آسر

آسر

22 0

خرجت من الصيدلية بعد ان إشتريت حبوب الحساسية لتخفيف ألم صداعي ليصطدم بجسدي هواء العصرية الدافئ. بعدها أخذت طريقي سيرًا على الأقدام متجهًا الى بقالة قريبة من منزلي كي أتمم شراء طلبات امي التي نسيت تحضرها امس وقت تسوقها. دخلت البقالة الهادئة لأصطدم بهواء مكيفها البارد، أكاد أجزم انني سأصيب بزكام من تقلباتي الجوية هذه. تنهدت بثقل وإتجهت الى الممر الذي بت أحفظ مكانه حيث أجد به مطلبي كل مرة حارصًا على أجعل عيناي لا تلتقي بأي احد من حولي. أثناء دفعي لثمن الطلبات شعرت بثقل نظرات صامت منكب على ملامحي من قبل مرأه أربعينية كانت تقف بجواري تدفع ثمن مشترياتها هي الأخرى. تنحنحت جانبًا بينما أدفع للبائع ماله وبذات الوقت شددت على كابي الأسود (صديقي العزيز) كي أخفي إنزعاجي من النظرات وأخفي توتري. بمجرد ان غادرت البقالة تنفست الصعداء وكأن النظرات التي انكبت عليّ قد سرقت مني كل مفاتيح رئتي لتستنشق الأكسجين. أرتدي كاب دومًا لاخفي به ملامحي الأجنبية ولأخفف  نظرات المجتمع المصري هذه عندما يرون احد بملامح شقراء وعينان زرقاوان وأبيضاني. عدت الى المنزل وإستقبلتني والدتي بحنان وهي تفوح منها رائحة الطعام المفضل لدي "الشاورما".  كان والدي يجلس على الأريكة، يرتدي نظارته الطبية ويقرأ شيء ما على هاتفه. سلمت عليه واتجهت لغرفتي بينما عادت والدتي تكمل تحضيرها للغداء. تناولت حبوبي وإذا بي بعدها ألقي بجسدي على السرير دون حتى ان أكلف نفسي عناء ان أبدل ملابسي، فالصداع كان ينهش رأسي بالفعل وبالكاد نزعت الكاب لأضعه على الكومودينو.

أكره صداع جيوب الأنفية هذا، والذي لا يترك ثغرة تهرب كلما أصيب بالزكام فيأتيني ويهاجمني بشراسة، ينهكني ويعطل عقلي عن التركيز، فأصبح بعدها طريح الفراش أخاف تحريك رأسي من ألألم الى ان أآخذ حبوبي...

بعد قرابة النصف ساعة من إستلقائي في غرفتي المعتمة وشعوري ببعض التحسن، أخرجت هاتفي وتصفحت مواقع التواصل الإجتماعي، و كعادة كل انسان يظن نفسه مهم وان الرسائل انهارت عليه لمجرد غيابه نصف ساعة عن العالم، وجدت في النهاية انه ما من شيء جديد، حمدت الله و وضعت رجل على الأخرى وفتحت تطبيقي المفضل DailyArt لأبدأ بعدها فعل اكثر شيء أحبه بعد ديدي هو "تأمل اللوحات الفنية".

●●●

كانت أول لوحة إستقبلتني في يومي هذا هي لوحة "الطبيعة الصامتة" لفرناند ليجيه والتي رُسمت عام 1927.  والتالي هذا ما كان تحليلي عنها بعد تحديقي بها قرابة العشر دقائق.

● الخطوط المرتبة والزوايا المتناسقة للحواف، و الالوان المتقاربة في تدرجاتها والتي استعملها الفنان لرسم لوحته، أعطتني في الحقيقة إنطباع عنه انه شخص هادئ وتركيزه ممتاز  ورائق البال.

● رغم ان كل رسمة بها لا أرى لها علاقة بالرسمة التي بجوارها، فالسمكة الحمراء لا استطيع تفسير وجودها او لماذا رسمها الفنان ولكني أخمن ان الفنان كان يضع باللوحة أي شيء يخطر في عقله ولم يكن له خطة او هدف حينما شرع بالرسم.

● دقة الفنان ظهرت في إتقان اختياره لدرجات اللون الاسود لتلوين ذاك الرأس.

●●●

بينما أرتدي قميصي الأبيض كنت شاردًا بالتحديق في المرءآة أمامي، أفكر في حياتي كفنان عالمي لو لم يكن اللواء هشام السيوفي هو والدي، والذي أجبرني على دخول كلية الشرطة. لأصبح بعدها الآن ضابط في المباحث الجنائية برتبة نقيب. إقتربت ديدي مني فجلست القرفصاء لأحتضن قطتي ال Birman ذات العينان الزرقاوتين و الشعر الطويل الحريري وذيلها وأذناها وأطرافها داكنة اللون عن جسدها الرشيق الأبيض وكأنها ملكة انجليزية أنيقة وترتدي قفازات.  داعبتها بأناملي وتسلقت القطة الى كتفي فقلت..

"ديدي، لا.. انا لسه لابسه"

●●●

أخذت الطريق سيرًا على قدمي وقاصدًا طريقي الى مركز القسم الذي أعمل به، لم أكن بحاجة لسيارة فقسم شرطة قصر النيل لا يبعد عن منزلي هنا إلا ببضع خطوات. كنت أسير شاردًا فقد بدت بوادر صداع الجيوب الأنفية تتجلى عليّ مجدداً. وكنت أفكر في ما هيئة مسرح الجريمة هذه المرة، فصديقي الصدوق براء، والذي لا يتصل بي في وقت كهذا (عز الظهيرة) إلا لجريمة ما او لمأمورية جديدة أُلقيت على عاتقنا حتمًا. كانت شمس يوليو تتوسط السماء ويبدو انها أقسمت انها ستضرب من يطيل الوقوف تحتها بضربة شمس. نفثت آخر دخان سيجارتي ثم ألقيتها وأبعدت نظارتي الشمسية وفركت عيني لأمسح تعبها و إرهاقي قبل دخول قسم الشرطة ذا اللون البرتقالي الباهت القديم. دخلت القسم وسرت في الممر، كان هادئًا ولم يكن به الكثير من ضجيج الصباح اليومي الذي نعتاد عليه، شددت على قبعتي وركزت في خطواتي وطريقي، لم يكن لي خلق ان أتحدث مع أحد. دخلت المكتب في صمت، كان صديقي براء الرائق ذا العينان السوداوتين والشعر المائل للأحمر والبشرة الحنطية، جالس على المكتب يقلب في صفحات كتاب أدركت فورًا انها رواية من الروايات التي يعتاد قرائتها. إلتفت إليّ ثم قال وهو يضع كتابه في الدرج..

"كويس انك جيت... لسه حالاً اللواء طلب يشوفنا"

تثائبت وقلت بينما أفرك عيني: "وانت قاعد بتعمل ايه يا حيلتها؟"

"كان لازم أخلص آخر جزئية في الفصل"

ثم إقترب مني وأمسك بذراعي كمن قفش المجرم وحدق بعيناي قائلا بهدوء: "أسّي، انت لسه تعبان؟"

تنهدت وإبتعدت قليلاً متجهًا الى الكرسي لأريح قدماي التي بدأت تؤلماني مؤخرًا دون أسباب واضحة، وقد خلعت القبعة و وضعتها على الطاولة أمامي وقلت..

"شوية زكام من اللي بيجوا صيف وشتا، والجيوب الأنفية قايمة بالواجب"

"طيب تقدر ترتاح على فكرة وانا أقدر آخد المأمورية دي."

تمتمت: "لا يا براء انا تمام، هو ايه شويه زكام هنعمل عليهم حفلة؟"

تقطمت ملامحه في إستفزاز واضح من ردي وقال وهو يدعي البرود واللامبالاة او هكذا ظننت: " ماشي يا سيادة النقيب آسر... انت حر، بس لو دروخت كدا ولا كدا، انا مش مسؤول عن حاجة، هسيبك جمب القتيل!"

●●●

في مكتب اللواء حسام هيكل الصاوي ، والذي يعتبره الجميع هنا كالأب الروحي، وقفت انا وبراء بوقار وإحترام في صمت منتظرين ان يبدأ اللواء حديثه لنا. كان يجلس على مكتبه بهدوء بملابسة المهندمة والأنيقة دومًا، وذقنه الحليق ويرتدي قبعته يظهر من تحتها شعره الأبيض ويزين من خلفه على الجدار لوحات وشهادات تكريم وجوائز كثيرة وعلى مكتبه كانت لافتة حوافها مذهبه وبها ستوسط اسمه الكامل والمنحوت. حدق بنا بعينيه العسليتين للحظات بإبتسامة كشفت تجاعيد وجهه و غمازتيه ثم قال بنبرة يشوبها الإمتنان والفخر.

"انا بجد فخور بيكم انتو الاتنين، جهودكم كانت كبيرة وحققتوا انجاز عظيم في القضية الاخيرة..... المهم، في بلاغ جديد دلوقتي، وحاسس انها مش عادية ومش سهلة بنفس الوقت، فقلت أديها لكم، مستعدين؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جريمة في الساحة

المؤلف Salma Hamdy
2026/02/20 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة