الفصل العاشر: مشاعر بلا حدود
في الفيلا، كانت شهيرة تتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا، وكأنها تحاول أن تحبس غضبها الذي يشتعل في داخلها. كان صوت حذائها يتردد على الأرضية الرخامية، وكأنه دقات قلبها المتسارعة. كانت تصرخ بصوت خافت: "الوقحة... إزاي تجرأت وتدخل الفيلا... لازم أكلم سالم... يجي يتصرف ويطردها... وإياد أكيد عارف... طب أسما فين... ميان... ليه... ااااه." أمسكت بهاتفها، واتصلت بـسالم، وهي لا تستطيع أن تتحكم في غضبها.
شهيرة: "في مصيبة... أنت لازم تيجي دلوقتي على الفيلا."
سالم: (بصوت هادئ) "أنتي عرفتِ؟... أن أسما اتخطفت."
صرخت شهيرة: "تتخطف ولا تغور في داهية... أنا قصدي على سما... هنا في الفيلا."
سالم: "إزاي؟"
شهيرة: "معرفش... سالم في مصيبة تانية."
سالم: "إيه؟"
شهيرة: "ميان... شكلها هي اللي مدخلة سما البيت."
سالم: (تنهد) "أنا هكلم إياد... أشوفه وصل لإيه... وأنتي خلي بالك من لينا... ومتقلقيش، إياد نشر حرس في الفيلا... ومحدش هيدخل ولا يخرج... ومش هتأخر."
شهيرة: "ماشي يا حبيبي... خلي بالك من نفسك."
أغلقت شهيرة الهاتف، ووجها يشتعل من الغيظ، بينما كان سالم، على الجانب الآخر من الهاتف، متوتر وقرر الاتصال بـإياد.
........
في السيارة
كانت السيارة تنطلق على طريق ساحلي، ونسيم البحر يدخل من النافذة، يداعب وجه أسما التي كانت نائمة على كتف إياد. كان إياد يمرر يده على شعرها بحنان، ويشعر بالسكينة تغمره. ابتسم وهو يراقبها، يشعر بأن العالم كله قد أصبح في هذا المقعد الخلفي.
اتصل سالم بـإياد.
سالم: (بمزاح) "أنت فين يا بيه؟"
إياد: "رايح الساحل."
سالم: "هي أسما مخطوفة في الساحل؟"
ابتسم إياد، ومسك يد أسما، وقبّلها بحب. "لا طبعًا... رايح أعمل شهر عسل... يصح كده يا بابا أني ما آخدش القمر شهر عسل... ما يصحش."
أسما: (وهي تفتح عينيها ببطء، وتتململ في نومها) "تؤ... تؤ... كده تنسى ..... إياد." قالت إياد بصوت عالي
تجمدت ابتسامة إياد، وفتح عينيه على وسعهما، بينما التفت علي والسائق إلى بعضهما البعض بذهول.
إياد: (بخضة) "أيه... في إيه؟"
أسما: "افتكرت..."
إياد: "افتكرتى ... إيه؟"
أسما: "أبقى وديني... أصرف فلوس الجهاز... اللي بيدوها لما الواحدة بتتجوز..."
نظرت أسما إلى إياد بوجه بريء، بينما كان سالم، على الجانب الآخر من الهاتف، يفتح عينيه ويغلقهما بذهول. تبادل علي والسائق نظرة صدمة، ثم كتما ضحكتهما.
أسما: (بصوت جاد وساذج) "بتاعة المعاش... لما المعاش بيقف... بيدوهم فلوس جهاز."
إياد: (بصدمة وضحك) "الـ٤٠٠٠ جنيه بتوع معاش أبوكي؟"
أسما: "آه..."
إياد: "وهيدوكي كام على كده؟"
أسما: "ما اعرفش... بس أي حاجة تيجي منهم... أبويا قعد يدفع عمره كله تأمينات ما استفادش منها."
إياد: (يضحك بصوت عالٍ) "نامي يا أسما..."
سالم: (بصوت يملؤه الارتياح، ) "أنا كده اطمنت... أسما رجعت."
إياد: "رجعت."
وابتسم لاسما بحب..
أسما: (وهي تبتسم بعذوبة، وعيناها تلمعان بدلال) " هتوديني... ده أنا ما قلتلكش أروح أجيب جهازي من بيت أبويا."
إياد: (ينظر إليها بغيظ مصطنع، ويمسك بخصلة من شعرها يلعب بها) "لا كنتِ قولي يا حبيبتي."
أسما: (تهز رأسها بجدية) "لا... مش عايزة أشوف وش عمي ومراته وعياله... وكمان عندهم بنت يندب في عينها رصاصة... لا تخطفك مني."
توقفت السيارة للحظات على جانب الطريق المطل على البحر الفيروزي المتلألئ تحت أشعة الشمس الدافئة. نظر إياد إلى عيني أسما العسليتين، اللتين كانتا تفيضان بالحب والقلق، وقال بنبرة هامسة: "ليه بتحبيني؟"
أسما: (تضحك بخفة، وتضع يدها الرقيقة على وجنته الخشنة) "يوه بتسأل... أنا لو أطول أخبيك من عيون الناس أعملها واللهى."
انحنى إياد وقبّل كفها برقة، وشعر بدفء بشرتها يسري في أوصاله. "وأنا بحبك يا قمر."
أسما: (تتلون وجنتاها باللون الوردي، وتخفض عينيها بخجل) "يوه... ما تكسفنيش بقى الله."
خبطته في كتفه بدلع طفولي، فشعر إياد بقلبه يذوب. ابتسم ابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه البيضاء. "بحب أكسفك يا قمر."
اقترب منها أكثر، وشعر بأنفاسها الدافئة تلامس وجهه، بينما كان علي، الجالس في المقعد الأمامي، ينظر إليهما من مرآة الرؤية الخلفية، ويشعر بالحرج من الموقف الحميمي. سعل بخفة ليجذب انتباههما، محاولًا كسر هذه اللحظة الرومانسية العفوية.
علي: (بصوت مهذب) "أحم... هنقف في الريست هنا اللي على البحر يا باشا ولا نكمل على طول؟ الجو بدأ يبقى حر."
تذكر إياد فجأة أن هناك من يراقبهم، وأن سالم لا يزال ينتظر على الهاتف. أمسك هاتفه بسرعة وأعاده لاذنه..
سالم: (بصوت ينتظر) "إياد يا حبيبي... أنا لسه معاك."
إياد: (ينظر إلى أسما التي كانت تحدق به بعيون عاشقة، ثم يتمتم في الهاتف) "اعمل فيكي ايه بتنسيني اللي حواليا."
أسما: (تميل عليه وهمس في أذنه بدلال) "حبني أكتر."
إياد: (يهمس لها بدوره، وعيناه لا تفارقان عينيها) "نوصل بس."
ثم وجه كلامه إلى علي الذي كان ينظر إليه بتساؤل: "علي، نقف في الريست."
ورفع الهاتف إلى أذنه، وتحدث بجدية مع سالم: "أيوة يا بابا... كنت بتقول إيه؟"
سالم: (بصوت جاد) "بقول... إياد، سما في الفيلا."
تصلب وجه إياد للحظة، لكن سرعان ما استعاد هدوئه. "عارف."
سالم: "هتعمل إيه؟"
إياد: (ينظر إلى أسما بحب عميق، ثم يتنهد بهدوء) "هاروح أقضي أحلى شهر عسل وأتبسط... وبعدين أفوقلها... خلي بالكوا بس من لينا... كده كده أنا قلت محدش يخرج من الفيلا."
سالم: (بصوت قلق) "في مشكلة تانية... ميان مساعداها."
إياد: (يهز رأسه ببطء) "عارف برضه... سما مش سهلة وأكيد مهدداها بحاجة... خلي عينك أنت وماما على ميان وحاولوا تفهموا منها."
سالم: (بصوت يملؤه الثقة في ابنه) "ده اللي كنت عامله... المهم اتبسط وادلع يا حبيبي."
إياد: (يبتسم ابتسامة عريضة، وعيناه تعودان إلى أسما التي كانت تنظر إليه بفضول) "لا متقلقش من الحكاية دى.. هاتبسط على الآخر."
ثم نظر إلى أسما بحب عميق، وعيناه تتأملان جمالها البسيط والعفوي. شعر بأن كل المخاوف تتلاشى أمام سحر حضورها.
.........
توقفت سيارة إياد في ركن هادئ من استراحة الطريق. كان الهواء يمر عبر النوافذ المفتوحة، حاملًا معه نسيم البحر المالح. "وصلنا يا باشا"، قال علي وهو ينزل من السيارة، بينما كان إياد وأسما لا يزالان بالداخل. "عن إذنك، هنزل أشرب سيجارة وقهوة. حضرتك عايز حاجة؟"
"شكرًا،" أجاب إياد بابتسامة، "أنا هنزل أنا كمان."
نزل علي والسائق عماد، وتركا إياد وأسما في عالمهما الخاص. كانت أسما تنظر من الزجاج بانبهار، وكأنها ترى العالم للمرة الأولى.
"أسما،" قال إياد وهو يمسك بيدها بحنان، "تحبي تنزلي تشربي حاجة أو تاكلي؟"
"آه يا أخويا!" أجابت أسما بحماس، "شوفلي حاجة أكلها ولا اشربها، لاحسن جعانة وعطشانة اوي."
"طيب،" قال إياد وهو يفتح الباب، "يلا ننزل ونقي اللي عايزاه."
..............
في سوبر ماركت الريست
دخلت أسما لتختار بنفسها، وراحت عيناها تتجولان على الرفوف المليئة بالمنتجات الملونة التي تتلألأ تحت أضواء السوبر ماركت. وفجأة، عندما رأت الأسعار، تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها في صدمة.
"آه يا حرامية يا نور!" صرخت أسما، ووجهها يحمر غضبًا، "إزازة الماية بـ١٠٠ جنيه!"
نظر إياد حوله بسرعة، وحاول أن يهدئها. "بس بس... اسكتي، في إيه؟ هي سعرها كده."
"لا طبعًا!" قالت أسما بغضب، وهي تشير إلى الزجاجة بإصبعها، "دي بـ١٠ جنيه في كل حتة! دول نصابين، يلا بينا من هنا. أمال لو جبت إزازة بيبسي هلاقيها بكام!"
"يا حبيبتي،" قال إياد وهو يحاول كتم ضحكته، "دي أسعار سياحية، وبعدين عادي يعني."
"بص،" قالت أسما وهي تضع يديها على خصرها، "أنا هريح نفسي. أنا هخرج استناك برة، وأنت هاتلي ماية وحاجة ساقعة، ومولتو بالكراميل... لو مالقتش بالكراميل هات بالشوكولاتة."
نظر إليها إياد باستغراب من طلباتها الغريبة، لكنها لم تمنحه فرصة للكلام.
"آه،" عادت مرة أخرى، "وهات كمان شيبسي تايجر إكسلانس، مش العادي... بالجبنة الصفراء دي. بس كده."
وذهبت لنخرج خارج المحل، ولكنها عادت مرة أخرى لتضيف: "الشيبس أبو ٢٠ جنيه، علشان التاني صغير، والحاجة الساقعة هات شويبس أناناس علشان بحبها أوي."
وتركته وذهبت، بينما كان إياد يضحك ويهز رأسه من شخصيتها العفوية والساذجة.
وفجأة، رأى أسما تتحدث مع امرأة أجنبية كبيرة ترتدي شورتًا وتي شيرت بلا أكمام.
"أسما... مالها دي بتتكلم مع مين؟" تمتم إياد لنفسه.
أسما: (بصوت يملؤه النقد) "ما تستري نفسك يا حاجة... إيه اللي عاملاه في نفسك ده؟"
المرأة: (بصوت حائر) "وات؟"
أسما: (بثقة، وبصوت عالٍ) "أنتِ ها 'واتواتي'؟ أنا بأعرف إنجليزي برضه! آي نو إنجليزي، خدته في المدرسة."
المرأة: (تحدق بها بغباء)
أسما: (تشير إليها بيدها، وتتجاهل صدمة المرأة) "بصي يا حاجة... يو! مينفعش 'وير' كده في سنك ده. فهمتي؟"
المرأة: (ما زالت تحدق بها في حيرة)
أسما: "شكلك ما بتعرفيش إنجليزي. بصي..."
جرى إياد إليها بسرعة، وأمسك بيدها. "سوري مدام،" قال إياد للمرأة وهو يبتسم بأسف.
المرأة: "أوكي."
إياد: (يسحبها بخفة) "يلا يا حبيبتي، أنا مش عارف ألاقي اللي أنتِ طلبتيه. تعالي شوفي أنتِ."
أسما: "استنى يا وليه... دي مشيت! كنت باشرحلها!"
إياد: (يضحك) "لا معلش، كفاية عليها كده. إنما إيه يا حبيبتي الإنجليزي الجامد ده؟ ما كنتش أعرف إنك مثقفة."
أسما: (تنتفخ فخرًا) "دا أنا كنت أشطر واحدة في المدرسة فيه. يلا بقى الواحد بس نسي شوية."
إياد: (يتمتم لنفسه بابتسامة) "لأ، دي أنتِ نسيتي خالص."
وبدأت أسما تلف في المحل، وتنقي حاجاتها وهي تتأفف من السعر. كان إياد يضحك وينظر إليها بحب، ويفكر في نفسه: "هتحلي حياتي... بجد."
وبعد أن دفع إياد ثمن المشتريات التي اختارتها أسما، قال لها: "يلا بقى... علشان نلحق نوصل."
أسما: "يلا."
...........
في الفيلا، كانت سما تجلس في غرفة الضيوف التي تتميز بأثاثها الفاخر، لكنها كانت تشعر وكأنها في قفص. كانت حرارة الصيف تملأ الغرفة، لكن الهواء كان باردًا وثقيلًا بينها وبين ميان.
دخلت ميان الغرفة، فوجدتها تحمل هاتفها، وهي تحاول الاتصال بـمازن. ألقت سما الهاتف على السرير بضيق، وارتفع صوته الخافت مع ارتطامه بالغطاء.
ميان: "مردش برضه؟"
سما: "لا."
ميان: (بابتسامة خبيثة) "قلقانة ولا غيرانة؟"
وقفت سما ببطء، وتوجهت نحو النافذة التي تطل على الحديقة الواسعة. "لا ده ولا ده... مبحبش أبقى مش عارفة إيه اللي بيحصل." ثم التفتت إلى ميان بعينين لامعتين. "بفكر أروحلهم."
ميان: (بابتسامة مكر) "إيه... هتكون ضربته وهربت ولا صوتت ولمت الناس عليه؟" ثم همست بخبث. "من شخصيتها تعملها."
سما: (تضيق عيناها) "أنتي بتوتريني ولا بتهديني؟"
ميان: (ترفع كتفيها بلامبالاة) "لا بعرفك... بس... أو ممكن تكون حليت في عينيه... ما أنتي عارفة مازن ليه أسلوبه مع البنات... ما أنتي منهم."
تصلب وجه سما، وتحولت نظرتها إلى جليد. "قصدك اللي ما عرفتيش تبقي منهم."
اشتعل وجه ميان بالغضب، ونهضت من مكانها. "لا... اللي لحقت نفسي قبل ما أبقى زيك." ثم تقدمت خطوة نحوها. "لولا الصور اللي بتهدديني بيها... واللي أنتي عارفة كويس اتخدت إزاي... كنت سبتك أنتِ لإياد وفضحتك أنتِ وأختك."
ابتسمت سما ببرود قاتل، وتجاهلت غضب ميان، وتقدمت منها ببطء. "يبقى اسكتي يا حبيبتي... لأن لو إياد وباباكي شافوهم متعرفيش ممكن يعملوا فيكي إيه." ثم أشارت بيدها على رقبتها كعلامة على القتل، وابتسامتها لم تختف. "فخليكي حلوة معايا للآخر علشان متشوفيش وشي التاني."
اندفعت ميان بغضب نحو الباب، وخرجت بسرعة وأغلقت الباب خلفها بقوة. وفي اللحظة التي التفتت فيها، وجدت شهيرة تقف أمامها، ووجهها مليء بالذهول مما سمعت.
ميان: (بصوت يرتجف وهمس خافت، وعيناها مليئتان بالدموع والخوف) "مامي."
رأيكم..... وفوت 🌟 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️
Angel