١٢

١٢

29 0

الفصل ١٢: رأس البر

على بوابة الفيلا الضخمة المصنوعة من الحديد المطاوع، والتي بدت وكأنها سجن ذهبي، كانت سما تقف تحت أشعة الشمس الحارقة، تشعر بالغضب يغلي في عروقها. كانت تحاول الخروج، بينما كان حارس الأمن يقف أمامها كالجبل، يمنعها بهدوء لكن بحزم لا يلين.

"يعني إيه؟" صرخت سما، ويديها ترتعدان من الغضب، "إزاي تمنعني أخرج؟"

"دي أوامر إياد باشا..." قال الأمن بنبرة مهذبة ولكنه حاسمة، "محدش يدخل ولا يخرج."

في هذه الأثناء، توقفت سيارة سالم السوداء من البوابة الأخرى. رأى المشهد بلمحة واحدة، فترجل من سيارته ببطء وثقة، وابتسامة خافتة تعلو وجهه.

"في إيه... إيه الزعيق ده؟" سأل بصوت هادئ .

"يا أنكل!" صاحت سما، وقد رأت في وصوله بصيص أمل، "الشخص ده بيمنعني أخرج! إزاي إياد يطلب كده؟"

نظر إليها سالم، وعيناه تخترقان وجهها بثبات، وكأنه يرى من خلال كذبها. "عادي... عنده شوية مشاكل وبيحميكوا... في اعتراض؟"

ترددت سما للحظة، وشعرت ببرودة نظرته. "لا... يعني... بس أنا مش محبوسة... محتاجة أخرج... أجيب حاجات مهمة."

"تقدري تطلبي اللي أنتي عايزاه أونلاين..." قال سالم بهدوء، وهو يميل برأسه قليلاً، "أو تطلبي من حد من الشغالين يجيبلك... سهلة..." ثم أضاف بلهجة تحمل تهديدًا مبطنًا جعل شعر جسدها يقف: "وعلى ما أظن يا أسما... أن إياد طلب منك متخرجيش... مش كده؟"

"آه..." همست سما ببطء.

"ولا عايزة تزعليه منك؟"

"أوفكورس نو." أجابت سما بسرعة، وشعرت بأن خطتها تتهاوى شيئًا فشيئًا.

"تمام..." قال سالم وهو يشير بيده إلى الداخل، "يبقى اتفضلي على جوه بقى."

"أوك."

تراجعت سما إلى الخلف بخطوات بطيئة، ووجهها يحمل ملامح الغضب والإحباط التي لم تستطع إخفاءها. دخلت مع سالم إلى الفيلا، وهي تشعر بأن الجدران تضيق عليها، وأنها أصبحت في قفص حقيقي، وأن عليها الآن أن تفكر في خطوتها القادمة، لأن خطة الخروج قد فشلت تمامًا.

في الفيلا

بمجرد دخولهما إلى الفيلا، نظرت سما حولها بلهفة، ثم وجهت كلامها إلى سالم: "أنكل... هو إياد فين؟ أنا شايفة أن حضرتك جيت لوحدك."

نظر إليها سالم باستنكار. "وهو إياد ليه مواعيد يا أسما؟ دي أمه ما بتسألش."

سما: "لا مقصدش يعني... هو يتأخر... محتاجاه في حاجة."

تنهد سالم ببطء، ونظر إليها بتمعن. "مهتمة أوي... أنتي بـإياد... عمومًا، إياد مسافر في شغل... ومش راجع دلوقتي خالص... إيه المهم اللي أنتي عايزاه... يمكن أقدر أساعدك؟"

سما: (ترددت) "لا... مينفعش... أصلها حاجة بيني وبينه..."

سالم: (بصوت يملؤه السخرية) "إيه اللي ممكن يكون بين إياد وأخت طليقته؟ ما تدِّيش نفسك أكبر من حجمك... إياد مخليكي هنا علشان لينا... وبس."

ساد صمت ثقيل. تراجعت سما بضع خطوات، وراحت تراجع كلام سالم في عقلها.

سالم: "وبس..."

ثم تركها في مكانها، واتجه إلى الدرج وهو يدندن بسعادة، تاركًا إياها تفكر في كلماته القاسية.

...........

في السيارة

ساد أخيرًا صمت نادر داخل السيارة. كانت أسما هادئة بشكل غير معهود، تحدق من النافذة وهي تأكل الشيبسي بصوت عالٍ.

تنهد إياد في داخله، وابتسم بقلة حيلة. "دي أنتي موال..."، فكّر وهو يرمقها بطرف عينيه.

أما علي، فتنفس الصعداء. "أخيرًا هدوء... ما عدا صوت الشيبسي طبعًا." نظر في المرآة الخلفية إلى أسما، وعيناه تلمعان بالغيظ.

حتى السائق عماد كان يفكر في الأمر نفسه. "أخيرًا فصلت... دي عندها قدرة غريبة على الرغي... ده أنا مراتي جنبك نسمة... ده لو فيه اثنين منك كانت الستات كلها أطلقت... يا ساتر."

ظل الهدوء هو سيد الموقف. كان إياد يعمل على هاتفه، بينما كانت أسما غارقة في عالمها الخاص، حتى وصلوا أخيرًا إلى الفيلا.

نظرت أسما إلى الفيلا بانبهار شديد، ثم صرخت فجأة كما اعتادت.

أسما: "إياد!"

قلب إياد عينيه، وهو يعلم أن شيئًا جديدًا قادم. "خير؟"

أسما: "معييش هدوم."

تنهد إياد بعمق، ونظر إلى أسما بعينين تحملان الكثير من الصبر. "متقلقيش يا حبيبتي، في هدوم هنا بتاعة س..."

​توقف إياد عن الكلام عندما رأى عيني أسما تتسعان غضبًا، ووجهها يحمرّ. فاستدرك الموقف بسرعة. "ممكن ننزل نشتري عادي لو تحبي."

​طبطبت أسما على كتفه بحنان، وقالت: "نبقى ننزل نشتري."

​ثم سبقته إلى داخل الفيلا، تتأملها بفضول ودهشة، كأنها في متحف لم تره من قبل. دخل إياد وراءها، بعد أن رمق علي وعماد بنظرة سريعة، وهما يبتسمان بصمت ويكتمان ضحكاتهما.

​"أسما... لازم نتكلم"، قال إياد بصوت جاد، وحاول أن يلمس كتفها.

​ولكن قبل أن يفعل، بدأت أسما في البكاء، ودخلت في حضنه. "لو ما كنتش لحقتني... لو..."

​شدها إياد بقوة إلى صدره، وشعر بقلبها الصغير يرتجف. "شش... المهم دلوقتِ أنك معايا... ومش هتبعدي عني تاني."

​رفعت أسما رأسها، ونظرت إليه بعينين دامعتين. "مش عايزة أقابلها... خايفة..."

​"لا... هتقابليها... وتجمدي"، قال إياد بنبرة حازمة. "أسما حبيبتي... قوية... وتقدر تدافع عن جوزها وحياتها... مش كده؟"

​"ولا تقدر... تاخدك مني... صح؟" سألت أسما بصوت طفولي، وهي تتأمل وجهه بلهفة.

​ابتسم إياد ابتسامة عريضة، وقبّل جبهتها برقة. "صح يا قلبي."

​عاد إياد إلى طبيعته الماكرة، وابتسم وهو يهمس في أذن أسما، وشعور بالسعادة يغمرهما: "دلوقتي... تعالي نتفرج على المكان."

............

​في الوقت نفسه، كان سالم قد وصل إلى الفيلا. دخل إلى غرفته، فملأه شعور بالثقل بمجرد أن رأى شهيرة جالسة على الأريكة الجلدية الفاخرة، ووجهها يحمل كل علامات الغضب الذي يغلي بداخلها. كانت تعابيرها حادة، ويديها مشدودتين فوق ركبتيها، وكأنها تنتظر عودته بفارغ الصبر.

​"فين ابنك؟" قالت شهيرة، وصوتها يملؤه السخط، "خليه ييجي يشوف البلاوي اللي بتتحدف علينا."

​"ابتدينا،" تنهد سالم بتعب، وهو يفك ربطة عنقه ويجلس على كرسي أمامه.

​"وتاني حاجة..." أكملت شهيرة، ورفعت صوتها، "محتاجين موبايل سما. عليه صور لميان لازم تتمسح."

​نظر إليها سالم بصدمة، وغضب. "إيه؟ وصلت للدرجة دي؟"

​"آه..." قالت شهيرة بنبرة قاسية، وعيناها تلمعان بالغضب. "مجايب إياد... هو فين صحيح؟ وسايبنا كده."

​أخذ سالم نفسًا عميقًا، ثم أطلق ابتسامة باردة تحمل في طياتها الكثير من السخرية، وكأنه على وشك أن يلقي قنبلة. "بيقضي شهر العسل."

​"نعم؟" شهقت شهيرة، واتسعت عيناها في صدمة لم تستطع أن تصدقها.

​...........

​في الصباح، كان نور الشمس يتسلل من نافذة غرفة ميان، يداعب وجهها الشاحب وعينيها المنتفختين. فتح سالم الباب بهدوء، ورآها جالسة على سريرها، محاطة بالصمت الذي بدا وكأنه يبتلعها.

​"ميان..." ناداها سالم، وارتعش صوته قليلاً. "إيه حكاية الصور اللي... المامي بتقول عليها؟"

​خفضت ميان عينيها إلى الأرض، وتجنبت النظر في وجه والدها. كان قلبها يخفق بقوة، والخوف يتملكها.

​"احكي،" قال سالم بجدية، وهو يقترب منها ويجلس على طرف السرير، تاركًا مسافة بينهما.

​جلست ميان منتصبة، وبدأت تتذكر بصوت خافت، وكأنها تحكي قصة شخص آخر. "قابلت مازن في النادي... أسلوبه حلو... وبيعرف يقول الكلام اللي كنت محتاجاه... كنت محتاجة اهتمام... محتاجة حد يتكلم معايا... يحسسني أن أنا... البيت وقتها كان متوتر مع طلاق إياد وخيانة سما ووضع لينا... وحضرتك كنت مشغول بالشغل اللي إياد كان سايبه... كنت محتاجة حد يشوف ميان."

​توقفت ميان، وبدأت دموعها الساخنة تنزل على خديها، وأخذت نفسًا عميقًا.

​قال سالم بصوت حزين، وقلبه يعتصر من الألم: "كملي."

​تنهدت ميان، وبدأت تكمل روايتها، وعيناها ما زالتا تحدقان في الأرض: "عزمني عنده في البيت... وقالي ماتقلقيش، أول ما تحبي تمشي مش همنعك... شكلنا بقى وحش في النادي... مش عايز يتكلم عليكي... أنتي تهميني..."

​توقف سالم عن الحركة، وارتجفت يده، وظهرت على وجهه علامات الألم.

​"رحت..." أكملت ميان، "ابتدأ يتقرب مني... خوفت... شفت حضرتك وإياد... نظرتكوا... بعدت... بعدته... وقلت له مش عايزة أشوفك تاني... حتى عملت بلوك ليه."

​كانت نظرات سالم خليطًا من خيبة الأمل والألم والضياع. كان يريد أن يضربها وأن يحضنها في نفس الوقت.

​"وبعدين؟" سأل سالم، بصوت بالكاد يسمع، وعينيه تبحثان عن عين ابنتها.

​"جاءت لي رسالة بصور..." قالت ميان، "متصورة من زاوية تبين أن فيه حاجة... يعني..."

​"فهمت." قال سالم، وهو يغمض عينيه بألم.

​"بس والله ما حصل أكتر من كده،" قالت ميان، ووجهها مبلل بالدموع.

​"كملي،" أصر سالم، بصوت قوي ومسيطر.

​"الرسالة كان معاها طلب مقابلة في كافيه،" قالت ميان.

​"أممم،" تمتم سالم، وهو يضع يده على رأسه.

​"رحت... لقيت سما... وهددتني وطلبت مني أن أدخل أختها البيت وأراقب تحركاتها... بس إياد شافها ودخلها."

​"وخطف أسما،" أكمل سالم بهدوء مرعب.

​"طلبت مني تبدل الأماكن مع سما لما قلت لها أن إياد كشفها وشكله يعني..." قالت ميان بصوت منخفض.

​"دخلت إزاي؟" سأل سالم، وهو ينهض من مكانه ويسير في الغرفة.

​"من الباب اللي ورا... بعدت الأمن... ودخلت وخدّرت أسما... ومازن أخدها... وفضلت مكانها."

سالم يحدق في وجه ابنته ميان، وعيناه تحملان خليطًا من الغضب وخيبة الأمل.

سالم: "الصور على موبايلها؟"

هزت ميان رأسها ببطء، وعيناها مثبتتان على الأرض. "آه."

سالم: "فيه نسخ تانية؟"

ميان: "لا."

سالم: (بصوت حاسم) "تمام... عايز الموبايل في أقرب فرصة يكون عندي."

رفعت ميان رأسها، ونظرت إليه بحيرة. "أجيبه إزاي؟"

قام سالم ووقف أمامها، وظهرت على وجهه علامات الغضب الذي لم يستطع كبحه. "دي مشكلتك... تصرفي... ولا بتعرفي تخططي ضدنا وبس؟"

تركها وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تفكر في كلامه القاسي.

خرجت سما من غرفة الضيوف التي كانت تنام فيها، بعد أن رفضت لينا أن تنام معها. راحت تتمشى في الحديقة ، تحاول أن تغافل أي حارس حتى تتمكن من الخروج.

..........

أما في فيلا الساحل، التي تطل على البحر

كانت أسما تحاول إيقاظ إياد بصوت عالٍ.

إياد: (بصوت متعب) "أسما حبيبتي... سيبيني... أنتي قضيتي إمبارح اليوم كله نوم في العربية، لكن أنا لأ."

أسما: (بإصرار طفولي) "عايزة أروح البحر."

إياد: "البحر موجود طول اليوم... نقدر نروح في أي وقت."

أسما: "لازم نروح بدري علشان نلحق مكان قدام."

إياد: (يضحك) "قدام؟... أسما... أنتي آخر مرة رحتي البحر كان إمتى؟"

أسما: (بثقة) "لا أنت فاكر إيه... أبويا كان بيوديني مصيف كل سنة."

إياد: (بصبر ينفد) "فين؟"

أسما: (بابتسامة عريضة) "في رأس البر."

على الشاطئ، حيث تتكسر أمواج البحر على الرمال الناعمة، وقف إياد وأسما. كانت الرياح تحمل رائحة الملح، وأشعة الشمس الذهبية تداعب بشرتهم. لكن أسما لم تكن منبهرة بالمشهد، بل كانت في حالة من الذهول.

"يا لهوي... هي الحاجات دي بجد؟" قالت أسما بصوت يملؤه الصدمة، وهي تشير بإصبعها إلى النساء على الشاطئ.

"هي إيه؟" ضحك إياد، وهو يضع يده على كتفها.

"عارف يا إياد لو لقيتك باصص على أي... أي إيه ده كله كده... إيه المايوهات... سلط ملط كده خالص." قالت أسما بغضب، وضيقت عينيها، وهي تنظر إليه.

"حبيبتي عادي... أمال أنتي فاكرة إيه... المهم، هتقعدي ولا أرجع أنام؟" قال إياد وهو يضحك بصوت عالٍ، ويمسك يدها.

"لا نقعد إيه... يلا نرجع ننام... وأنا أقدر؟" قالت أسما وهي تمسك يده بقوة، وتجذبه بعيدًا عن الشاطئ.

ابتسم إياد، وهو يفهم غيرتها الطفولية. "طب يلا بينا."

"ما تبصش."

"حاضر."

رجع الاثنان إلى الفيلا، ونام إياد كما كان يريد، مستمتعًا بإجازته. أما أسما، فجلست تتفرج على التلفزيون. بعد فترة، شعرت بالملل، وبدأت في إزعاج إياد من جديد.

"إياد..."

"نعم؟"

"افتحلي موبايلك أقعد على الفيس شوية."

"لا... فيس إيه... أنا هاقوم أقعد معاكي، او ننزل نتمشى كمان... أنا عندي كم أسما؟"

ابتسمت أسما ابتسامة انتصار، وعرفت أنها قد فازت.

رأيكم..... وفوت 🌟 🌟

وكومنتات كتير❤️❤️❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج ٣: وجهان لعملة واحدة

المؤلف Angel
2025/11/10 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة