خرجتُ من المدرسة وكأنني نجوت من حربٍ كيميائية حقيقية.
رأسي كان يؤلمني من كثرة التفكير، ودفتر الاختبار ما يزال عالقًا داخل عقلي ككابوسٍ سخيف لن ينتهي قريبًا. حاولت إقناع نفسي أنني كتبت جيدًا... لكنني كنت أعرف الحقيقة.
أنا والكيمياء بيننا عداوة أزلية.
تنهدتُ وأنا أسير في الشارع البارد، ثم توقفتُ فجأة أمام واجهة متجر صغير للألعاب.
لا أعرف لماذا توقفت أصلًا.
ربما لأنني تذكرت وجه لين وهي تبكي داخل مركز الشرطة.
أو ربما لأنني منذ رأيتها لأول مرة... أصبحت أفكر بها طوال الوقت بطريقة لم أفهمها بعد.
وقعت عيناي على دمية أرنب صغيرة موضوعة خلف الزجاج.
بيضاء، بأذنين طويلتين ووشاح أزرق فاتح.
بسيطة جدًا.
لكنها جعلتني أتذكر لين فورًا.
ترددتُ لثوانٍ.
ثم دخلت المتجر.
طوال الطريق إلى المنزل كنت ألوم نفسي بصمت.
ماذا أفعل أصلًا؟
إنها ليست أختي.
وليست مسؤوليتي.
وقد ترحل في أي لحظة لو ظهرت عائلتها.
لكن رغم ذلك... كنت أحمل الكيس الورقي بحذر شديد، وكأن ما بداخله شيء مهم فعلًا.
وصلتُ أخيرًا إلى المنزل.
وما إن فتحت الباب حتى استقبلتني رائحة الطعام وصوت التلفاز المنخفض، يتخلله بين الحين والآخر صوت لارا وهي تتحدث بحماس عن شيءٍ تافه كعادتها.
خلعت حذائي ببطء بينما الدفء يحيط بي بعد برد الخارج القاسي.
ثم سمعت ضحكة صغيرة.
توقفتُ تلقائيًا.
كانت خفيفة جدًا... قصيرة جدًا... لكنها كانت كافية لتجعل التعب يتراجع قليلًا من جسدي.
رفعتُ رأسي نحو غرفة الجلوس.
وهناك رأيتها.
كانت لين جالسة على الأرض فوق السجادة، وقد التفّت ببطانية رمادية تكاد تخفيها بالكامل، بينما تجلس لارا خلفها تمشط شعرها الأسود القصير وتحاول ربطه بطريقة مضحكة.
أما لين... فكانت تحدق بالتلفاز بتركيز كامل، وكأن الرسوم المتحركة أهم شيء في هذا العالم.
ولأول مرة منذ أن وجدتها...
بدت آمنة.
هادئة.
طفلة فقط.
لا خائفة.
لا مرتجفة.
لا تبكي.
شعرتُ بشيء يلين داخلي ببطء.
شيء دافئ ومؤلم في الوقت نفسه.
رفعت لارا نظرها نحوي أولًا.
ثم ابتسمت فورًا بمكر.
"أخيرًا عاد الطالب البائس."
تنهدتُ وأنا أرمي حقيبتي قرب الباب.
"إذا كانت لديكِ شفقة، لا تسأليني عن الاختبار."
ضحكت بخفة.
لكن لين لم تضحك.
لأنها كانت تنظر إليّ فقط.
بمجرد أن التقت عيناها بعيني... نهضت بسرعة مفاجئة.
تعثر طرف البطانية تحت قدميها الصغيرة وكادت تسقط، لكنها ركضت نحوي رغم ذلك.
"لين، انتبهي..."
ومع ذلك، لم تتوقف حتى وصلت إليّ
تشبثت بقميصي فورًا بكلتا يديها، ودفنت وجهها الصغير في بطني وكأنها كانت تنتظرني منذ ساعات.
تجمدتُ لثانية.
ثم نظرتُ للأسفل ببطء.
كانت أصابعها الصغيرة تقبض على قميصي بقوة حقيقية.
وكأنها تخشى أن أختفي مجددًا.
رفعتُ يدي بتردد وربتُّ على شعرها بخفة.
"عدتُ فقط من المدرسة... لم أهرب."
تمتمت لارا من الخلف:
"هذا ليس ما بدا عليها طوال اليوم."
رفعتُ حاجبي ونظرت إليها.
"ماذا تقصدين؟"
أسندت ذقنها على يدها وهي تبتسم بخبث.
"كانت تراقب الباب كلما سمعت أي صوت سيارة."
خفضتُ نظري نحو لين مجددًا.
احمرّ وجهها قليلًا فور سماع كلام لارا، لكنها لم تبتعد عني.
بل بالعكس...
اقتربت أكثر.
شعرتُ بانقباض غريب داخل صدري.
لا أعرف لماذا كان تعلقها بي يخيفني أحيانًا.
ربما لأنني بدأت أتعلق بها أنا أيضًا.
تنحنحتُ بخفة ثم رفعت الكيس الورقي أمامها.
"لدي شيء لكِ."
رمشت ببطء.
ثم رفعت رأسها نحوي أخيرًا.
"لي؟"
هززتُ رأسي.
تقدمت بخطوات صغيرة مترددة وأخذت الكيس بكلتا يديها، وكأنها تحمل شيئًا ثمينًا جدًا.
جلست على الأرض فورًا وبدأت تفتحه بحذر شديد.
أما لارا... فحدقت بي وكأنني ارتكبت جريمة.
"مستحيل."
تجاهلتها عمدًا.
لكنها أكملت بصوت درامي:
"إيان اشترى هدية لطفلة. نحن نشهد حدثًا تاريخيًا."
"لارا، اصمتي."
ضحكت بينما أخرجت لين الأرنب الصغير من الكيس.
وفي اللحظة التي رأته فيها...
تجمدت.
حدقت به طويلًا دون أن تتكلم.
ثم رفعت عينيها نحوي ببطء.
شيء ما في نظرتها جعل أنفاسي تتعثر للحظة.
كانت... سعيدة.
بطريقة صامتة جدًا.
لكن واضحة جدًا أيضًا.
ضمت الأرنب إلى صدرها بحذر وكأنها تخشى أن يؤخذ منها.
ثم همست بخفوت:
"أرنب..."
ضحكتُ بخفة.
"تحليل مذهل."
رفعت رأسها نحوي فجأة وقالت بجدية طفولية كاملة:
"إيان سخيف."
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجرت لارا ضاحكة حتى كادت تسقط عن الأريكة.
"أخيرًا، شخص في هذا المنزل يملك الشجاعة ليقولها بوجهك."
حدقتُ بلين بصدمة مصطنعة.
"هذا جزائي بعد الهدية؟"
غطت فمها الصغير بيديها وهي تضحك بخفة.
ولم أعرف لماذا شعرتُ أن صوت ضحكتها يملأ البيت بالكامل.
دخلت أمي في تلك اللحظة وهي تحمل أكواب الشوكولاتة الساخنة، لكنها توقفت فور سماع الضحك.
ابتسمت بهدوء وهي تراقبنا.
"يبدو أن الجو أفضل اليوم."
أخذت لارا كوبها بسرعة.
"لأن إيان أصبح أبًا رسميًا."
كدت أرد، لكن صوت باب المنزل قاطعني.
دخل أبي أخيرًا.
بدا مرهقًا، وربطة عنقه مرتخية قليلًا، وعيناه تحملان تعب يومٍ طويل.
وما إن وقعت عيناه على لين الملتصقة بي... حتى توقف للحظة قصيرة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكنني لاحظتها.
لاحظت كيف خفتت ملامحه قليلًا وهو يراها تضحك.
وكيف بقيت عيناه عليها لثوانٍ أطول مما ينبغي.
اقترب بهدوء ووضع مفاتيحه على الطاولة.
"مساء الخير."
رددنا التحية جميعًا، بينما اكتفت لين بالاختباء خلف كتفي فور رؤيته.
تنهد أبي بخفة وجلس على الأريكة.
ثم نظر نحوي.
"كيف كان الاختبار؟"
أطلقت ضحكة قصيرة ميتة.
"أظن أن الكيمياء تحاول قتلي شخصيًا."
ضحكت أمي بخفة بينما تمتمت لارا:
"على الأقل أنت حي."
أما أبي... فابتسم للمرة الأولى منذ يومين.
ابتسامة صغيرة ومتعبة، لكنها حقيقية.
ولسببٍ ما... جعلني ذلك أرتاح.
جلسنا معًا لبعض الوقت.
لارا تتحدث بلا توقف، وأمي تسألني إن كنت جائعًا، بينما بقيت لين بجانبي طوال الوقت، ممسكة بطرف سترتي بيد، وبالأرنب باليد الأخرى.
وكلما ابتعدتُ قليلًا...
اقتربت هي أكثر.
حتى حين جلستُ على الأريكة، صعدت بجانبي فورًا وكأن مكانها الطبيعي هنا.
بقربي.
ورغم غرابة الأمر...
لم أطلب منها الابتعاد.
ثم فجأة...
رن هاتف أبي.
قطع الصوت الحاد دفء الغرفة بالكامل.
نظر أبي إلى الشاشة.
وفورًا... تغير وجهه.
اختفت الابتسامة الصغيرة من ملامحه تمامًا.
شعرتُ بمعدتي تنقبض دون سبب واضح.
رفع الهاتف ببطء.
"ألو؟"
ساد الصمت.
حتى لارا أنزلت كوبها.
راقبتُ أبي بينما كانت ملامحه تزداد توترًا ثانية بعد أخرى.
ثم قال أخيرًا:
"هل أنتم متأكدون؟"
توقفت أنفاسي.
نظرت أمي إليه بسرعة.
"ماذا حدث؟"
لكن أبي لم يجبها فورًا.
بقي يستمع للطرف الآخر بصمت طويل... طويل لدرجة جعلت قلبي يبدأ بالخفقان بعنف.
ثم مرر يده على وجهه بتعب وأغلق الهاتف ببطء.
ساد الصمت في الغرفة.
صمت ثقيل... بارد... مخيف.
رفعت لين رأسها نحوه بقلق، بينما بقيت متشبثة بي دون أن تفهم شيئًا.
أما أنا...
فشعرتُ أن أسوأ شيء ممكن يقترب منا بسرعة.
رفع أبي عينيه نحونا أخيرًا.
ثم قال بصوت منخفض جعل الدم يبرد داخل عروقي:
"الشرطة تقول إنهم وجدوا شخصًا يدّعي أنه يعرف لين."