حلم

حلم

26 0

أستدعونا في العاشرة صباحًا.

لم يكن استدعاءً عاديًا، ولا اجتماع متابعة.

كان في صيغة الرسالة الرسمية ما يكفي ليجعل صدري يضيق قبل أن أصل. طرقت الباب مرتين.

"اتفضلوا"

دخلت أنا وبراء.

المكتب كان واسعًا أكثر من اللازم، الإضاءة بيضاء باردة، والستائر نصف مسدلة تحجب نصف الشمس، كأنها لا تسمح بدخول الدفء كاملًا. جلس خلف المكتب لواء لم أتعامل معه مباشرة من قبل.

ملامحه جامدة، نظارته منخفضة قليلًا على أرنبة أنفه، وأمامَه ملفنا.

ملف القضية.

لم أجلس فورًا.

وقفت لحظة أحدق فيه… وكأنه شيء حي سيُنتزع مني.

"اقعدوا."

جلسنا.

فتح الملف ببطء، قلّب صفحاته، ثم رفع عينيه نحونا دون أن يبتسم.

"مجهودكم واضح."

سكت لحظة، ثم أكمل:

"لكن من هنا وإحنا هنستلم."

لم أفهم أول ثانية.

أو ربما فهمت ورفضت الإستيعاب.

"أفندم؟"

نظرتُ إليه مباشرة.

قال بهدوء محسوب:

"القضية اتحولت لقطاع أعلى. في شبهة تنظيم. الموضوع أكبر من مستوى رتبتكم."

كانت الجملة مهذبة… لكنها قطعت شيئًا في داخلي.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

براء كان ثابتًا بجانبي، ظهره مستقيم، عيناه لا تهربان.

أنا فقط من شعرت أن الكرسي صار أثقل.

مد اللواء يده نحو الملف.

"هنحتاج النسخة الأصلية وكل المرفقات."

نظرتُ إلى الملف أمامي.

أصابعي تحركت نحوه ببطء.

توقفت لحظة.

زاوية ٣٢.

لمعة المنظار.

الخدش الدائري على الحافة.

سعيد.

كل ده كان جوه الورق.

أغلقت الملف بيدي… وضغطت عليه دون وعي.

"أفندم… احنا كنا قريبين."

كانت أول مرة أسمح للجملة تخرج بصيغة شخصية.

لم تتغير ملامحه.

"القرب مش كفاية يا نقيب."

مد يده مرة أخرى.

هذه المرة تركته.

انزلق الملف من تحت كفي بسهولة مزعجة. وبراء سلّم نسخة الملاحظات دون كلمة. ثم دُفع نحونا نموذج استلام وتسليم.

وقّعت. الورق كان خفيفًا… لكن التوقيع كان أثقل شيء كتبته منذ سنوات.

حين وقفنا، قال اللواء بنبرة ختامية:

"خدوا استراحة يومين. هتحتاجوها."

لم أرد.

خرجنا من المكتب، وصوت إغلاق الباب خلفنا بدا أعلى مما يجب.

في الممر، كان كل شيء كما هو.

أفراد يتحركون.

أوراق تُحمل.

هواتف ترن.

كأن شيئًا لم يُسحب من بين أيدينا منذ لحظات.

●●●

وقفت للحظة مغمضًا عيني وكأنني اتمنى ان أستيقظ من هذا ويكون فقط مجرد حلم مزعج، فكرت فقط بجملة واحدة كانت تدور بعقلي كعجلة ملاهي... دا بس مش سحب قضية... دا سحب كرامة...

في ساحة القسم الخالية، وشمس اليوم كانت أقل حدة في أشعتها مما يساعد في إعطاء الجو مشهدًا اكثر كئآبة. وضعت يدي في جيبي فلم اجد سيجارة، يبدوا انها انتهت، او ربما يبدو ان كل شيء من حولي يصر على الهرب مني. لاحظ براء هذا فناولني واحدة، شكرته وانا أهز رأسي دون حديث ثم اشعلتها. نفثت دخاني وساد الصمت. سأل براء بيأس واضح في نبرته.

"خلصت كدا خلاص؟"

"لو بإيدي حاجة كنت عملت"

"معاك حق"

"الموضوع متاخد مننا"

"واحنا هنعمل ايه؟"

"حاليا مش هنعمل حاجة، بس لو هنتحرك نتحرك في الخفيف"

"قصدك نكملها في الضل؟"

"مش دلوقتي"

نظر أمامه الى الأفق متأملاً وقال.

"مش هنتقفش يعني؟"

●●●

عدت للمنزل، وجهي يحمل علامات الخيبة التي لم استطع ان أداريها. طرقت باب منزل اختي روميساء المتزوجة فلا احد غيرها هي وطفلها هادي وزوجها سليم يشعرونني بالراحة والدعم بعد أيام عمل شاقة كهذه. فتحت لي اختي الكبرى الباب ورحبت بي بشدة وتعانقنا. أتى طفلها هادي ذا الثلاثة أعوام من خلفها راكضًا وهو يضحك ضحكة بريئة مرحة. دخلت الشقة وأغلقت الباب بينما الصغير تشبث بساقي وقال ناطقًا حرف اللام بدلاً عن الراء في اسمي ومفخمًا نطق حرف الباء.

