بصمات علي الجريمة الجزء الأول

بصمات علي الجريمة الجزء الأول

25 0

الجزء الثلاثون

كان الصمت يحيط بالغرفة، وكأنما كانت الدقائق القادمة ستُحدث تحولاً عظيمًا في مجرى الأحداث.

ضرب خالد كتف ياسين بقوة قائلاً:

"هل تفعل كل هذا من دوننا؟! هل تسعى للحصول على لقب الشجاعة وحدك؟"

ابتسم ياسين وقال:

"الموضوع ليس كما تتصور... كنت متأكدًا أن الأعداء قادمون قريبًا، وكان لابد لي من اتخاذ إجراء قبل ذلك."

قالت وردة وهي تبتسم:

"أحسنت! لقد أثبت أنك عبقري... وبطل اليوم."

قال ياسين:

"وليس هذا فقط... بل عرفت كيف أحرر البلاد المحتلة."

اندهش خالد وقال:

"كيف فعلت ذلك؟"

ضحك ياسين وقال:

"افتحوا التلفاز."

ركضوا نحو التلفاز بسرعة، وما إن فتحوه حتى ظهرت أخبار عاجلة تقول:

في ف.ل.س.ط.ي.ن، قُتل أكثر من مئة شخص من قبل الأعداء، وأُصيب خمسون آخرون، إثر هجومهم على منطقة خ.ا.ن.ي.و.ن.س، و.ر.ف.ح، و.د.ي.ر.ال.ب.ل.ح. جثث ملقاة، مبانٍ مدمرة، أشلاء يُمسكها الناس بذهول، وأشخاص يحترقون وهم أحياء. قتل العديد بالرشاشات، وتم تدمير كل شيء وحرقه. تم منع الطعام من الدخول، والمياه أصبحت سوداء كريهة الرائحة. الأطفال تائهون في الشوارع، ومشردون في كل مكان.

ثم، وفجأة، ظهر فيديو يظهر قنابل متعددة، وورَدَت أسلحة كثيرة، وقنابل دخان سام وصواريخ تنهال بسرعة شديدة، مما نسف معظم المنطقة، دون أن يُعرف من الذي قتل العدو.

عندها أغلق خالد التلفاز وقال لياسين:

"كيف فعلت كل هذا في هذه الدقائق؟"

قال ياسين بابتسامة غامضة:

"هذا أمر سري."

فتحت وردة عينيها على آخرهما، وحدقت في ياسين، ثم صرخت قائلة:

"حقًا، أنت عبقري! حتى لو لم نعرف الطريقة، لكنك ذكي!"

ضحك ياسين وقال:

"وهذه ما زالت البداية."

فتح خالد فمه هو ووردة من شدة الدهشة، ونظرا إليه بنظرة استغراب وصدمة، ثم قالا بصوت واحد:

"هل ما زالت هناك خطط في جعبتك؟"

قال ياسين مبتسمًا بثقة:

"بالطبع. رئيس المنظمة اسمه رشير، عمره سنة واحدة. وهذا ليس الرئيس الكامل للمنظمة، بل مجرد جزء منها. أ.م.ر.ي.ك.ا تدعمه بمليون جنيه شهريًا. لديه أسلحة، وشركة ضخمة مزوّدة بالعملاء والجنود وكل شيء قوي. لديه طفلان، وهو متزوج. وُلِد في عام 1985 في جبل يُسمى جبل.ت.ل.ا.ب.ي.ب، نشأ في منطقة زراعية أو شبيهة بها. كان والده قاسيًا عليه، وكانوا يقتلون ويسرقون ويفعلون كل القذارات."

ضربه خالد ضربة قوية على رأسه وقال:

"كيف حصلت على كل هذه المعلومات؟"

قال ياسين بهدوء:

"هذا سر."

قالت وردة:

"كفّ عن هذا الهبل! نحن فريق، أخبرنا!"

قال لهم:

"سأخبركم لاحقًا... ونسيت أن أخبركم، أعدادًا ضخمة من الجنود والدبابات والطائرات ستتوجه إلى س.و.ر.ي.ا اليوم."

...

في الجهة الأخرى...

في بلاد أ.و.ك.ر.ا.ن.ي.ا، كانت تحدث حالات اختطاف وقتل واسعة. جثث وأشلاء، مبانٍ مدمرة في كل مكان، وحرائق ضخمة تشتعل، والجنود يسقطون واحدًا تلو الآخر، والركام والصخور والحطام يملأ الطرقات، ودماء الأبرياء تغطي الأرض. كانت البلاد في حالة من الفوضى العارمة، والناس يركضون في كل الاتجاهات، يصرخون، يبكون، ويرتعشون من هول ما يرون، فقدوا القدرة على النطق من شدة الصدمة.

...

في الجهة الأخرى من العالم...

قال خالد لياسين ووردة:

"أنت يا هذا، هل تخبرنا بما يحدث؟ كيف فعلت كل هذا في ساعتين فقط؟ وكيف أرسلت هجومًا قويًا لدعم ف.ل.س.ط.ي.ن وس.و.ر.ي.ا في الوقت نفسه؟"

ضحك ياسين ضحكة جنونية، وابتسم قائلًا:

"حسنًا... إلى غرفتي بعد ساعة من الآن، سأحكي لكم كل شيء."

نهاية الجزء الثلاثون

الجزء الواحد والثلاثون

هل حقًا للحرب نهاية؟

هل حقًا يستطيع الضعيف الانتصار على القوي؟

هل يمكنهم هزيمة كل تلك الأسلحة والمعدات الحديثة الضخمة؟

في الجهة الأخرى، في أو.ك.ر.ا.ن.ي.ا، كان الجيش والشرطة والشعب يحاولون صد المعتدين، قاتلين إياهم باستخدام جميع أسلحتهم، لكن العدو كان أقوى منهم. بدأوا في قذف قنابل دخانية، ثم تلتها قنابل سامة وأخرى تحمل رصاصات قوية ومكثفة. دخلت الدبابات على الأراضي، تعمقوا أكثر وأكثر، وصارت المدافع تدمر المباني، المستشفيات، مقرات الشرطة، وتُشعل النيران بها. استمتعوا برؤية البشر وهم يُقتلون بأبشع الطرق، ضربوا صواريخ فتاكة جعلت نصف المكان يشتعل ويدمر.

لكن الجيش أو.ك.ر.ا.ن.ي.ا لم يستسلم. بدأوا في القتال بكل ما أوتوا من قوة، حاولوا صد الهجوم والمقاومة بكل شجاعة، ولكن في لمح البصر سقطت عليهم قاذفتان من الدبابات، جعلت نصفهم جثثًا هامدة على الأرض، أما البقية فقد كانت إصاباتهم متفاوتة بين الخطيرة والمتوسطة والعادية. صرخ الزعيم قائلاً: "اجلبوا الدعم فورًا!"، بينما كانت طائرات العدو تدخل سماء الدولة أو.ك.ر.ا.ن.ي.ا، تقذف الصواريخ والرشاشات على كل شيء يقف في طريقهم.

كانت الحرائق تلتهم كل مكان، واختُطف الأطفال وُعذّبوا حتى أقصى الحدود. لكن العدو لم يتوقف عند هذا الحد، بل زرعوا قنابل في الأرض. وكلما اقترب أحد من الجيش من تلك الأماكن، انفجرت القنابل لتهلكه على الفور. كانوا يضحكون، يقولون: "هذا وطننا، هذا حقنا، سنبيدكم جميعًا، بلا رحمة ولا شفقة!"، وزادت أصواتهم ضحكًا مع كل انفجار، بينما كان صراخ ال.ا.ح.ت.ل.ا.ل يزداد في أرجاء المعركة.

ثم أمروا بإلقاء النيران على الجنود، فبدأوا في تجهيز أسلحة النار، وأطلقوها عليهم. كان الجنود يحترقون وهم أحياء، بينما كانت محاولاتهم في إيقافهم بلا جدوى. في تلك اللحظات، كان الجنود يبكون، وهم يتساءلون: "هل سنبقى تحت رحمتهم وسلطتهم بعد كل هذا العناء؟"

انتهى الجزء الواحد والثلاثون.

الجزء الثاني والثلاثون

هل يُعقل حقًا أن تُحتل أرضُنا، ونتعرّض للإهانة، والضرب، والقصف المتواصل؟

هل يمكن فعلاً أن نخسر هذه الحرب، ونموت، ويضيع كل هذا العناء في لحظات خاطفة؟

وهل يمكننا، في المقابل، أن نُدمّر هذه المنظمة بالكامل، ونحرّر الجميع من بين أنياب الظالمين؟

ننتقل إلى جبهة الحرب التي تزداد اشتعالًا، والنيران تحاصر كل شيء من حولهم. نصف الجنود قد أُبيدوا تحت وابل من النيران، والرشاشات، والرصاص، والمدافع، والدبابات، والصواريخ، وكافة أنواع القنابل. اللهب يلتهم أعدادًا ضخمة من الجنود، ويقضي على المباني، والأشخاص بلا رحمة. الحطام، والركام يعمّ المكان، والجنود يُقتَلون بأبشع الطرق.

في تلك اللحظة، صرخ القائد قائلًا:

ــ "الدّعم! بسرعة! إن لم يصل الدعم في الوقت المناسب... سنُباد جميعًا! ستُحتل الأرض!"

فأجابه أحد الجنود:

ــ "حسنًا، سيدي!"

في الجانب الآخر...

كان ياسين جالسًا في غرفةٍ خاصة، برفقة خالد، ووردة. أغلقوا النوافذ، والأبواب جميعًا، أطفأوا الأنوار، والكاميرات، وأشعلوا شمعة صغيرة فقط تنير عتمة المكان.

قال ياسين بصوتٍ منخفض، وقد طغى عليه الجديّة:

ــ "قبل أي شيء، هناك حرب دائرة الآن على أوكرانيا، والدّعم في طريقه إليها."

كان خالد على وشك الحديث، لكن ياسين قاطعه بسرعة قائلاً:

ــ "علينا الخروج الآن، وإنقاذ من تبقّى في الخارج!"

ردّ خالد متسائلًا:

ــ "من؟!"

فقال ياسين بعينين تلمعان باليقين:

ــ "المنظمة... عادت من جديد."

خرجوا بسرعة خاطفة. وما إن وضعوا أقدامهم في الخارج، حتى رأوا بأعينهم فظاعة المشهد: أعضاء من المجرمين التابعين للمنظمة يدوسون على الضحايا بأقدامهم، ويحرقونهم بأبشع الطرق. المباني تُدمَّر أكثر من ذي قبل، والمدافع، والرشاشات، والدبابات تطلق نيرانها في كل اتجاه. المجرمون ينتشرون في كل مكان، والحرائق مستعرة، والدخان الأسود الكثيف يرتفع إلى السماء، كأنّها صيحة من الجحيم.

قال خالد وهو ينظر لياسين:

ــ "هل بدأت اللحظة؟"

فأشار ياسين بيده، راسمًا علامة واضحة معناها: ابدأوا.

وفجأة... انطلقت القناصات من كل الجهات، جميعها أطلقت نيرانها في لحظةٍ واحدة. الإشعاعات استهدفت الدبابات، والمدافع، والطائرات التي كانت تحلق، وكل ضربة كانت دقيقة، ومُحكمة. الهجوم كان سريعًا، ومباغتًا، وفخًّا شديد الإحكام ضدّ المجرمين.

وفي دقائق قليلة، تحوّل المشهد إلى رماد: الدبابات، والطائرات، والمدافع تم تفجيرها بالكامل، والجنود أُبيدوا عن آخرهم. لكن المشهد من بعد ذلك كان مرعبًا، مناظر الحرائق، والركام، والحطام، والجثث، والمصابين... كل شيء كان قاسيًا على النفس.

جذب خالد ياسين بسرعة إلى الداخل، ودخلت وردة خلفهم، ثم أُغلق الباب.

ضرب خالد ياسين بقوة وهو يهتف:

ــ "متى فعلت كل هذا؟! كيف خطّطت لأكثر من عشر خطط خلال ساعتين فقط؟!

كنت أعلم بأمر أوكرانيا، وقد أرسلت لهم دعمًا بالفعل، لكن هذا... هذا كل ما كنت أعرفه!

أنت... كيف فعلت كل ذلك وحدك؟!"

صرخت وردة في وجهه:

ــ "أخبرنا الآن، وإلا سأحبسك حالًا!"

ثم نظرت إلى خالد وقالت:

ــ "ما زال لديه خطط أخرى في جعبته، أليس كذلك يا ياسين؟"

وضع ياسين يده على رأسه، وراح يفركه بتعب، وقال:

ــ "أجل... لديّ."

نهاية الجزء الثاني والثلاثون

الجزء الثالث والثلاثون

هل حقًا يوجد حل لكل الجرائم؟

هل يمكن لشخص عبقري أن يحلّ أي قضية، ويكشف عن أي مجرمٍ في العالم؟

هل يمكن فعلًا أن تأخذ العدالة حقّها؟

وقبل أن يتمكن خالد من الردّ على ياسين أو أن يوبّخه، سمع صوت الهاتف يرنّ بقوة. وما إن ردّ، حتى جاءه صوتٌ صاعق من الطرف الآخر:

"ثلاثة أشخاص قُتلوا في المدرسة بطريقة بشعة، ولا نعرف من الفاعل. وصلنا الخبر منذ قليل، بعد خروج الطلاب من المدرسة."

قال خالد بجدية:

ــ "حسنًا، قادم الآن."

ثم أغلق المكالمة على الفور، وأخذ ياسين ووردة، واستقلّ سيارته متجهًا إلى الموقع، الذي كان قريبًا من منطقة سيدي بشر.

وبعد مرور نصف ساعة من القيادة، وصلوا إلى المكان. ما إن ترجلوا من السيارة حتى صدمتهم الفوضى: أشخاص يصرخون ويبكون، دماءٌ متناثرة على الأرض، حروف وأسماء وتهديدات غير مفهومة متجمّدة على جدران المنزل الخارجي. نظروا لبعضهم بذهول، وانقبضت قلوبهم.

دخلوا المنزل بحذر. ثلاث جثث وُجدت داخله:

الأولى في الحمام، مطعونة في القلب والمعدة، ووجهها غارقٌ في الدماء.

الثانية في المطبخ، وقد خُنقت بقماشة غليظة، والآثار واضحة على عنقها.

أما الثالثة، فكانت في غرفة النوم، غارقة في مياه الحمام، وجهها شاحبٌ كالموتى، وعيناها وفمها مفتوحون على اتساعهم، وكأنها حاولت الهروب... لكنها لم تستطع.

خالد، بعد دقائق من التأمل، لاحظ رابطًا مشتركًا بين الجثث الثلاث: بجانب كل واحدة منها كُتبت حروف وكلمات وتهديدات كثيرة بالدماء، ورُسم وجه تعبيري ساخر "إيموجي" على الأرض.

قال خالد، وعيناه تحدقان في الأرضية:

ــ "هذه جريمة معقّدة فعلاً... المجرم لم يترك أي أثرٍ خلفه. لكني سأكشف كل هذا، الآن أو بعد ساعات قليلة... لن يستغرق الأمر أكثر من ذلك."

ابتسم ياسين وقال مازحًا:

ــ "يا أحمق، لماذا لم تبحث في السرداب الخاص بالمنزل، أو تلك الغرفة المغلقة هناك؟"

نظر إليه خالد نظرة نارية، وكأنه على وشك قتله إن لم يصمت. ابتلع ياسين لسانه على الفور، وخفض رأسه، بينما دعاهم خالد إلى التوجّه للغرفة المقفلة.

عندما وقفوا أمامها، لاحظوا دماء متجمدة أمام الباب، وحروف، وكلمات، و"إيموجي" كثيرة مرسومة على الأرض، مطابقة لما وُجد خارج المنزل... بل وأكثر!

قال أحدهم بقلق:

ــ "لماذا هنا أكثر من الخارج؟"

تراجعوا خطوة إلى الخلف، ثم اندفعوا نحو الباب بقوة، وكسروه.

في تلك اللحظة، كانت وردة لا تزال تتفحّص الجثث في الخارج. أما خالد وياسين، فقد دخلا الغرفة المظلمة، ليجدا ورقة ملقاة على الأرض، وجثة رابعة... كانت كبيرة في السن، وقد خُنقت هي الأخرى بقماشة حتى الموت، والآثار واضحة على رقبتها. الحروف والكلمات والوجوه التعبيرية تحيط بها من كل الجهات، لكنها كانت مختلفة تمامًا عمّا في الخارج.

أمسك خالد بالورقة، وقرأ ما كُتب فيها:

"لن أخاف منكم، لأنكم مجرد ضعفاء... اسمي محمد سعيد عبد الله، وأنا أحد أعضاء المنظمة، ومن أشهر المجرمين. هذا يكفي لتعرفوني الآن."

ارتجف الورق في يد خالد، التي اشتعلت بالغضب، وعيناه أطلقتا نظرات وعيد... نظرات قتل.

أما ياسين، فقد فتح فمه من الصدمة، وقال:

ــ "لقد أمسكنا بخيط من القضية... هل نُكمل اليوم؟ أم نرحل؟"

قال له خالد بحزم:

ــ "اليوم لا... سنرحل الآن، وسنُكمل غدًا بعد أن تنهي التحقيقات عملها. وهم في طريقهم إلى هذا المكان فورًا."

ثم ارتفع صوته:

ــ "هيا، يا وردة، وياسين... نخرج!"

ردّا عليه:

ــ "حسنًا!"

ركبوا السيارة، ثم عادوا إلى منزلهم. كان خالد يحمل الورقة التي كُتب فيها ذلك التهديد، ومعه صورٌ للمنزل، ليربط بينها وبين الكلمات والحروف، ويفكّ الشفرات المخفية... ويبدأ رحلة الفهم الحقيقي لما خلف الجريمة.

نهاية الجزء الثالث والثلاثون

الجزء الرابع والثلاثون

كان الظلام يلفُّ الشوارعَ حينما كان خالدٌ غارقًا في أفكاره، يحلّقُ بعقله في أعماق القضية الغامضة التي أرهقته، يحاولُ ربطَ الخيوط المتشابكة للأحداث. وفجأةً، انقطعَ صمتُ الليل بصوتِ دقّاتٍ عنيفةٍ على باب المنزل، تلاها رنينُ الجرسِ الذي اخترقَ الأجواءَ كصرخةِ ذعرٍ. لم يُبدِ اهتمامًا في البداية، لكنَّ زجاجَ النافذةِ تحطَّمَ فجأةً تحت وطأةِ حجرٍ أُلقِيَ عليه، ثم عادَ الدقُّ على البابِ أكثرَ شراسةً من ذي قبل، حتى خُيِّلَ لخالدٍ أن البابَ سينهارُ تحت تلك الضرباتِ المتلاحقة.

نزلَ خالدٌ بخطواتٍ حذرةٍ، ونظرَ عبرَ العين السحرية، لكنَّه لم يرَ أحدًا. أخذَ كرسيًّا وجلسَ بجوار الباب، منتظرًا. لم يلبثْ أن غلبهُ التعبُ فاستسلمَ للنومِ مرةً أخرى، لكنَّ صوتَ الدقِّ عادَ فجأةً، أكثرَ قوةً وإلحاحًا. هذه المرة، فتحَ البابَ بسرعةٍ، ليجدَ شخصًا ملثمًا يرتدي قناعًا أسودَ يفرُّ هاربًا بسرعةِ البرق. اشتعلَ غضبًا في عروق خالد، فأمسكَ سلاحَه وهاتفَه، وأرسلَ رسالةَ استغاثةٍ سريعةً قبل أن ينطلقَ في مطاردةٍ محمومةٍ وراءَ ذلك المجرم.

كان اللصُّ يتنقلُ بخفةِ ظبْيٍ، يقفزُ بين المباني، ويتسلقُ الأسلاكَ الحديديةَ، ويحطمُ سياراتٍ في طريقِه، لكنَّ خالدًا لم يتركْ له مجالًا للفرار. وبعد دقائقَ، توقفَ المجرمُ فجأةً، والتفتَ نحو خالدٍ بعينين تتقدانِ بالمكرِ، وقالَ بصوتٍ هادئٍ مخادعٍ: "كان هذا فخًّا!"

أدركَ خالدٌ الخطرَ في اللحظةِ ذاتِها، فنظرَ حولَه فوجدَ قنابلَ موقوتةً تنتشرُ في المكانِ، والدخانَ الأسودَ يتصاعدُ كجدارٍ كثيفٍ، بينما ألسنةُ اللهبِ تبتلعُ كلَّ شيءٍ. لكنَّ ابتسامةً ثقةً ارتسمتْ على شفتيه، وهو يهزُّ رأسهُ قائلًا: "كنتُ أعلمُ أنكم ستلجؤون إلى هذه الحيلةِ الحقيرة!"

ثمَّ قفزَ قفزةً محكمةً بارعةً، ارتفعَ فيها في الهواءِ كالنسرِ، ثمَّ هبطَ بقدميهِ بقوةٍ على رأسِ المجرمِ، مما أفقدَه الوعيَ من شدةِ الصدمة. ضحكَ خالدٌ، ثمَّ أمسكَ بالمجرمِ وربطَ يديهِ، وأجبرَه على الوقوفِ قبلَ أن يسحبهَ معه إلى مقرِّ الشرطةِ لاستجوابِه وكشفِ حقيقةِ هذا الوغدِ.

---

**في الجانب الآخر:**

كان فريقُ الدعمِ الذي استنجدَ به خالدٌ في موقفٍ لا يُحسدُ عليه. أمامهم مئاتُ الجنودِ المدججينَ بالسلاحِ، ودويُّ المدافعِ يهزُّ الأرضَ، والطائراتُ والدباباتُ تحوِّلُ المكانَ إلى ساحةِ حربٍ داميةٍ. الحطامُ يملأُ الشوارعَ، والنيرانُ تلتهمُ كلَّ شيءٍ، والجثثُ المتراكمةُ تشكِّلُ جدارًا من الرعبِ. حتى سياراتُ الشرطةِ لم تسلمْ، فقد انفجرتْ بعضُها وأصبحتْ كتلًا مشتعلةً، محاصرةً رجالَ الدعمِ في فخٍّ لا مخرجَ منه.

لكنَّ هؤلاءِ الأبطالَ لم يستسلموا. بينما كان العدوُّ يواصلُ هجومَه بلا رحمةٍ، كانوا ينسجونَ خطةً سريةً، خطةً قد تُقلِبُ موازينَ المعركةِ...

انتهى الجزء الرابع والثلاثون

الجزء الخامس والثلاثون

بدأوا بتنفيذ الخطة بحرفية لا تُضاهى! في البداية، اتخذوا مواقعهم خلف السيارات المدمرة تمامًا، مستغلين الحطام كدرعٍ يحميهم من رصاص الأعداء. ثم، وبسرعة البرق، أطلقوا قنابل الدخان والقنابل السامة التي غمرت ساحة المعركة بسحاب كثيف، حاجبًا الرؤية عن الأعين الحاقدة. عادوا إلى مواقعهم مرة أخرى، ثم اندفعوا كالعاصفة يجوبون الأرض من كل اتجاه، وهم يطلقون وابلًا من الرصاص المتواصل دون توقف!

ارتفعوا في الهواء كالصقور الجارحة، موجّهين أسلحتهم إلى الأسفل، وما إن حلقوا في الأعلى حتى انهمرت رصاصاتهم كالمطر القاتل، أصابت بلا رحمة، فأوقعت عددًا كبيرًا من الأعداء بين قتيلٍ وجريح! ثم، وفي حركةٍ بهلوانيةٍ مثيرة، قبضوا على القنابل بين أياديهم، وقفزوا مرة أخرى في الفضاء، فتحوها وألقوها على رؤوس المجرمين، فانفجرت بقوةٍ هائلة، محوّلة المكان إلى جحيم من اللهب والدخان، التهم عددًا ضخمًا من الأعداء!

لكن الدعم بدأ يتلقى إصابات متوسطة، بينما عاد الأعداء إلى الهجوم مرة أخرى. عندها، ضحك أفراد الدعم ضحكةً خبيثة، ثم أخرجوا سلاحًا صغيرًا جدًا من جيوبهم، وقالوا بثقة: "هذا آخر اختراعات الشرطة!" وما إن شغّلوا الجهاز الغامض، حتى انبعثت منه روبوتات صغيرة الحجم، تسللت إلى أجساد المجرمين، وبدأت تفككهم من الداخل، تقطع أوصالهم ببطءٍ قاتل!

ضحك الدعم ساخرًا: "هذه لا تزال البداية!" لكن فجأة، انقلب السحر على الساحر، فقد تمكن أحد الأعداء من التخلص من الروبوت الذي تسلل إليه، ثم أخذ يحترق ببطءٍ مؤلم! عندها، قرر أفراد الدعم الانسحاب بسرعة، تاركين خلفهم ساحة المعركة تعج بالحرائق والمجرمين الذين ينالون جزاءهم ببطءٍ شديد!

ركضوا بانسيابية المحترفين، يلتفتون خلفهم بين الحين والآخر، وابتسامة النصر لا تفارق شفاههم، وهم يهتفون: "لن تنتصروا علينا أبدًا!" ثم واصلوا طريقهم نحو خالد، ليواجهوا المشكلة الجديدة التي وقع فيها مرة أخرى مع أولئك المجرمين...

انتهى الجزء الخامس والثلاثون

الجزء السادس والثلاثون

في الجانب الآخر، تمكّن العدو من الاستيلاء على نصف أوكرانيا، بعد أن وجّه ضربة قاسية إلى الجيش بسلاح فتاك لم يتمكنوا من الصمود أمامه. بدأ الأعداء في التوسع بسرعة مرعبة، يعيثون في الأرض فسادًا، يقتلون ويصيبون ويدمّرون كل ما يقف في طريقهم بأبشع الطرق الممكنة. كانوا يفتكون بأي جندي يعثرون عليه بلا رحمة، فيما كانت الصواريخ تنهال على أوكرانيا بسرعة خارقة وقوة مدمرة.

سقطت الصواريخ على المنازل والمستشفيات ومقرات الشرطة، وتحولت الأرض إلى جحيم تتناثر فيه الأشلاء من كل صوب. أجواء الموت والرعب خيمت على الجميع، الأطباء والممرضون بدأوا يسقطون واحدًا تلو الآخر بطريقة بشعة؛ أحيانًا يُتركون يختنقون بغازات سامة، وأحيانًا أخرى يُجمعون في حفرة ضخمة، تُطلق عليهم النيران وهم مقيدون، ويُقتلون بطريقة وحشية تقشعر لها الأبدان.

ولم يكتفِ الأعداء بذلك، بل أخرجوا دباباتهم الضخمة، أقواها وأشرسها، وبدأت تقصف المدنيين الأبرياء في الشوارع والمنازل بلا هوادة. كانوا يحملون قنابل نارية وصواريخ حارقة، يطلقونها على الناس ليحترقوا أحياء، ويستمتعون بمشهد الدمار.

اتسع نفوذ المجرمين أكثر فأكثر، وازدادت الأوضاع سوءًا يوماً بعد يوم، ولم يتمكن أحد من التصدي لهم. الجنود أصبحوا يبكون بشدة، أجسادهم ترتعش من شدة الخوف، فقد تحوّلت الأرض إلى كابوس لا ينتهي.

...

في الجانب الآخر

اتصل ياسين بخالد بسرعة، صوته مضطرب:

– "لا وقت لدينا، يجب أن نرسل دعماً إلى أوكرانيا فورًا!"

خالد صُدم من هول الخبر، وقال بذهول:

– "هل تم فعلاً احتلال نصف أوكرانيا؟"

رد ياسين بإصرار:

– "أجل، أترك المجرم الذي معك الآن للشرطة، وعلينا أن نتحرك لإنقاذ أوكرانيا قبل أن تُباد بالكامل."

أجابه خالد:

– "حسنًا، سآتي فورًا."

أغلق ياسين الهاتف، وحدّق في الفراغ وهو يحدث نفسه:

– "الأوضاع تزداد سوءًا كل يوم... ماذا سنفعل؟ ومتى يمكننا إنقاذ هذه البلاد كلها؟"

غاص في أفكاره، حتى لم يشعر بمرور الوقت، وحين نظر إلى الساعة وجدها الثالثة فجرًا، وإذا بخالد يطرق باب منزله بقوة. هرع ياسين ليفتح الباب، فدخل خالد بسرعة، وجلسا معًا على الأريكة المقابلة للتلفاز. تبادلا نظرات القلق، ثم بدآ في الحديث والتخطيط لما هو قادم.

نهاية الجزء السادس والثلاثون

الجزء السابع والثلاثون

كان الجو في الغرفة مشحونًا بالتوتر بين ياسين وخالد، حيث انعكس وهج الشاشة على وجوههما المُتعبتين. أخيرًا، كسر ياسين الصمت بصوتٍ حازم:

"لا يمكننا الانتظار أكثر... الأعداء يتقدمون بسرعة، وإذا لم نتحرك الآن، فلن يبقى شيء لننقذه!"

أومأ خالد برأسه، عيناه تلمعان بإصرار: "لكن كيف سنتدخل؟ الجيش الأوكراني منهك، والعدو يملك أسلحة لا نعرف حتى كيف نواجهها!"

التقط ياسين خريطةً منتشرةً على الطاولة، وأشار إلى منطقة معينة: "هنا... نقطة ضعفهم. لو استطعنا ضرب مخازن أسلحتهم، سنوقف تقدمهم مؤقتًا على الأقل!"

لكن خالد بدا قلقًا: "هذا خطير جدًا... لن نتمكن من الوصول إلى هناك دون تعزيزات!"

رد ياسين بلهجةٍ لا تقبل الجدل: "لدينا بعض الرجال المستعدين للمخاطرة، ولدينا معلومات دقيقة عن تحركات العدو. يجب أن نتحرك قبل فوات الأوان!"

في تلك اللحظة، دوى انفجارٌ بعيدٌ جعل النوافذ ترتجف. نظر الاثنان إلى بعضهما، فَهِمَا أن الوقت يضيق أكثر مما توقعا.

---

**في الجبهة...**

المشهد كان أشبه بجحيمٍ لا نهاية له. الدبابات الثقيلة تدكّ آخر المعاقل الأوكرانية، بينما تتهاوى المباني الواحد تلو الآخر تحت القصف المتواصل. الجنود الأوكرانيون، رغم شجاعتهم، كانوا يتراجعون ببطء، غير قادرين على الصمود أمام القوة الساحقة للعدو.

أحد القادة، وجهه ملطخ بالدماء والغبار، صرخ في رجاله: "قاوموا! لا تتراجعوا! هذه أرضنا!" لكن صوته اختفى بين ضجيج الانفجارات.

وفي مكان آخر، كانت مجموعة من المدنيين تحاول الفرار عبر الأزقة المدمرة، بينما كانت القذائف تسقط حولهم دون توقف. طفل صغير، لا يتجاوز العاشرة، كان يحاول جرّ أخته الصغيرة بعيدًا عن الخطر، لكن انفجارًا قريبًا دفعهما أرضًا...

---

**عودة إلى ياسين وخالد**

أغلق خالد الهاتف بعد محادثة قصيرة، ثم نظر إلى ياسين بجدية: "لقد جهزت فريقًا صغيرًا... مستعدون للمهمة. لكننا بحاجة إلى خطة محكمة!"

اقترب ياسين منه، وعيناه تشتعلان بتصميم لا يعرف الخوف: "سنضربهم من حيث لا يتوقعون... الليلة!"

أخذ الاثنان يرسمان التفاصيل الأخيرة، بينما كانت أصوات المعارك البعيدة تذكرهم بأن كل ثانية تمر قد تعني حياة أو موت الآلاف...

انتهى الجزء السابع والثلاثون

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بصمات علي الجريمة الجزء الأول

المؤلف أدهم أمير
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة