أفاقت رامونا، كانت مستلقية على سريرها و شعرها مبللًا بالعرق، كانت الغرفة مظلمة، والصوت الوحيد هو همهمة الأصوات البعيدة.
سمعت صوت راف، منخفضًا خارج بابها مباشرة: "انهارت في الحمام ... كانت مرعوبة - ظنت أن هناك شخصًا ما، إنها لا تنام، وبالكاد تأكل، لا أعرف ماذا أفعل".
أجاب صوت الطبيب، هادئًا ولكنه قلق: "إنها تعاني من ضغوط حادة، كوابيس ليلية، وهلوسات - عقلها مرهق، إنها بحاجة إلى الراحة، وتحتاج إلى الشعور بالأمان، يجب أن يبقى شخص ما معها الليلة".
انكمشت رامونا على نفسها، وجسدها يؤلمها من الإرهاق، انزلقت الدموع بصمت على خديها، كل صوت، كل ظل، جعلها ترتجف، أرادت أن تنادي راف، أن تتوسل إليه ألا يتركها وحدها، لكن صوتها لم يخرج، كانت راقدة هناك، عالقة بين اليقظة والنوم، تطاردها ذكرى الدماء ويقينها بأنها ليست بأمان - حتى من عقلها.
دخل راف بملامح قلقة : " اوه ... مرحبا سيدة رامونا، اراكِ تحسنتِ بعض الشئ ".
دفعت نفسها لأعلى ولا تزال متعبة : " ماذا حدث يا راف؟ ".
" امم أنا لا أعرف ما الذي حدث بالضبط، لكني دخلت عليكِ وجدتكِ علي أرضية الحمام فاقدة للوعي، كنتِ نصف مستيقظة و كنتي تتمتمي باسم شخص يُدعي لوك ".
" أنا لا أعرف حتي ما الذي حدث ... كوابيس متتالية لقد خرجت الأمور عن السيطره يا راف لدرجة أن الكوابيس أصبحت تتجسد علي ارض الواقع و كأن الكوابيس تعيش معي في نفس الشقة ".
" سنحل هذا لا تقلقي، خذي ادويتك و سيكون كل شئ علي ما يرام، هل تريدي أن ابقي معكِ الليلة؟ ".
ابتسمت ابتسامة خفيفة: " لا، هذا لا يصح، أنت أذهب لعملك و أنا ربما أفعل شيئا جديدا الليله او أتجه إلي صديق ما ".
" أجل هذه فكرة رائعه لربما تتحسني إذا غيرتِ جو، و تذكري بأني هنا إذا إحتجتِني ".
" شكراً لك حقا أنا ممتنة لك " ردّت رامونا بصوتها الناعم.
وبينما كانا يتحدثان، لم تستطع عينيها إلا أن تُحدّق في القلادة حول رقبته - سلسلة بسيطة، لكن يتدلى منها مفتاح صغير مُزخرف.
لاحظ راف نظرتها فوضع المفتاح تحت قميصه، دون وعي تقريبًا :"لا داعي لشكري يا سيدة رامونا"، قال بنبرة دافئة لكن مُستعجلة : "يجب أن أذهب. لديّ اجتماع لأحضره."
أومأ لها مطمئنًا قبل أن يتجه نحو الباب، غادر راف، ثم نهضت رامونا من علي السرير و مشت بإتجاه الباب خرجت الي غرقة المعيشة، ساد الصمت الشقة بعد مغادرة راف، الصوت الوحيد هو دقات الساعة الخافتة على الحائط، وقفت رامونا في منتصف غرفة معيشتها، مُحيطةً نفسها بذراعيها، كما لو أنها تُسيطر على أعصابها بقوة ... تجولت بلا هدف، كان وقت الغسق، حيث تستعد رامونا لرعب جديد في المساء، حاولت تشتيت انتباهها - تُرتب كومة من الكتب، وتمسح طاولة المطبخ - لكن نظرتها ظلت تتجه إلى نهاية الردهة .... الباب المُغلق ... تحركت نحوه ببطء، تتبعت أصابعها حدود القفل ... تذكرت بريق المفتاح في سلسلة راف، وكيف لمسه دون وعي وهو يتحدث.
سألت في نفسها :" ماذا كان يخفي؟ "
تراجعت إلى الوراء، وقلبها ينبض بقوة، وأجبرت نفسها على التنفس ... كانت بحاجة إلى إجابات، رن هاتفها، مفزعًا إياها.
التقطته : " ماثيو ..." أجابت بصوت مرتعش .
" رامونا مرحبا ... لنا الكثير لم نتحدث هل أنتِ بخير ما بال صوتكِ مرتعش ".
" لا ، لا شئ لا تقلق ".
" امم ... حسناً، كنت سأسأل عن ايرين، أحاول الوصول إليها لكنها لا تجيب و ليست في منزلها ايضاً ".
"اوه، حقا ... اها، لا تقلق، أخبرتني أنها ذاهبة لزيارة والدتها قريبا، لذا ربما إنها هناك، و إن والدتها مريضه و بحاجه الي عنايه تعرف هذا، لذا من الممكن أن تكون مشغولة ". قالت رامونا و هي تفرك كلتا عينيها بيدها.
" حسناً من الجيد أنكِ طمئنتيني ".
ساد الصمت بينهما للحظات ثم استأنف ماثيو حديثه " رامونا ... هل لنا أن نتقابل ".
قطبت رامونا حاجبيها : " لماذا ؟ ".
" لا ، لا يوجد شئ مقلق، فقط أريد أن أتحدث معكِ بشأن موضوع ما " ماثيو.
" جيد .. لما لا، إذاً أين ومتي؟ ".
" الليلة في منزلي ".
" الليلة ؟!" قالت بتعجب.
" أجل ، هل أنتِ مشغولة الليلة ".
" لا لا ابداً ... حسناً لا بأس ".
و قبل ان يتمكن ماثيو من الرد أغلقت رامونا هاتفها و إتجهت للحمام لتأخذ حماماً بارداً كي ينعش جسدها، حلّ المساء، استعدت رامونا لمقابلة ماثيو، وخرجت من الشقة، وصلت لمنزل ماثيو ثم طرقت الباب بلطف.
فتح ماثيو الباب : " مرحباً رامونا سررتُ برؤيتكِ.. تفضلي بالدخول " - كان يكنّ ماثيو لرامونا احتراماً كبيراً -.
جلست رامونا علي الاريكة و هي تشبك اصابعها في محاولة لإخفاء توترها
" تفضلي ... فنجان قهوة كي يدفئكِ في هذا الجو القارس ".
" شكراً لك ".
" أخبريني اذاً كيف تسير الأمور معكِ ؟ "
" كل شئ يسير بشكل سئ " قالت رامونا و ملامحها هادئة تماماً.
" اوه توقعت العكس .... لكن أظن بأن وجهكِ الشاحب و الهالات تحت عينيكي يخبراني بكل شئ ".
زرفت رامونا دمعة ثم مسحتها بسرعة و قالت بصوت اجش و متقطع : " لا أريد أن احملك هم ... لكن لا أعرف ما هذا الذي يحدث معي ... ماذا فعلت انا لكل هذا، لماذا تعاقبني الحياة هكذا، و كأنني فعلت ذنب و أُعاقب عليه ".
حدق بها ماثيو بعينين حزينين :" اهدئي يا رامونا من فضلكِ " ثم أردف " كيف ؟ هل يمكن أن تشرحي لي مايحدث ؟ ... لقد كانت ايرين تقول عكس هذا تماماً ".
" أنا من اخبرتها بهذا ليس لايرين ذنب، لم أكن أريد أن أحملك هم أو اجركّ الي هذا ".
" لوك، أليس كذلك ؟ ، ذلك الوغد " قال بنبرة حادة و هو يصرّ علي أسنانه.
" لذلك لم أرد إخبارك، أعرف انك ستسبب المتاعب يا ماثيو ".
" بحقكِ كيف تمري بكل هذا و لا تخبريني، ها، كيف نحن أصدقاء إذاً؟ ".
" آسفة جداً يا ماثيو .... لم أعرف أن الأمر معقد بهذا الشكل، ظننت أنني أستطيع التعامل مع الأمر بمفردي ".
" و ماذا حدث عندما فعلتِ هذا، ما الذي تغير أريد أن افهم ".
هزت كتفها و قالت بصوت مهموس : " لا شئ ".
هز ماثيو رأسه ثم قال : " سأجد هذا الكلب و سألقنه درساً لن ينساه ".
" رجاءً يا ماثيو لا تتصرف من رأسك، حياتي لا تتحمل متاعب أكثر ".
مدت يدها و أمسكت بيد ماثيو أعطته ورقة ثم أغلقت يديه : " هذا عنواني، هل ستكون هنا إذا احتجتك "
أحاط ماثيو يدها بإحكام : " أنا هنا دائماً ... و كنت هنا دائماً ... لكن أنتِ من اخترتِ أن تجعليني خارج الأمر ".
أرخَت رامونا قبضتها ثم نهضت : " ليس بعد الان ... امم انا عليّ الذهاب إذاً، أحتاج لقسط من الراحة " .
أومأ ماثيو : " حسناً ... سأترككِ، أتمني لكِ ليلة هادئة ... سنتحدث غداً .. اتفقنا ".
ابتسمت ابتسامة خفيفة : " حسناً اتفقنا ".
غادرت رامونا منزل ماثيو عائدةً إلى شقتها، كان هواء الليل منعشًا، وشعرت بهدوء غير معتاد أثناء سيرها، وبينما كانت تقترب من مبناها، أبطأت خطواتها عندما سمعت راف يتحدث في الهاتف بغضب لم تراه من قبل ترددت في البداية لكن سيطر عليها الفضول ... تسللت خلف زاوية الجدار، حريصةً على عدم إصدار صوت.
وحاولت جاهدةً التقاط كلماته : " مقابلة ماذا بحق خالق الجحيم الآن؟، أيضاً انا مشغول جداً أشك في أنني أستطيع المجئ " راف
تلقي رداً من متصله لم تستطع رامونا سماعه بالطبع ثم رد : " بدون تهديد، يمكننا التحدث في هذا في مكان آمن سنتقابل الليلة ".
رن هاتف رامونا بصوت عالٍ في جيبها : " تباً ... تباً، ما هذا الحظ ".
ترجلت بعيداً حتي لا يسمع راف و يشك انها هناك، كان المتصل راف : " امم سيد راف كيف حالك " قالت بنبرة متوترة.
أجاب بصوت مهذب وهادئ فجأة : " بخير سيدتي ... أنا ذاهب إلي مقابلة و سأتي إذا احتجتي شيئا اتصلي و ستجديني عندكِ ".
" امم حسناً شكراً لك ... في الواقع، أنا خارج الشقة على أي حال ... قد أبقى مع صديقتي الليلة ".
" حسناً ... أتمنى أن تكون ليلة سعيدة ... أنا آسف إذا كنت مهملًا مؤخرًا.. ... لكن تأكدي أني لم أعني ذلك ".
" لا يا سيد راف ... لا داعي للاعتذار أنا بخير و شكراً لك علي مساعدتك لي طوال الوقت ".
شعرت رامونا بشئ غريب، قلق مفاجئ : " لماذا يعتذر ؟ و كلماته غريبه ؟ و كأننا لن نتقابل مجدداً ".
صعد راف للسيارة و تحرك، تبعته رامونا بدقائق، كان يقودها راف عبر متاهة من الشوارع الضيقة المتعرجة، وصلت أخيراً و ترجلت من السيارة و تتبعت راف سيراً علي الأقدام، رأت راف يلتقي بشخص تحت ضوء خافت لمصباح شارع.
ضيقت عينيها كي تتمكن من رؤية وجهه: " لوك ! هل يعرف راف لوك؟ " قالت في نفسها و هي متفاجئة : " إذاً لماذا قال لي بأني اتمتم باسم شخص يُدعي لوك اذا كان يعرفه ... تباً أنا لا افهم شئ ".
أختبأت خلف زاوية، تجهد لسماع محادثتهما الخافتة، أقترب لوك من راف بخطوات هادئة و مخيفة : " راف ... أهلا بك، من الجيد رؤيتك مجدداً".
" ماذا تريد في هذه الساعة، ولماذا غاضب لهذا الحد الذي وصل الي تهديد ... ها ؟ " راف.
" لا تدعي البراءة " فجأة، أمسك راف من قميصه، وسحبه بالقرب منه، ثم أردف : " كيف تساعد رامونا دون علمي ؟ " صرخ في وجهه " أخبرني ".
قال راف بتلعثم : " المرأه كانت تحتاج للمساعدة وأردت أن اسدي معروفاً، ما الذي يزعجك في الأمر".
" أين هي ؟، لا تقول أنك أعطيتها تلك الشقة ".
ابتلع راف ريقه مجيباً بتوتر : " أجل، لكن ...".
قاطعه لوك : " لكن ماذا ؟، لا تغضبني يا راف ... لكن ماذا ؟، ماذا عن الغرفة؟ هل تعتقد حقًا أنه إذا انكشفت، سأكون الوحيد الذي سيصاب؟ نحن الاثنان في نفس القارب يا عزيزي "
أرخى لوك قبضته على قميص راف وتراجع خطوة إلى الوراء، ثم أردف : " رائع يالحماقتي ... أتعرف أنك اثبت لي اني أخرق غبي؟، لقد كنت تلعب دور مزدوج رائع ... بل فوق الروعة بدرجة، لقد أعطيت رامونا الشقة كوسيلة لفضح أمري، معتقدًا أنني سأكون الوحيد الذي سيتم القبض عليه، أو أنك ستنجو من هذا بطريقة ما... وفي الوقت نفسه، أخفيت كل شيء عنها، معتقدًا أنك تسيطر على الأمر، أليس كذلك؟".
توقف، وحدق في راف الذي وقف متجمدًا غير قادر على الكلام: " ها تحدث لا تقف هكذا كالمنيكان، هذا ما كنت تفعله أليس كذلك "
" لا أقسم أنا فقط ... ".
قاطعه لوك : " بدون قسم ... هيا تحرك أمامي ".
اتسعت عينيّ رامونا ووضعت يدها علي فمها من هول الصدمة ثم ركضت إلى السيارة وهي منهاره : " كنت أعرف أن هناك سر في هذه الغرفة .. . لقد شككت في ذلك منذ أن انتقلت إلى تلك الشقة اللعينة .... تباً لك يا راف تباً لك ".
كانت تضرب علي المقود بكلتا يديها " لوك! ماذا سمعت للتو؟ هذا لا يُصدق ... ما الذي بينه وبين راف؟ ما الذي يخبئانه في تلك الغرفة ويخيفهما كثيرًا؟ أنا... لا أفهم شيئًا ".
مسحت دموعها متظاهرة بالقوة، شغّلت السيارة بيدين مرتعشتين وانطلقت مسرعةً إلى الشقة، اقتحمت رامونا باب الشقة، أنفاسها متقطعة، وقلبها يخفق بشدة ... لا يزال صدى تهديدات لوك وصوت راف المرتجف يرن في أذنيها... لم تكلف نفسها عناء إشعال الأنوار - فقد عرفت يداها الطريق الآن، دفعت باب غرفتها وأغلقت الباب خلفها برفق، كانت اللوحة معلقة على الحائط مغطاة بقطعة قماش ثقيلة مغطاة بالغبار... ترددت رامونا لبرهة، وأصابعها ترتجف وهي تمد يدها وتسحب القماش بعيدًا، والغبار يدور في الهواء، مما جعلها تسعل، مجرد لوحة، كانت اللوحة نفسها باهتة عبارة عن - منظر طبيعي باهت، نهر متعرج عبر غابة... لا شيء مميز... لا شيء على الإطلاق.
" ماذا؟، هل تمازحانني ؟، ما هذا الهراء ؟ " قالت و هي تتراجع للوراء : " لا ، لا ، لا ، أشك أن هناك شيئا ما، إن لم يكن شيئا مهماً فلماذا يخفونه اذاً ؟ ".
تقدمت خطوتين ثم مررت يديها على الإطار، باحثة عن أي شيء غير عادي... لامست أطراف أصابعها مزلاجًا صغيرًا يكاد يكون غير مرئي في الخلف ... بنقرة خفيفة، تأرجحت اللوحة للأمام على مفصلات مخفية
" يا إلهي ... ما هذا ؟ " ، قالت بصوت مرتعش.
تسارع نبضها وهي تنظر للوحة المفاتيح، حدقت في لوحة المفاتيح، وعقلها يتسابق:" أربعة أرقام ... فكري يا رامونا، فكري. ماذا سيستخدمون؟"
" واحد ... اثنان ... أربعه ... أربعة ، لا .. تباً ... تباً ".
وضعت يديها علي رأسها : " ماذا أفعل.. كيف سأجد الرقم "
صمتت للحظات : " لوك ... عيد ميلاد لوك "
بدأت أن تجرب و هي تبتسم ابتسامة مرتعشة، تحدثت و هي تحاول ان تجمع كلماتها " سبعة ... اثنان ... الف تسعمائة ستة و ثمانون " صحيح نعم .. هذا هو ".
أصدرت لوحة المفاتيح صوت صفير مع كل ضغطة مرتعشة من إصبعها: "سبعة... اثنان... ثمانية... ستة." حبست رامونا أنفاسها، وقلبها يخفق بشدة لدرجة أنها كانت متأكدة من أنه سيكشف أمرها... للحظة، لم يحدث شيء ... ثم، مع أزيز ميكانيكي خفيف، انفتحت الخزنة ... زفرت مرتجفة، وركبتاها تكادان تنثنيان من الارتياح والخوف، مدت يدها إلى الداخل، وجدت كومة من جوازات السفر وبطاقات الهوية، كل منها بأسماء مختلفة ولكن لا لبس فيها نفس الوجوه - راف ولوك، مرارًا وتكرارًا، في أزيائهما وجنسياتهما المختلفة... ارتجفت يداها وهي تقلبها، أمسكت بالأول - وجه راف، لكن اسمه كان "مارتن كيلر". التالي - لوك، ولكن باسم "فيكتور شوبين". آخر - راف مرة أخرى، هذه المرة "دانيال رويز". قلبت صفحاتها، وقلبها ينبض بصوت أعلى مع كل هوية جديدة، حتى جواز سفر فرنسي لشخص يُدعى جان لوك مورو، ثم" مايكل ثاتشر" كانت كل وثيقة مزورة بمهارة، والتفاصيل مقنعة بشكل مخيف...
انحبست أنفاس رامونا :"من أنتم أيها الناس؟" همست، صوتها بالكاد مسموع :" مع من كنت أعيش؟".
همست لنفسها بصوت مرتجف: "مارتن كيلر... فيكتور شوبين... دانيال رويز... من أنت يا راف؟ من أنت يا لوك؟ إلى ماذا بحق خالق الجحيم جررتني؟".
واصلت رامونا و كانت تشعر بأن قلبها سيتوقف من هول ما تراه، تحت المستندات كان هناك ظرف سميك، مثقل بالنقود - يورو، دولارات، ين، عملات لم تتعرف عليها حتى ...
كانت تقلب الأوراق النقدية، ويداها ترتجفان :" تباً ... تباً لك يا راف ... تباً لك يا لوك .... تباً لي ".
واصلت بيدين ترتجفين وهي تتصفح كومة الأوراق التي سحبتها كانت الصفحات القليلة الأولى عبارة عن فواتير - بيانات شحن
تمتمت قائلة: "منسوجات، إلكترونيات، لوازم طبية..."
لكن الأرقام لم تكن متطابقة... كانت الوجهات في جميع أنحاء العالم، وكان اسم المرسل دائمًا عبارة عن اختلاف في الأسماء المستعارة للوك أو راف ... قلبت الصفحة إلى المستند التالي - دفتر حسابات مكتوب بخط اليد، بأعمدة مُسمّاة بـ"الوحدات" و"التسليم"، اتسعت عيناها وهي تقرأ الملاحظات بجانب الأرقام: "12F، 8M، أوديسا - تم التسليم، 6 قاصرين، ترانزيت - براغ"
انحبست أنفاسها :"لا... لا، هذا لا يمكن أن يكون..."
بحثت بعمق أكبر، وسحبت مجلدًا مختومًا بختم أحمر ... كان بداخله نسخ مصورة من جوازات السفر لأشخاص آخرون، الكثير من الصور لاوجه خائفة - معظمهم كانوا اطفالا، كانت مرفقة إيصالات لتحويلات بنكية، مبالغ ضخمة أُرسلت إلى حسابات مشبوهة... وفي الخلف كانت صورة: حاوية شحن، أبوابها مفتوحة، والناس متجمعون في الداخل
تراجعت رامونا متعثرة إلى الوراء، وهي تشد المجلد على صدرها: "يا إلهي. يا إلهي، إنهم يتاجرون بالبشر. لوك... راف... ما هذا الذي أراه انا ؟".
كان صوتها بالكاد همسًا، مختنقًا بالرعب... ضغطت بيدها المرتعشة على فمها، وعقلها مشوش :"هذا حقيقي... هذا كله حقيقي... يجب أن أخرج. يجب أن أخبر شخصًا ما. لكن من سيصدقني؟ بمن أثق؟".
عادت عيناها إلى الأدلة - الأسماء والتواريخ والوجوه والمال ... كان كل شيء موجودًا، لا يمكن إنكاره
"أيها الوحوش" همست والدموع تلسع عينيها: "أيها الوحوش المطلقة".
أجبرت نفسها على التنفس، والتفكير :"حسنًا، رامونا. لديكِ دليل. يجب أن تكوني ذكية. يجب أن تنجِ".
واصلت البحث، لمست يداها شيئًا باردًا وصلبًا - مسدسًا صغيرًا وأسود اللون، مدسوسًا في زاوية الخزنة، شعرت بالغثيان وأنها علي وشك فقدان الوعي لكنها فركت عينيها ثم واصلت، في الأسفل، وجدت قطعة قماش مطوية، نشرتها على السرير ... في البداية، بدت فارغة، ولكن عندما سلطت ضوء مصباح هاتفها على السطح ... ظهرت خطوط ورموز خافتة - خريطة
" خريطة؟ إلى ماذا؟ ماذا يخفون؟ "
مكتوب عليها ملاحظات غامضة وعلامة X حمراء واحدة، كانت الكتابة في الهوامش بلغة لم تتعرف عليها.
انطلق عقل رامونا : " خريطة، مسدس، هويات مزيفة، نقود، ما الذي دخلت إليه بحق خالق الجحيم؟".
ضغطت بيدها على فمها، تقاوم الرغبة في الصراخ : "لا يُمكن أن يكون هذا حقيقيًا. لا يُمكن أن تكون هذه حياتي.".
كان صوتها همسًا متقطعًا، كانت تشعر بالضياع، جلست علي الارض و بدأت بالبكاء، أعادها ضجيج مفاجئ في الردهة إلى الواقع ... رفعت رامونا رأسها فجأة ثم نهضت مسرعة ... حشرت المستندات والنقود والخريطة في حقيبتها، تاركة المسدس خلفها، أغلقت الخزنة، وأعادت اللوحة إلى مكانها، كانت تعلم أنها لم يتبق لها سوى دقائق - ربما ثوانٍ - قبل وصول راف ولوك
" عليكِ أن تتحركي. عليكِ أن تعرفي كل شيء... لم تنتهِ بعد. لا تزال هناك الغرفة المغلقة. تلك التي لا يسمحون لك بالاقتراب منها أبدًا.... هناك تكمن باقي الحقيقة ... لا يمكنكِ التوقف الآن" .
مسحت دموعها، وربّتت علي كتفيها، وتسللت خارج غرفتها علي أطراف اصابعها تتفقد الردهة لكنها لم تجد شيئاً .... كانت الشقة ساكنة، الصمت كثيف لدرجة أنها شعرت وكأنه تحذير .. تشبثت بحقيبتها بقوة أكبر، وثقل الأدلة المسروقة يقيدها
" رجاءً يا كوابيسي ليس الان، ليس قبل أن اعرف الحقيقة كاملةً ".
إتجهت إلي الغرفة المغلقة و اغرورقت عينيها من الخوف ثم واصلت السير بهدوء، حامت يد رامونا فوق مقبض الباب : " المفتاح... راف ! ، القلادة .. تباً ".
كانت تبحث رامونا عن أي شئ لفتح الغرفة، وفي لحظة متهورة رفعت رامونا الكرسي و ضربته بقوة في الباب ... انفتح الباب و أصدر صريراً مزعجاً، دخلت الغرفة كان الهواء مشبع برائحة العفن، كانت الغرفة صغيرة، بلا نوافذ، مضاءة فقط بالوهج الخافت من الردهة، مدت يدها إلى مفتاح الضوء، لكن شيئًا لم يحدث.
" بالطبع، لن يسهلوا الأمر أبدًا ".
بحثت عن هاتفها، مستخدمةً مصباحه اليدوي لتفتيش الغرفة، صناديق، أثاث قديم ملفوف بملاءات، وخزانة ملابس مُثبتة بشكل غريب على الجدار البعيد... كانت الغرفة أبرد من بقية الشقة، كما لو كانت معزولة عن الحياة نفسها... تحركت ببطء، وأنفاسها خافتة، حاولت فتح الأبواب، لكنها كانت مغلقة، بحثت في الأعلى والجوانب، ووجدت يداها أخيرًا مفتاحًا صغيرًا صدئًا مثبتًا بشريط لاصق أسفل الرف السفلي لخزانة كتب قريبة ... أخذته و ارتجفت يداها وهي تضع المفتاح في قفل الخزانة... انفتحت بصوت عالٍ، وضربتها الرائحة الكريهة ...تراجعت متعثرة و تقيأت كل ما في معدتها ثم نظرت عن كثب لتجد في الداخل، منكمشة وبلا حياة... كانت زيفرين ... كان جلدها شاحبًا، وعيناها نصف مفتوحتين، تحدق في اللاشيء... شوهت الكدمات رقبتها، وكانت يداها مقيدتين بحبل خشن ... انثنت ركبتا رامونا ... ضغطت بقبضتها على فمها، تقاوم الرغبة في الصراخ
" لا، لا، لا. لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا، لا يمكن أن يحدث هذا، يا إلهي، زيفرين ".
أجبرت نفسها على النظر بعيدًا، التقطت مصباحها اليدوي و وجهته نحو خزانة الملابس أصدر المصباح وميضً، خلف لوحة مفكوكة في خزانة الملابس. فتحته بعنف، وأظافرها تتكسر، ووجدت صندوقًا صغيرًا مغلقًا. فتشت جيوب زيفرين بأيدٍ مرتعشة، ووجدت أخيرًا مفتاحًا صغيرًا معلقًا بخيط حول رقبتها. فتحت الصندوق. بداخله، ملفوفة بمنديل ملطخ بالدماء، كانت هناك كاميرا - قديمة، مهترئة، لكنها سليمة. ضمتها إلى صدرها، وقلبها يخفق بشدة ... شغّلتها، وإبهامها يرتجف فوق زر التشغيل. عادت الشاشة إلى الحياة، وبدأ التصوير. كانت رؤية الكاميرا مرتعشة، والعدسة تتنقل بسرعة بين زيفرين - حيًة، مرعوبًة
تهمس : "ميران، أرجوك، فقط خذني من هنا، رجاءً يا ميران، ساعدني -".
ميران : " سأفعل يا زيف. أعدكِ، سنخرج. فقط تماسكِ.".
فجأة، انفتح الباب في الفيديو. اقتحم لوك المكان، يكسو وجهه الغضب: " ماذا بحق خالق الجحيم تفعل؟"
تصدع صوت ميران : "لا يمكنك الاستمرار في فعل هذا يا لوك. سيكتشف الناس ذلك. لدي كل شيء على الكاميرا. كل شيء." .
كانت ضحكة لوك باردة، تكاد تكون غير إنسانية : "هل تعتقد أن أحدًا سيصدقك؟ هل تعتقد أنك ستخرج من هنا؟".
زيفرين: "أرجوك يا لوك، دعنا نذهب. لن نقول شيئًا، أقسم-"
تقدم لوك، وظله يبتلع الإطار : "كان يجب أن تبقى بعيدًا عن الأمر يا ميران. كان يجب عليك أن تستمع لي".
كان هناك صراع، وسقطت الكاميرا على الأرض، التقطت العدسة لمحة من وجه زيفرين المرعوب، ويد ميران الممتدة، ثم حذاء لوك وهو يصطدم بالأرض. امتلأت الشاشة بالتشويش، لكن الصوت استمر - صراخ ميران، وصوت الضربات المزعج.
وصوت لوك المنخفض: "لا أحد سينجو، لا أحد" .
انتهى الفيديو بصمت أخير مرعب، أسقطت رامونا الكاميرا، وجسدها كله يرتجف، تعثرت إلى الوراء، بدأت في البكاء الذي وصل لدرجة النحيب، ضغطت نفسها على الحائط، تلهث لالتقاط أنفاسها
وعقلها يدور : " لقد ماتت زيفرين، لقد مات ميران ... لوك... إنه وحش... والآن أعرف... الآن أعرف حقيقته ".
انزلقت إلى الأرض، والنشيج يهز جسدها، ويداها تمسكان بالكاميرا كما لو كانت الشيء الوحيد الذي يبقيها مقيدة بالواقع : " ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ إذا اكتشف لوك أنني رأيت هذا " .
أجبرت نفسها على الوقوف على قدميها، ومسحت وجهها بظهر يدها : " لا يمكنكِ الانهيار، ليس الآن، عليكِ الخروج، عليكِ البقاء على قيد الحياة، لأجل زيفرين، لأجل ميران، لأجلكِ".
ألقت نظرة أخيرة على جثة زيفرين، وقلبها يتفطر. همست بصوت أجش: "أنا آسفة. أنا آسفة جدًا."
ثم استدارت، ممسكةً بالكاميرا، وهربت من الغرفة، وعقلها غارق في رعب وحزن، قالت رامونا و هي تبكي : " زيفرين رأيتها في الكابوس ... يد لوك الملطخة بالدماء ... لقد كانت الحقائق تُكشف لي علي هيئة كوابيس، أنا من اخترت ألا أري الحقيقة ... تحذيرات راف ... يا إلهي ... اللعنة " .
و فجأة ...تجمدت رامونا في مكانها حين سمعت صوت سيارة تتوقف في الخارج، هدير المحرك الخافت يخترق صمت الشقة، مما جعل نبضها يتسارع، ضغطت بيدها المرتعشة على صدرها، وشعرت بقلبها يخفق بشدة، تسللت إلى النافذة وازاحت الستارة قليلاً بما يكفي للرؤية...
يتبع....
Shymaa Refaat