وصل صاحبنا إلى المكتبة بعد بضع دقائق، ودخلها ليتوجه إلى الرف المطلوب ويأخذ الكتاب المحدد - والذي كان "قصة الفلسفة" لكاتبه "ويل ديورانت" - ويفتحه دون اكتراث كبير لمحتواه باحثاً عن الورقة التي تحوي الرسالة الثانية ليجدها ورقة طويلة مثنية وممتلئة عن آخرها بالحروف؛ ما حذا به أن يعلق ساخراً: "يبدو أنها لم تكن تعاني من كتابة موضوعات التعبير الإنشائي في المدرسة!"، ثم يشرع في قراءتها: "إذن فقد وت رسالتي الثانية؛ ولذا فلن أبخل عليك بجزء جديد من قصتي، وسأحكيه عبر إجابتك عن سؤال لا بد أنه الآن يدور بخلدك: "ما سر خطي المهذب وكتاباتي الطويلة؟! الأمر أنني لست إنسانة سطحية كما قد تساورك الظنون؛ بل مثقفة متعلمة هاوية القراءة والمطالعة؛ وهذا ما حذا بي في وقت ما من حياتي أن أجود خطي وكتاباتي؛ مُحاوِلَةً بذلك أن تكون لي ولو تجربة واحدة مثل أولئك الكُتَّاب الذين تملأ أعمالهم المكتبات. لكن حلمي لم يتحقق للأسف نظراً لعدة ظروف لا أود أن أخوض في الحديث عنها الآن...لكن ربما أفعل إن حدث وأحببتني؛ حينئذ أقص عليك كل شيء! لكن رغم ذلك سأخبرك باختصار أنه لم يقدرني أحد حق قدري على الإطلاق، لم يأبه أحد بما أحب أو أفعل...لا أخفي عليك شهوتي للاهتمام التي لا بد أنك لاحظتها بالفعل من رسالتي الأولى! بأية حال، دعني أخبرك أنني أهيم عشقاً بالفلسفة على وجه الخصوص ضمن فروع المطالعة والعلم، رغم أنني أؤيد تركيز المرء على أن يحيا حياته بعفوية أكثر من تفكيره المستمر والمهلك لعقله بها، لكن لعنة التفكير لا ترحم بأية حال وتخلق في عقل المرء أسئلة أكثر من الإجابات، لكن ما يميز الفيلسوف عنا نحن البشر هو أنه لا يحتفظ بمعاناته لنفسه بل يقرر مشاركتنا إياها، دعني أقل لك أننا كلنا ملعونون بالتفكير ولدينا رؤىً مختلفة عن الحياة، لكن التاريخ يذكر فقط من كانت لديهم الجرأة للبوح بأفكارهم تلك! وددتُ بيني وبينك لو أن التاريخ يذكرني أنا الأخرى...لكن الأمر حقاً أسخف من أن أتحدث عنه أكثر من ذلك! ...لن أوجع رأسك بمزيد من التفاصيل، ها هو ذا سر قد عرفته عني، فإن كنت تود إكمال اللعبة انظر إلى الورقة الثانية في نفس الكتاب في صفحة [...]، وتابع رحلتك!" انتقل صاحبنا إلى الصفحة الهدف ووجد بالفعل ورقة بها عنوان لمكان بالمدينة يُدعَى "نادي العُشَّاق"، وملاحظةً نَصُّها: "اسأل النادل عن رسالة تركتها سيدة حريرية!" انتهى صاحبنا من القراءة وبدأ يفكر في الأمر بشكل أعمق وبصوت عالٍ: "أَهِيَ حقاً خاوية كما الحمقاوات اللائي عرفتهن من قبل أم أنها مفهومة بشكل خاطئ حقاً؟!" الواضح أن لديها عقلاً غريباً يشبه عقول نخبة المثقفين الذين يعرف صفاتهم بحكم نشأته، لكن ما الذي قد يدفعها لقضاء ليالٍ مع رجال؟ ذَكَرَتْ سابقاً أنها تشعر بالخواء وعدم المعنى وهذا شعور يفهمه صاحبنا بالمناسبة، لكن...كيف لصاحبة عقل جميل مهذب كهذا أن تشعر...بالخواء؟! المهم أنه تأكد الآن أنها بالفعل ليست من هذا النوع الكلاسيكي من الحسناوات خاويات الروح اللائي ينتشين بالخمر وتقديس الرجال لأجسادهن؛ بل هي أعمق وأثمن من ذلك بكثير على ما يبدو، وكونها تشعر بخواء يدفعها لفعل ما تفعله يعني أن أمرها حقاً به درجة ما من العمق ربما لم تنكشف بعد! وهكذا يتوجه بطلنا نحو وجهته التالية...!