"خالو بَلاء"

حملته على ذراعي فإبتسم ذا الشعر الأحمر القصير ليكشف عن غمازتيه. أثناء سيرنا بإتجاه الصالة. سألت اختي بهدوء وكأنها لاحظت ضيقي: "عامل ايه؟"

وضعت الفتى على الأريكة واجبت برتابة: "الحمدلله"

"الغدا لسه عليه وقت وسليم مش موجود تحب احضر لك لقمة؟"

"لا تسلم ايدك"

"طيب قرفة؟"

ابتسمت قائلاً: "لا بلاش انا شربت منها المرة اللي فاتت مخزون يكفي شهر"

ابتسمت و وضعت يدها اليسرى على بطنها المنتفخة حيث يسكن طفلها القادم والذي اصبح في الشهر السابع، لتساعد نفسها على الجلوس. ساد صمت لطيف،  سمعت به بوضوح صوت تلاوة القران القادمة من الراديو الموضوع على احد أرفف المكتبة، الستائر كانت تتحرك بفعل الرياح القادمة من النافذة، ورائحة الجو بدا دافئًا وانتشر به رائحة المكرونه بالبشاميل التي تحترف بها اختي. غادرنا هادي لغرفته يكمل اللعب بألعابه وسمعت صوته وهو يلعب بالدمى، كان صاخبًا يعطي ضجة وحيوية للمكان.

لاحظت روميساء صمتي فقالت.

"انت كويس؟"

إبتسمت وبهدوء أجبت كي لا اقلقها علي فيكفيها ما هي فيه: "انا بس محتاج انام"

"عندك غرفة الضيوف جاهزة"

"ميرسي"

●●●

في المكتب كان الجو دافئًا، عطره منتشر في الغرفة كالعادة، يجلس على كرسي أسود مريح وفاخر، واضعًا قدم على الأخرى، ليخرق عطر الغرفة رائحة دخانة بعد نفثه لدخان سيجارته من فمه. شاب أصلع بنيته قوية له عينه اليسرى مفقوءة يقف أمامه عن المكتب وقال.

"القضية إتحولت"

إبتسم الآخر إبتسامة شيطان، لمعت فيها أسنانه الناصعة وهمس.

"كنت عارف"

ثم مرر أنامله على خده ليقول: "خليهم برا شوية"

●●●

عدت للمنزل، إستقبلتني والدتي بإبتسامة دافئة، سلمت عليها هي  و والدي ومن ثم استأذنت ان أرتاح قبل ان أعود واجلس معهما ليلاً. صعدت لغرفتي بخطوات مثقلة. مع كل خطوة كنت اسمع صوتها على الأرض الخشبية من تحتي. الجو رائحته معطرات ومنظفات فإستنتجت ان والدتي أنهت لتوها فقرة تنظيف المنزل اليومية. ما ان دخلت غرفتي، فككت حزامي وخلعت حذائي، إقتربت ديدي لتمسح جسدها برجلي وهي تتموأ طالبة مني أن أطعمها. أخذت حمامًا دافئًا لعلي أفك ضيق قلبي وأهدأ توتري. وبعد ان انتهيت لم افعل شيء سوى انني إرتميت على سريري كالقتيل بعد عناء عمل طويل كهذا والذي كانت نهايته سيئة بالنسبة لنا. كان اجمل شعور راودني وقتها هو برودة الفراش. سحبت غطاء خفيف عليّ وغصت بعدها في نوم عميق.

●●●

أرى نفسي أنظر للشوارع الفارغة من النافذة. لقد قتل الأشرار كل من بالمنطقة ولهم قرابة ربع ساعة مختفيين، لم يعد هناك احد بالخارج، جميعهم قد ماتوا. والداي جالسان بجوار بعضهما البعض كان الرعب يملأ قلبهما وهذا اعتصر قلبي ألما اكثر.  سمعت همهمات في نهاية الممر المؤدي لباب شقتنا. ادركت انهم المسلحين القتَّلة، إبتلعت ريقي وشعرت بألم الغصة في حنجرتي، دقات قلبي تسارعت وكأني اهبط من طائرة بلا براشوت، وحبات العرق تشق طريقها لتنزل من على جبيني.

سحقًا لخوفي ولرعبي انا عاجز ولأول مرة أعترفها!.

ثم سمعت صوت خطوات، تبعها صوت تقليم سلاح سقط معها قلبي في رجلي. ان كانت هذه هي النهاية فأنا لا أريدها هكذا، لا أريد الموت وانا عاجز هكذا عن حماية اسرتي....

فجأة استيقظت، لم أكمل الحلم، دقات قلبي سريعة، العرق يغرقني والجو حولي مظلمًا. اين انا؟، هذا حلم!، ليس حقيقي. نعم ليس حقيقي. الحمدلله. انا بخير اسرتي بخير.

ثوانٍ مرت حتى بدأت أدرك الواقع من حولي. وضعت يدي على قلبي عسى أن أهدأ ضرباته وإتكأت على يدي الأخرى لأجلس.

ثوانٍ أخرى مرت حتى هدأت.

سحقًا لعقلي الذي خيّل لي هذه الأحلام المريعة. منذ عشرون عامًا وانا لا زلت احلم نفس الحلم وكل مرة يتكرر معي بدقة اكثر من سابقها وبدرجة تثير رعبي حتى انني اكون أظن وقتها انه واقع. كل مرة أعيش نفس الرعب نفس القلق تحت تهديد السلاح ونفس شعور العجز عن إنقاذ احبتي والدفاع عنهم!. هذا أسوأ كوابيسي، ان اكون عاجزًا في اكثر لحظة هم بحاجة لي وللأمان. أتذكر اول مرة رأيت هذا الحلم حينما كنت بالثامنة من عمري، وقتها كان العدو جنود ملثمين غرباء أيضًا.

أغمضت عيني لأطرد أفكاري، تبعها صوت طرق خفيف على الباب.  فتح الباب ليدخل من الفتحة ضوء الخارج، أدخلت والدتي رأسها وسألتني.

"حبيي انت كويس؟، صحيت؟"

"اه.. ايوه... انا كويس.. انا هقوم دلوقتي"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جريمة في الساحة

المؤلف Salma Hamdy
2026/02/20 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة