حقنة الموت

حقنة الموت

21 0

بدأت أفتح جفوني بصعوبة شديدة.

كان الدخان الأحمر قد تلاشى، وحلّ مكانه ظلام موحش، لم يقطعه سوى خيوط باهتة من ضوء القمر تسللت عبر ثقوب سقف المستودع.

وضعت يدي على رأسي، وأنا أضغط عليه بألم، ثم التفتُّ إلى جانبي.

كان ماكس ممددًا على الأرض، وكتفه لا يزال ينزف بغزارة.

انتفضت من مكاني، رغم الدوار الذي أثقل جسدي، واندفعت نحوه.

— ماكس... ماكس، أرجوك أجبني!

همست متوسلة، وأنا أربت برفق على وجنته.

مرت ثوانٍ بدت لي دهرًا، قبل أن ألحظ ارتجافة خفيفة في جفنيه.

وضعت أصابعي على عنقه أتحسس نبضه.

تنفست الصعداء.

مازال حيا.

فتح عينيه بصعوبة، ثم تمتم بصوت متقطع:

— رو... روكسينا... هل... أنتِ بخير؟

هززت رأسي مطمئنة، ثم مزقت قطعة من قماش سترتي وربطتها بإحكام حول كتفه، محاولة إيقاف النزيف.

— تحمّل قليلًا... سأستدعي الإسعاف، وسنخرج من هنا.

أدخلت يدي في جيبي بحثًا عن هاتفي...

لكنني تجمدت.

لقد تركته في المنزل.

لعنت حظي بصوت خافت.

التفتُّ إلى ماكس وسألته بسرعة:

— أين هاتفك؟

أجاب بصعوبة:

— أخذه... رجال الزعيم.

أسرعت نحو إحدى الجثث الملقاة على الأرض، وبدأت أفتش جيوبها بعجلة، حتى عثرت على هاتف.

اتصلت بالإسعاف فورًا.

— ألو... أنا المحققة روكسينا. أنا موجودة داخل المستودع رقم أربعة عشر في شارع ديفالا، وبرفقتي المحقق ماكس ديلغادو، وقد أصيب برصاصة في كتفه.

ألقيت نظرة على الدماء التي غطت الأرض، ثم أضفت بلهفة:

— أرجوكم أسرعوا... لقد فقد كمية كبيرة من الدم.

أغلقت الاتصال، وعدت مسرعة إليه، ثم ضغطت بكلتا يدي على موضع الجرح، فتلطخت أصابعي بدمائه.

ابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت متعب:

— لا تقلقي... لن أموت بهذه السهولة، يا غريبة الأطوار.

رفعت بصري إليه، وقد امتزج الغضب بالخوف في عيني.

— هل هذا وقت المزاح يا ماكس؟

وقبل أن يجيب...

اتسعت عيناي فجأة.

الشاحنة...

الأطفال!

هل يعقل أن يكون قد قتلهم جميعًا؟

نهضت مترنحة، وقدماي بالكاد تحملانني، واتجهت مسرعة نحو الشاحنة.

وضعت يدي المرتجفة على مقبض الباب الخلفي.

ثم فتحته ببطء...

وقلبي يخفق بعنف حتى كدت أسمعه.

وفي اللحظة التالية...

عاد الهواء إلى رئتي.

كانوا جميعًا هناك.

أحياء.

تجمع الأطفال في زاوية الشاحنة، يحتضن بعضهم بعضًا، وقد ارتسم الرعب على وجوههم، لكن أحدًا منهم لم يُصب بأذى.

تسلقت إلى داخل الشاحنة، وانحنيت أمامهم.

— انتهى الأمر... أنتم بأمان الآن.

لم أكن أعلم إن كانوا صدقوا كلماتي أم لا، لكنني رأيت الدموع تنهمر من أعين بعضهم، بينما ارتمى أصغرهم في حضني وهو يبكي.

وبعد لحظات...

شق صمت الليل صوت صفارات الشرطة والإسعاف.

خلال دقائق، طوقت قوات الأمن المستودع من جميع الجهات، بينما هرع المسعفون إلى الداخل.

نُقل الأطفال إلى سيارات الإسعاف، ثم حملوا ماكس على نقالة طبية بعد أن سيطروا على نزيفه.

وقفت أراقب المشهد بصمت.

لقد أنقذنا الأطفال...

لكنني كنت أعلم، في أعماقي، أن لعبة غريب لم تنتهِ بعد.

بل ربما...

كانت قد بدأت للتو.

تركت الشرطة تعاين مسرح الجريمة، بينما ركبت أنا في سيارة الإسعاف، جالسة إلى جوار ماكس، متجهين نحو أقرب مستشفى.

انشغلت الممرضة بإسعافه، بينما اكتفى هو بابتسامة متعبة بالكاد ظهرت على شفتيه، قبل أن يغيب عن الوعي مجددًا.

"موتك لن يكون إلا على يدي..."

