بدأت يُمنى تسير في شوارع المدينة. كان المكان هادئاً وخالياً والوقت مبكراً جداً. بدأت تسير نحو محطة القطار للذهاب إلى مدينة أخرى وكانت تفكر في المدينة التي توجد بها الكلية التي تدرس بها.
فهي هناك تعرف الكثير من الأشخاص ولديها صديقات قد يساعدونها، ولكنها فكرت قليلاً ثم قررت أنها سوف تذهب إلى مدينة أخرى لا تعرفها العائلة التي ترعرت معها. وبينما هي تسير سابحة في خيالها وأفكارها، إذا بـها سيارة تسير بسرعة شديدة تصدمها وإذا بها تسقط على الأرض مغمىً عليها.
€€€€€€€
استيقظت اليوم مبكراً على غير عادتها وقررت إعداد فطور شهي لزوجها. امتلأ المكان برائحة المخبوزات الشهية ورائحة النعناع الطازج، فزوجها يحب مشروب النعناع المغلي مع العسل كثيراً فهو مشروبه المفضل. وبينما وهي تعمل وتتحرك هنا وهناك وتقطع الفواكه وتجهز السلطة، سمعت صوت خطوات قادمة تهبط من أعلى الدرج. استدارت للخلف ونظرت إليه وابتسمت، إذا به زوجها وصل لعندها وابتسم بهدوء.
"ماهر، استيقظت! صباح الخير."
"صباح النور. عليَّ الذهاب إلى العمل، اتصلوا بي من مركز الشرطة، عليَّ الذهاب إلى العمل الآن. يقولون إن هناك سائق سيارة صدم فتاة وهرب، يجب عليَّ التحقيق في الأمر ومحاولة القبض على السائق."
"تناول الإفطار فقط. لقد أعددت لك الطعام الذي تحبه، ومشروب النعناع الذي تعشقه، تذوقه فقط من أجلي."
"أنا آسف يا رويدا، ولكن أعدك أنني سوف أدعوك إلى عشاء فاخر الليلة. اقبلي اعتذاري."
"لا عليك، هذا يحدث دائماً. أنا أتفهم الأمر."
... صمت. تحرك من أمامها وفتح الباب وخرج وذهب إلى عمله.
شعرت رويدا بمشاعر مختلطة، مزيج من الحزن والغضب. لم تكن غاضبة لأنه لم يتناول الطعام الذي صنعته من أجله بحب، ولكن ما أغضبها أنها تشعر أنه لا يقدّر مجهودها وتعبها.
~~~~~~~
وصل ماهر إلى قسم الشرطة وأخذ تفاصيل قضية الحادث التي يجب عليه التحقيق بها، وسأل عن حال الفتاة التي صدمتها السيارة حتى يذهب إليها ويبدأ في التحقيق معها. وقيل له: "إنها بخير وحالتها ليست سيئة، يستطيع استجوابها في أي وقت."
خرج ماهر من القسم ومعه محقق آخر أقل رتبة ليساعده، وذهب إلى المشفى ليسأل الفتاة عن الحادث وكيف حدث ومواصفات السيارة.
وصل. طَقْ طَقْ طَقْ. دق الباب، فتحت له والدة الفتاة الباب.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا الرائد ماهر وسوف أكون مسئولاً عن قضية الحادثة."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حسناً، تفضلا إلى الداخل. لقد وصلنا إخطار من القسم بقدومكم، ولكن لا تضغطوا عليها بالأسئلة فهي لا تزال متعبة."
دخل ماهر وزميله إلى الغرفة وفور رؤيته لوجه الفتاة نظره إلى وجهها مطولاً و شعر بشعور غريب لم يشعر به من قبل، فقد كانت مختلفة ووجهها عليه وحمة ولكنها على هيئة فراشة جميلة. شرد بها وأُعجب بها. فاق من شروده بعد أن قالت له والدة الفتاة: "تفضل حضرة الضابط ، لماذا أنت واقف عندك؟" دخل إلى الداخل وجلس على الكرسي مقابلاً لسرير الفتاة وبدأ التحقيق مع الفتاة وسؤالها.
"كيف حالك، هل تشعرين ببعض التحسن؟"
"الحمدلله، أنا بخير."
"أنا الرائد ماهر وسأكون مسئولاً عن قضية الحادث الخاص بكِ، أخبريني ما الذي حدث بالتفصيل."
"كنت أسير في الطريق مبكراً جداً ولم أظن أنه سوف يكون هناك شخص يتجول بسيارته في تلك الأثناء. كنت أمشي بعدم انتباه."
"وما الذي يجعلك تخرجين في وقت مبكر كهذا؟"
"... أنا..."
تدخلت والدة الفتاة وقالت: "كان يجب عليها الذهاب إلى كليتها، وهي في مدينة بعيدة، وسوف تبدأ محاضراتها اليوم وكان يجب أن تصل قبل زمن المحاضرة."
شعر الضابط ببعض الشك والفضول ولكنه لم يسأل كثيراً عن ألامر.
"حسناً، أخبريني هل تتذكرين أي شيء عن السائق؟ رقم لوحة السيارة؟ نوع السيارة؟ أي شيء؟"
"لا أستطيع تذكر أي شيء الآن، ولكن لو حدث ذلك أخبر أمي وهي بدورها سوف تخبركم."
"شكراً على تعاونك معنا آنسة..."
"يُمنى."
"إذن يُمنى، إذا تذكرتِ أي شيء بخصوص الحادث، رقم الهاتف الخاص بي سوف أتركه مع والدتك. اتصلي بي أو تعالي إلى قسم الشرطة مباشرةً."
"شكراً لك أيها الضابط."
خرج الضابط وصديقه وعادا إلى القسم، وبعد أن أخبرا الرئيس بما حدث معهما وماذا قالت الفتاة التي صدمتها السيارة، بدأ الجميع يعمل في قضايا مختلفة ويقومون بالتحقيق مع أشخاص مختلفين. وصلت امرأة تفتح بلاغاً ضد زوجها الذي يضربها، وأخرى تريد نفقة.
ورجل يريد تعويضاً بعد تعرضه للأذى بـ إصابة عمل وقامت الشركة بطرده بحجة أنه لم تعد هناك فائدة منه ولم يدفعوا له ولا حتى نفقات العلاج، ورجل آخر يرفع قضية على أبنائه الذين لم يعودوا يسألون عنه وانشغلوا بحياتهم الخاصة. وهكذا القسم يزدحم بالكثير والكثير من الناس وبه العديد من القضايا المختلفة، والمكان مزدحم والجميع مرتبك ويعمل بجد واجتهاد. وهاهو العامل يحضر كوباً من الشاي لهذا ويعد القهوة لذاك ويتحرك هنا وهناك حاملاً صينيته في يده فارغة تارة وبها كوب من الشاي أو القهوة تارة أخرى.
€€€€€€€€€
استيقظت يُمنى ووجدت نفسها في المشفى، ووجدت الممرضة وهي تعلّق لها المحلول على يدها وتتأكد من أنه يعمل جيداً ويسري بـ جسدها.
"أخيراً! حمداً لله على سلامتك. كيف تشعرين الآن؟"
"أشعر بـ ألم في رأسي ولكن أعتقد أنني سوف أكون بخير قريباً."
"حسناً، والدتك ووالدك هنا، سوف أطلب منهم أن يدخلا."
"ماذا؟ والداي ووالدتي؟ كيف وصلتم إليهم؟"
"من هاتفك، وجدنا أرقامهم واتصلنا بهم. سوف أطلب منهم الدخول."
دخل عبدالقيوم ورفيف إلى يُمنى، بعد أن أخبرتهم الممرضة بـ استيقاظها. حاولت يُمنى الجلوس والتحدث إليهم لكنها لم تستطع فعل ذلك. قال لها رفيف وعبدالقيوم: "حمداً لله على سلامتك. كيف تشعرين؟"
أجابتهم يُمنى فقط بقول: "الحمدلله." وصمت الجميع ولم يتحدث أحد بعدها.
نظر إليها عبدالقيوم وقال لها: "لن نتحدث في موضوع هروبك هنا، فهذا ليس الوقت ولا المكان المناسبين، ولكن تحسني فقط وسوف نتحدث حينها."
صمتت يُمنى ونظرت إليه ولم تنطق بحرف آخر. تمنى لها عبدالقيوم الشفاء وخرج بعد أن طلب من رفيف أن تعتني بها جيداً وأخبرها أنه سوف ينتظر خارجاً إذا احتاجتا إلى أي شيء. خرج وأغلق الباب بعد خروجه.
إمتثال🖤🦋