامحهم.
ضحك خالد ضحكة ساخرة، ثم صرخ بأعلى صوته:
"اضربوااااا!!"
فاندلعت عشرات القذائف من الدبابات، ومئات الطلقات النارية انطلقت بلا توقف.
المدافع اشتعلت، والقنابل تساقطت عليهم كالمطر، تزلزلت الأرض تحت أقدامهم.
قائد الجيش في الجهة الأخرى وقف مذهولًا، عيناه تتنقل من اليمين إلى اليسار، إلى الأمام، ثم إلى الخلف...
أينما نظر، رأى نيرانًا، جثثًا، دماءً، صرخات تتلاشى في الهواء... أعداد مأهولة من جنوده قُتلوا في لحظات.
تمتم بصوت خافت مكسور:
"انسحاب... إلى خا.ن.ي.و.ن.س..."
لكن قبل أن يتحرك، ارتفع صوت خالد من بعيد، صوته يشق الأفق، يجلجل كالرعد:
"هذه ما زالت البداية... ونصر الله قريب!"
ثم التفت خالد إلى جنوده وأمرهم بحزم:
"اتركوا الدبابات والمدافع والجنود في مواقعهم، وكونوا يقظين أربعًا وعشرين ساعة. هؤلاء قومٌ غدّارون، لا أمان لهم."
قالوا بصوت واحد:
"أمرك سيدي!"
ركب خالد وياسين سيارتهما، وانطلقا عائدين إلى المنزل.
وبعد ساعات، وصلا إلى البيت، وبدآ في نشر الصور ومقاطع الفيديو التي تُظهر جيش الا.ح.ت.لا.ل وهو يرتجف كالطفل الخائف.
حينها، ضحك الشعب المصري بأسره، ومعه الشرطة، وسخروا من المشهد الذي أظهر جبن العدو وضعفه.
ولكن، وسط الضحك والاحتفال، كان خالد يدرك تمامًا أن ما حدث لم يكن إلا بداية الطريق...
الأسوأ لم يأتِ بعد.
ومع ذلك، كان خالد وياسين واثقين، ومتوكلين على الله، يعلمان أن ما يواجهانه ليس سوى مجموعة من المجرمين، وأن خوفهم كان أمرًا طبيعيًا أمام شعب لا يُقهر.
وكان يعلم أن الجرائم في جمهورية م.ص.ر الع.رب.ي.ة ستتزايد في الفترة المقبلة.
نهاية الجزء الثامن والعشرون.
الجزء التاسع والعشرون
هدوءٌ قبل العاصفة... شيءٌ مرعب
لا تأمنْ للأعداء، فهم قد يغدرون في أي وقت.
حاول أن تعيش شجاعًا، وإلا ستموت جبانًا.
ولكنه لم يُكمل كلامه، وفجأة، ظهرت العديد من القنابل، والمدافع، والرشاشات، والرصاصات، واشتعلت النيران في الأشخاص والمباني، وتدمّرت المنازل بالكامل.
الحطام والركام في كل مكان، والضباب والدخان الكثيف يتصاعد من حولهم.
زرعوا قنابل عديدة وضخمة على أدوات الكهرباء، وأجهزة الإشعاع، والمباني، فانفجرت محدثة اشتعالًا قويًا جدًا، ودوى ماس كهربائي في كل اتجاه.
خالد نظر إلى ياسين وقال له:
ـ ألم أقل إنهم لن يتركوا حقهم؟! هناك دعم قوي جدًا خلفهم.
ياسين نظر إليه وهو يضحك ضحكًا هستيريًا وقال:
ـ أنا لست غبيًا... أنا من خَطّط لكل هذا.
وردَة صرخت في وجهه وقالت:
ـ هل حقًا ستفعل هذا الجنون الذي يدور في رأسك؟!
ضحك وقال:
ـ أجل.
خالد ضربه على رأسه وقال:
ـ يا مجنون! بماذا كنت تُفكر؟! لماذا لم تخبرنا بذلك من قبل؟!
ياسين قال:
ـ سترى الآن...
وردَة قالت له برجاء:
ـ لا تفعل هذا...
...
نعود إلى الماضي قليلاً...
سبقهم ياسين إلى مركز الشرطة، وأخذ كمية مأهولة من القنابل من دولابه، ثم بدأ يزرع قنبلة كل خمسة أمتار، ويخفيها بسرعة، كما وضع ردادات مليئة بالأسلحة والجنود المختبئين، ثم عاد بسرعة إلى أصحابه، وهو يضحك ويتحدث معهم وكأن شيئًا لم يحدث.
...
نعود إلى الحاضر...
قال ياسين:
ـ هل تستطيعون العدّ إلى ثلاثة؟
خالد نظر إليه بسخرية، لكنه قال:
ـ أجل.
وردَة أيضًا قالت:
ـ أجل.
قال ياسين:
ـ ابدؤوا بالعدّ من الآن.
بدأ الثلاثة بالعدّ: 1... 2... 3...
حينها صرخ ياسين:
ـ اهبطوا على الأرض!
وفورًا بدأت أعداد مأهولة من القنابل والمدافع والجنود تُطلق نيرانها في جميع الأماكن.
في دقائق، كانت الحرائق، والتدميرات، والانفجارات في كل مكان، وخرج الجنود المخفيون وقتلوا الأعداء فورًا.
في لحظة واحدة، تفجّرت كل دبابات العدو وأسلحته، وكل شيء انهار.
وقف خالد ووردَة مذهولين، وقالوا لياسين:
ـ متى فعلت كل هذا؟!
في لحظات، كانت المنطقة قد دُمّرت بالكامل، ولم يبقَ لها أثر.
ضحك ياسين ضحكة هستيرية، وقال:
ـ لا تستهينوا بالجيش، ولا بشعب م.ص.ر... نحن أقوى منكم بكثير!
ولا تظنوا أنكم قادرون علينا، مهما كانت قوتكم، أو من يقف خلفكم من بلاد أ.و.ر.و.ب.ا!
انتهى الجزء التاسع والعشرون
أدهم أمير