ظلت تلك الجملة تتردد في رأسي مئات المرات، وكأن صاحبها ما زال يهمس بها في أذني.

لقد كان هو من أنقذنا...

لكن لماذا؟

لماذا انتشلنا من بين براثن الموت في اللحظة الأخيرة؟

كلما حاولت طرد صورته من ذهني، عاد أقرب مما كان، حتى خُيل إليّ أنه يريد تمزيق عقلي إلى آلاف القطع.

توقفت سيارة الإسعاف أمام قسم الطوارئ في المستشفى الحكومي.

ما إن فُتح الباب الخلفي حتى اندفع المسعفون، وسحبوا النقالة التي كان يتمدد عليها ماكس، ثم أسرعوا به إلى الداخل، حيث كانت غرفة العمليات قد أُعدت مسبقًا لاستقباله.

وقفت أراقبهم حتى اختفى آخر أثر لهم خلف الباب.

ثم جلست على أحد المقاعد الباردة في الممر، أنتظر أي خبر يطمئنني على حالته.

لا أعلم...

لماذا أقلق على وغد مثله؟

سيخرج بخير، كما يفعل دائمًا.

هكذا حاولت إقناع نفسي، علّني أطرد أشباح القلق التي بدأت ترسم ظلالها داخل رأسي.

أنزلت نظري إلى يدي.

كانت الدماء قد جفت فوق أصابعي، تاركة بقعًا داكنة بدت وكأنها ترفض مفارقتي.

نهضت متثاقلة، واتجهت نحو الحمام.

فتحت صنبور الماء، وبدأت أفرك يدي بالصابون بقوة، وكأنني أحاول غسل آثار تلك الليلة من ذاكرتي، لا من جلدي.

رفعت رأسي نحو المرآة...

فتجمدت في مكاني.

للحظة...

أيقنت أنني رأيت شخصًا يقف خلفي.

كان يبتسم.

استدرت بسرعة خاطفة.

لكن...

لم يكن هناك أحد.

لم أجد سوى الحمام الخالي، وصوت قطرات الماء المتساقطة في صمت ثقيل.

أطلقت زفرة طويلة، محاوِلة إقناع نفسي بأن ما رأيته لم يكن سوى وهم صنعه الإرهاق.

جففت وجهي بالمنشفة، ثم ألقيت نظرة أخيرة إلى المرآة...

قبل أن أغادر الحمام، وأنا أشعر باطمئنانٍ زائف، أعلم في أعماقي أنه لن يدوم طويلًا.

عدت إلى المقعد من جديد، وما إن جلست حتى لمحت ديمتري يقترب من نهاية الممر.

وفور أن وقع بصري عليه، عاد إلى ذهني اختفاؤه الغريب في الليلة الماضية.

نهضت من مكاني واتجهت نحوه بخطوات سريعة، أنتظر منه تفسيرًا واحدًا فقط.

ما إن اقترب حتى قال بقلق واضح، وهو يتفحصني من رأسي حتى قدمي:

— روكسينا... هل أنتِ بخير؟ وكيف حال ماكس؟

تنهدت بخفوت، ثم أجبته:

— أنا بخير... أما ماكس فقد أُصيب برصاصة، وهو الآن داخل غرفة العمليات.

أطرق برأسه للحظة، ثم أدخل يديه في جيبي معطفه وقال:

— أعلم... لقد أخبرني ليام بما حدث.

رفع عينيه نحوي وأردف:

— لكن كيف وصلتما إلى ذلك المستودع؟ وما الذي أدخلكما في اشتباك مع تلك العصابة؟

عقدت ذراعي أمام صدري، وحدقت فيه طويلًا قبل أن أقول:

— قبل أن أجيب عن أسئلتك...

توقفت لحظة، ثم تابعت بنبرة هادئة تخفي شكوكي:

— ألا تعتقد أن عليك أولًا أن تفسر سبب اختفائك ليلة أمس؟ ولماذا لم ترد على أيٍ من اتصالاتنا؟

ساد الصمت بيننا لثوانٍ.

ثم قال بثقة بدت لي مبالغًا فيها:

— مرضت عمتي فجأة، وهي تقيم في مدينة تبعد قليلًا عن مدريد، لذلك اضطررت إلى السفر للاطمئنان عليها.

رفعت أحد حاجبي باستغراب.

— لم أكن أعلم أن لديك أقارب خارج مدريد.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— لا أتحدث عنهم كثيرًا.

ظللت أحدق في وجهه، ثم سألته مباشرة:

— حسنًا... لماذا لم ترد على اتصالاتنا على الأقل؟ كان بإمكانك أن تخبرنا أنك لن تأتي.

للحظة خاطفة...

لمحت ارتباكًا يمر في عينيه.

اختفى بسرعة، لكنه لم يختفِ بالسرعة الكافية ليغيب عن ملاحظتي.

فتح فمه ليجيب...

لكن باب غرفة العمليات انفتح في تلك اللحظة.

خرج الطبيب وهو ينزع كمامته، وقد بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهه.

اتجهنا إليه بسرعة.

سألته بلهفة:

— كيف حاله؟

ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة وقال:

— لا تقلقا. تمكنا من استخراج الرصاصة، ونقلنا إليه كمية من الدم بعد أن فقد الكثير منه.

ثم أضاف:

— حالته مستقرة الآن، لكنه ما زال تحت تأثير التخدير، ولن يستعيد وعيه قبل سبع ساعات على الأقل.

تنفست الصعداء، بينما شعرت بثقل كبير يغادر صدري.

أما ديمتري...

فكان لا يزال واقفًا إلى جانبي.

لكن تلك الإجابة التي لم يجبني بها...

بقيت عالقة في ذهني أكثر من أي شيء آخر.

بعد نحو ساعة، جاءني أحد رجال الشرطة يحمل في يده ملفًا، ثم قال باحترام:

— نحتاج إلى إفادتك، أيتها المحققة. يُرجى مرافقتي إلى مركز الشرطة.

أومأت بصمت، ثم سرت خلفه.

دخلت إلى المكتب المخصص للمحقق المسؤول عن ملاحقة العصابة السوداء.

في البداية، كان الجو هادئًا، والأسئلة روتينية.

لكن مع مرور الوقت...

تحول الأمر إلى تحقيق حقيقي.

شعرت بالضغط يزداد مع كل سؤال، وكأن كل كلمة أنطق بها قد تقودهم إلى حقيقة لم أكن مستعدة لكشفها.

حاولت بكل ما أملك ألا يبدو عليّ الارتباك.

كنت أرتب الأحداث في ذهني مرة تلو الأخرى، حتى لا تختلط عليّ التفاصيل، أو تخونني كلماتي.

أجبت عن جميع أسئلتهم بهدوء، وقدمت شهادتي كما حدثت الأحداث...

أو على الأقل، كما أردت لهم أن يعرفوها.

لم أخبرهم عن المكالمة.

ولا عن الدخان الأحمر.

ولا عن الرجل الذي ظهر في اللحظة الأخيرة، وانتشلنا من بين يدي الموت.

غريب...

احتفظت باسمه لنفسي.

ولماكس أيضًا.

خرجت من المكتب بعد انتهاء التحقيق، وسرت في الممر الطويل بخطوات بطيئة.

لم أكن أشعر بالذنب لأنني أخفيت جزءًا من الحقيقة...

بل كنت أشعر أن كشفها الآن سيكون خطأً فادحًا.

لا أعلم إن كان قراري صائبًا أم لا.

لكنني كنت واثقة من أمر واحد...

لن أخبر أحدًا عن غريب، حتى أعرف بنفسي إلى أين ستقودني هذه اللعبة... وإلى أي نهاية يريد أن يصل بي.

عدت إلى المستشفى بعد أن انتهيت من تقديم شهادتي.

وجدت أن ديمتري قد غادر.

كان الممر شبه خالٍ، فالساعة أوشكت على الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.

شعرت بإرهاق ثقيل يجثم فوق كتفي، حتى إن كل خطوة كنت أخطوها بدت أثقل من سابقتها.

لكنني كنت قد قطعت عهدًا على نفسي.

لن أغادر قبل أن يستعيد ماكس وعيه.

مهما حدث.

ففي أعماقي، كنت أشعر أن إصابته كانت بسببي.

وبينما كنت أسير في الممر، لمحت أحد الممرضين يخرج من غرفة ماكس.

كان يلتفت حوله بتوتر واضح، وكأنه يخشى أن يراه أحد.

لم أتمكن من تمييز ملامحه بسبب الكمامة التي غطت نصف وجهه، لكن شيئًا ما في تصرفاته أثار قلقي.

شعرت بانقباض حاد في صدري.

أسرعت خلفه وناديته:

— عذرًا... هل كل شيء على ما يرام؟

توقف لثانية واحدة.

استدار نحوي ببطء.

رأيت الارتباك في عينيه، ولاحظت أن أنفاسه متسارعة على نحو غير طبيعي.

بقي يحدق بي للحظات...

ثم استدار فجأة، واندفع راكضًا في الممر دون أن ينطق بكلمة.

عبست باستغراب، وهممت باللحاق به.

لكن شيئًا صغيرًا سقط من جيبه، وارتطم بالأرض محدثًا صوتًا خافتًا.

انحنيت والتقطته.

كانت...

حقنة.

حدقت في الملصق المثبت عليها، وشعرت بأن الدم تجمد في عروقي.

مركب سيربيروس.

1

لكن ما أرعبني أكثر...

أن الحقنة كانت فارغة.

رفعت رأسي ببطء.

واتجهت عيناي نحو غرفة ماكس.

واتسعت حدقتاي رعبًا.

اندفعت نحو غرفة ماكس بكل ما أملك من قوة، وأنا أدعو في داخلي أن أكون قد وصلت... قبل فوات الأوان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة