بداية طرف الخيط

بداية طرف الخيط

26 0

قاد براء السيارة وأوصلني للمنزل بعد ان قررنا أخذ استراحة من العمل ونكمل في اليوم التالي. شكرته ودخلت المنزل في حوالي الساعة الثانية منتصف الليل. حرصت سيري لغرفتي على أطراف أصابع قدمي والحركة دون إرتكاب أي صوت كي لا أزعج والداي من نومهما. وكي لا يراى الشاش الملفوف على رأسي فأرعبهما عليّ.

لم أكد أصل لمنتصف الصالة وحتى وجدت والدتي فجأة تظهر لي. ربما كانت تفعل شيء بالمطبخ وكانت في إنتظارها لعودتي. لم يخرج والدي فأدركت انه نائم. شهقت والدتي ما ان رأت وجهي واضعة يدها على صدرها وكما لو انها رأت عفريتًا.

" ايه اللي عمل فيك كدا يا ابني؟"

فور رؤيتها لي وشهقتها تجمدت مكاني واقفًا وهربت كلماتي للحظات، اقتربت وأمسكت ذراعي وكانت تحدق بالشاش وكأنها تستكشف رأسي لأول مرة  وقالت: "اصابة عمل دي ولا ايه؟"

ربّت على يدها وقلت بصوت مطمئن رغم اني لا ازال أراها إثنان بين الحين والآخر: "ما تقلقيش بسيطة انا كويس"

دفعتني برفق لأقرب أريكة فإستسلمت وجلست، جلست بجواري، أغمضت عيني للحظات ثم فتحتها عندما قالت وهي تتفحص الاصابة.

"مش باين عليها بسيطه، قول لي يا ابني ايه اللي حصل بالظبط؟"

خرج والدي لأدرك بعدها انه لم يكن نائم هو الآخر وقال.

"بسم الله الرحمان الرحيم، سلامات يا ابني مش قلت لك متخليش الشغل يكون واكل حياتك؟"

أغمضت عيني وبحذر سندت رأسي على كتف والدتي التي كانت تداعب خصلات شعري واغمضت عيناي مستشعرًا حنانهما  وقلقهما عليّ ونعمة دفئ المنزل و وجودهما في حياتي، فمهما حدث سيظل هذا المنزل هو ملاذي الوحيد بعيد يوم عمل شاق وبعيد عن تلك الدكتورة المزعجة. وسأظل فيه ابنهما الوحيد اللذان لا يزالان يدللانه كما لو أنه في الثانية و بعيدًا عن النقيب آسر السيوفي البعبع الذي يخافه المجرمين.

طبعت والدتي قبلة على وجنتي، فقلت.

"دروخت شوية فإتخبطت"

●●●

صباح اليوم التالي استيقظت فوجدت ديدي نائمة عند رأسي، ظللت أحدق في لمبة السقف لعدة لحظات متذكرًا أحداث الامس التي يسترسلها عقلي ومنصتًا لزقزقة العصافير عند نافذة غرفتي. أخذت حمامًا دافئًا، فلا يمكنني الذهاب للعمل  وخصلات شعري قد جف بها دمائي. شعور جيد بالسكينة عندما تشعر انك أمن في موطنك والأجواء من حولك هادئة ولا شيء يثير قلقك في صباح هادئ.  وصلت الى القسم ودخلت المكتب فوجدت براء يحدق بالطاولة أثناء إحتسائه لمشروبه المفضل "الكرك".

جلست على مكتبي وقلت بينما اخلع قبعتي: "غريبة يعني، لا بتقرأ ولا بتشتغل؟، ايه اللي شاغل بالك؟"

رفع نظره اليّ ثم اخرج من الأدراج بجواره دفاتر صغيرة قائلاً: "النهاردة رحت عند اسرة سعيد وبصيت في اوضته تاني ولاحظت دفاتر يومياته، قلت يمكن نعرف حاجة عنه منها"

مددت يدي وأخذت أول دفتر وجدته يدي أمامي وقلت: "ها ولاقيت حاجة فعلا؟"

أخذ رشفة من كوبه وقال: "ايوه افتح آخر ورقتين"

فتحت الدفتر، فتشوشوت رؤياي، فتذكرت نظارتي القراءة. أخذتها من الدرج الذي أضعها به دومًا وأرتديتها.

١٢-٨-٢٠١٩

(دكتور طه قال لي لازم اخرج وما اقعدش كل مرة وقت الأستراحة وحدي)

(دكتور طه في حاجة غريبة حسيتها عنه في الجلسة دي، الجلسة  طولت ساعتين زيادة، وجه له اتصال غريب، حسيته مكنش عاوزني اسمعه لما خرج برا يتكلم، لكني سمعت....)

(انا سمعت اسمي..!)

إحتدت نظراتي في شك، "هل لدكتور طه علاقة بالقضية؟"

فررت الصفحات كلها على أمل ان اجد اي معلومه اخرى ولكني لم أجد سوى الصفحات البيضاء فقال براء.

"بس كدا دول آخر حاجه وبعدها المرحوم اتقتل"

تركت الدفتر وشبكت اصابع يدي بعضها ببعض و وجهت نظري اليه وقلت: "انت ايه رأيك يا براء؟"

شرب آخر ما تبقى له في كوبه ثم وضعه على الطاولة محدثًا صوت اصطدام خفيف وقال: "رأيي يا أسي اننا لازم نروح للدكتور دا"

●●●

نفثت دخان سيجارتي خارج نافذة السيارة أثناء تحديقي في عمود الإنارة في الشارع. توقف براء عن القيادة بسبب الزحام، قطع الصمت قائلاً.

"سرحان بايه؟"

"بفكر في اننا مش هنعرف نجبر الدكتور انه يدينا سجلات مكالماته، وكمان مش هينفع نطلبه منه لمجرد إحساسنا انه ممكن عمل مكالمة مش تمام مع حد واللي كتبه سعيد مش هنقدر ناخده كمسار نكمل فيه التحقيق، كل دا مجرد شكوك ملهاش وجود"

"معاك حق، احنا بس هنروح نتكلم معاه عادي، ممكن نكتشف حاجه"

●●●

خلع الرجل الأربعيني نظارته الطبية، بينما كان يلك علكته في حركة أثارت إستفزازي، عطره كان يفوح أرجاء العيادة وكأنه في حفلة، وكان يرتدي بدلة أنيقة وشعره الأسود الطويل المصبوغ بعضه باللون البرتقالي كان مرتبًا بمادة دهنية لمعت تحت ضوء العيادة الفلوروسنت.

شبك طه أصابعة على الطاولة ونظر في عينانا بتحدي وكأنه هو من سيستجوبنا.

"انشانتيه يا بشوات، خير؟"

"دكتور طه، احنا جايين ندي حضرتك كلمة ونص وتجاوب عليهم معانا عدل"

إحتدت نظرات طه منزعجًا من لهجة براء لكنه لم يجب فنحن كنا قد أريناه الكارنيهات.

"سعيد عصام"

أجاب بنبرة فاترة: "الله يرحمه"

"ازاي عرفت بوفاته"

بهدوء قال: "من اسرته"

"طيب ليه المرة اللي فاتت كان معاك بالعيادة لمدة ٣ ساعات، مش مفروض الجلسة ساعة؟"

بذات الهدوء المستفز وهو لا يزال يضع عينه بعيني بثقة عمياء: "حضرتك انا سعيد كانت حالته المرة الأخيرة سيئة جدا وانا من واجبي اني ما أسيبه في حالة زي دي"

اقتربت منه وسندت كوعي على الطاولة التي كانت تفصل بيننا كمحاولة ان أزيد إرتباكه عندما أعمّق نظري في عينيه لكني شعرت فجأة بدوار، وصورته إهتزت امامي للحظة ولكني لمحت في عينيه إبتسامة خباثة. قلت بهدوء وثبات ولا تزال عيني بعينه.

"وحضرتك هل الحالة السيئة دي تطلبت انه يتذكر اسمه في مكالمه مجهولة عملتها؟"

إنفعل طه لما قلته وضرب الطاولة بيده في غضب وزمجر قائلاً: "انت بتقول ايه؟!"

ابتسمت بخباثة واجبت بهدوء وشماته: "يعني كدا أظن مفيش مانع لو شفنا سجل مكالماتك يا طه"

نهض واقفًا وابعد كرسييه وقال بنبرة إستخفاف: "حضرتك جاي تهددني في عيادتي؟، من فين الكلام الفارغ دا!، ثم على اي أساس  يكون ليك الحق انك تفتش موبايلي او تستجوبني كدا؟"

●●●

ساد الصمت لدقائق....

"يلا هادي خربت خالص..... مكنش ينفع تستعجل وتلمح له اننا بنشك فيه"

اخرجت سيجارة لأدخنها ونحن لا نزال واقفان بالساحة خارجية للعيادة وقلت.

"انا من الاول كنت حاسس انها مش نافعة، المهم.. طه دا مش تمام، تصرفه وإنفعاله دا بيقول انه واحد كداب وبيخبي حاجة بس بروده مستفز"

قطع شرودي براء حينما قال بلهجة بدت جدية وهادئة و واضعًا يده على كتفي: "آسر فكك من طه دلوقتي يا صاحبي و سيب السيجارة، انت الشاش بدأ يلون دم، حاسس بحاجة؟ حسيت بإيه لما قربت منه؟، لاحظت رعشة فيك"

تنهدت بثقل ودعست السيجارة بقدمي وشعرت بغضب من هذا الضعف الذي أتاني في لحظة كتلك، ولكنه قال.

"الدخان دا بيقلل تدفق الدم وكدا جرحك مش هيلم بسرعة، خلينا نرجع للقسم ونفكر بهدوء"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جريمة في الساحة

المؤلف Salma Hamdy
2026/02/20 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة