"بيتهيألي كدا احنا لازم نروح لأهل المرحوم ونتعرف على سعيد اكتر منهم"
قالها براء وهو يناولني واحد من كوبين القهوة اللذان اشتراهما للتو. فأومات له بإيجاب وعقلي ليس حضارًا معه من تشتت أفكاري. عندما وصلنا لمنزل عائلة سعيد عصام، إستقبلتنا اسرته الحزينه على ابنها الوحيد. في البداية فتحت لنا مرأة اربعينية ترتدي الاسود و وجهها واضح عليه البكاء من حمرته، ثم تبعها زوجها الخمسيني ليقف خلفها ذا الأنف المعقوف والوجه المليء بالتجاعيد والنظارة الكبيرة. جلس معنا الحاج عصام في صالون المنزل بينما ذهبت زوجته تحضر لنا كوبين شاي، كان يجيبنا بردود مقتضبة ولم ينظر في اعيننا. تنهدت وسألته...
"قول لي يا حاج، ازاي يوم سعيد؟"
خلع نظارته وقال: "يصحى الصبح، يروح المدرسة، يرجع ياكل وينام ساعتين، يصحى بعدها يروح جلساته، يرجع تاني ويذاكر لحد الساعة واحدة، بعدها ينام وبس"
سأل براء: "جلسات ايه اللي بيروحها يا حاج؟"
"جلسات نفسية، من سنة وهو عنده الإكتئاب، عند دكتور اسمه طه مرتضى"
"عنده أصحاب؟، او حد اتخانق معاه؟، او حد عدو ليه كدا؟"
"سعيد دايمًا كان سعيد يا باشا، طيب وبيحب الكل ومش بيرضى انه يخاصم حد، لكن من ساعة ما اكتئب بقى صعب شوية، لكن الكل كان متفهمه ومكنش فيه اي عداوة ظاهرة من حد إتجاهه"
سجلت كل ما قاله الحاج عصام بتركيز، اتت زوجته و وضعت أمامنا صينية الشاي بالنعناع ثم طلبت بهدوء.
"ممكن نروح نشوف أوضته؟"
أشار لنا الحاج الى غرفة كانت في الطرقة و وافق قائلاً: "ا اكيد... اه ايوه"
●●●
دخلنا الغرفة انا وبراء بينما ظل الحاج يقف عند بابها مما جعلني لا اشعر بالأريحية قليلاً ولكني تجاهلت. كانت الغرفة مرتبة لا يوجد بها اي ذرة للغبار، سمعت والدة سعيد بالخارج تبكي وأتخيلها تمسح بوشاحها دموعها وهي تقول: "يا حبة عيني يا ضنايا كان لسه مرتب أوضته امبارح"
كانت الغرفة تتوسطها ساعة حائط على شكل سبونج بوب ولوحات ورسومات لشخصيات كرتونية أعتقد سعيد هو من رسمها فقد لمحت توقيعاته اسفل كل رسمة. كان في الغرفة مكنب ازرق بأدراج وكرسي اسود دوّار. السرير كان مغلف برائحة الليمون وكانت كتبه المدرسية موضوعة على مكتبه على شكل هرم. ألقيت نظرة في أدراجه وألقى براء نظرة في دولابه. لا شيء غريب قد يثير شك او يدلنا حتى على طرف خيط...
خرجنا من الغرفة وشكرنا الزوجان على المساعدة وعدنا للسيارة نفكر كيف سنمسك بطرف الخيط. أشعلت سيجارتي وكذلك براء بعد ان فتح زر الماستر للنوافذ. ظللنا صامتان وقتها للحظات قبل ان أقطع الصمت لأقول.
"خلاص نرجع للقسم"
قال وهو يضع يده على مقود السيارة: "على الأقل عرفنا معلومة انه مريض إكتئاب، بفكر اننا ممكن نحقق مع الدكتور ده؟"
●●●
نظرت لساعة يدي فوجدتها الثامنة مساء، لقد غادر براء قبل قليل ليشتري العشاء الذي سنتناوله في القسم من محل "حِكمت الشاورما"، كنت أقلّب في هاتفي بملل، القضية متوقفة عند نقطة ولم نجد بعد أي طرف خيط يساعدنا، القاتل مجهول، وأشك أنه مأجور أيضًا، لكن من سيدفع أحد لقتل سعيد؟، او بالأحرى هل قد يكون سعيد فعل شيء لذلك مثلاً المجرم تخلص منه هكذا؟، هل هناك دافع ام انها مجرد حادثة قتل عشوائية؟.
تنهدت بثقل وخلعت قبعتي التي بت اشعر انها لا تفعل شيء سوى انها تزيد ضغط الصداع على رأسي، أغمضت عيني للحظات. منذ ٢٤ ساعة انا لم آكل ولم أنم، الصداع يأكل رأسي وبدأ بعض الدوار الخفيف يتسلل الي عيناي. نهضت وقررت ترك هذا التعب على الرف لأذهب الى معمل الطب الشرعي وأرى الى ماذا توصلوا الى الآن.
سرت في الممرات الهادئة، بدأت أشعر ببقع معتمة توَغوِش بصري ثم تبتعد مجددًا. طرقت الباب ثم دخلت بعد ان أذنت لي الطبيبة بالدخول. كانت الدكتورة نيفين في قمة تركيزها وتحدق في عيّنة ما حتى انها لم تنظر إليّ. تركت مسافة محسوبة بيننا وبهدوء سألت.
"دكتورة في أي حاجة جديدة؟"
"عيار الرصاصة: 7.62×51 مم، القاتل واحد متدرب مش هاوٍ، وأشك انه تابع لعصابـ...."
لم تكمل كلامها، فجأة شعرت بالأرض تميل من تحتي، وبغريزة بقاء أردت ان أستند على أي شيء، فوضعت يدي على كتفها لأتزن، لم تكمل كلامها فهي قد فزعت فجأة من حركتي وإنتفضت مكانها ونترت يدي عنها بقوة وقالت وعينيها تتطاير شررًا: "انت بتعمل ايه؟"
لم أستطع اللحاق بالتمسك بأي شيء آخر، شعرت بالظلام ملأ عيني، ولم استطع الثبات لأتحكم بتوازني، سقطت وانا اشعر بضربة محترمة تلقيتها في مؤخرة رأسي إثر إصطدامي بحافة الطاولة المعدنية.
●●●
لم أكن قد غبت عن الوعي تمامًا في البداية، كنت أشعر بإرهاق وتعب تام لم استطع ان اتحرك او افتح عيني حتى لأخبرها اني لا زلت حيًا حينما شعرت بخوفها وإقترابها لتفحصني، وأظن ان خوفها هذا كان بسبب رؤيتها للسائل اللزج الي بدأت أشعر به في فروة رأسي وبين خصلات شعري. كانت تحاول إفاقتي وهي تتمتم وتعتذر انها لم تقصد هذه الزقة، بدأت اشعر بصوتها يخفت، ويبتعد ولم أعد اشعر بشيء للحظات. ربما فقدت الوعي. لكن لم يستمر هذا الغياب طويلاً، استيقظت مجددًا على أثر شكة في مؤخرة رأسي، لأشعر بعدها وأدرك انني نائم على جنبي، واحدهم يعبث في رأسي، وهمسات وتمتمات غير واضحة من حولي. تعرفت على صوته. كان براء، والأخرى الدكتورة. ثم لف الشاش حول رأسي.
إقترب براء وقال: "آسر، انت فقت؟، متقلقش، خياطة بسيطة بس.."
حدقت في الفراغ للحظات متذكرًا آخر لحظاتي، نظرات نيفين المشتعلة، زقة، عدم إتزان، خبطة، سواد.
إعتدلت لأجلس بعدها وأستند بظهري على الحائط. رأيت نيفين أمامي إثنتان، سألت بتيه..
"خبطة كبيرة؟"
لم تجب، أجاب براء قائلاً: "بسيطة ان شاء الله"
"انا شايفك تلاته"
"دا بسبب الإرتجاج، متقلقش شوية وهتتحسن لازم تشرب وتاكل وترتاح"
إلتفت بعدها لنيفين، صحيح كنت أشتعل غضب منها، فبسببها وبتهورها ونرفزتها سقطت، ونزفت بإصابة في رأسي، لكني لمحت في عينيها شيء مختلف عن الصرامة تمامًا.
كانت خائفة ونادمة.
قالت بتوتر جعل كلماتها متقطعة: "انا اسفه، انا مكنتش اقصد، مكنتش اعرف انك تعبان كدا!"
أجبت بنبرة متهكمة واشحت نظري عنها: "اسفه؟، انتي وريتيني النجوم في عز الظهر يا دكتورة!، مكنتش اعرف انهم بيعلموكوا الملاكمة مع التشريح!"
نظرت للأسفل، فغطت خصلات غرتها عينيها العسليتين، أزحت نظري عنها و بدأت أتحسس مكان الإصابة بأناملي فشعرت بفراغ قليل في شعري، تجمدت نظراتي في الهواء وإتسعت عيناي وصحت.
"شعري؟"
ثم سألتها واكاد انفجر من الغضب: "قصيتيه؟"
عادت لصرامتها قائلة: "كان لازم عشان أطهر الجرح و ما يتلوث"