اتهام باطل

اتهام باطل

4 0

البرد القارس تخلل عظامي، وكل شيء يدور من حولي في دائرة مغلقة. كان جسدي ملقى فوق إسمنت بارد، بينما ظلت كلمات ألكسندر تتردد في رأسي بإلحاح، تعيد أمامي الحقيقة التي حاولت الهروب منها.

لا!

فتحت عيني بصعوبة، فتسللت إليهما أضواء بيضاء متراقصة وخافتة. كنت مستلقية على الأرض في مكان هادئ، لا أسمع فيه سوى طنين خافت يملأ رأسي.

احتجت إلى لحظات حتى أدرك أين أنا.

موقف السيارات المركزي الذي أعمل فيه.

لكن كيف وصلت إلى هنا؟

ومن أحضرني؟

تسلل الشك إلى عقلي فورًا.

كنت متأكدة أن هذه لعبة جديدة من صنع ألكسندر.

استعدت توازني ببطء شديد، ثم بدأت عيناي تتفحصان المكان بعدما أصبحت الرؤية أكثر وضوحًا. لامست أنفي رائحة الحديد المختلطة بالهواء البارد.

رفعت رأسي عن الأرض، لكن دوارًا عنيفًا اجتاحني ممزوجًا بالغثيان، فعُدت إلى الاستلقاء للحظات، وضغطت على جانبي رأسي بخفة، لعل الخفقان يتوقف.

ثم التفتُّ بعيني نحو اليسار.

كان هناك شيء أسود وضخم ملقى على الأرض.

دفعني الفضول إلى محاولة الوقوف، لكن قبل أن أتحرك، شعرت بجلد يدي متيبسًا بطريقة غريبة.

نظرت إليها.

تجمدت.

كانت مغطاة بالدماء الجافة.

نظرت إلى ملابسي، فوجدتها هي الأخرى ملطخة بالبقع ذاتها.

— ما هذا؟

خرجت الهمسة من بين شفتي المرتجفتين.

تحركت نحو ذلك الشيء الأسود بخطوات متعثرة.

وما إن اقتربت حتى توقفت.

توقفت أنفاسي.

لم يكن شيئًا.

كانت جثة.

ولم تكن أي جثة.

كان الرئيس ليام.

شعرت وكأن عقلي رفض ترجمة المشهد.

جلست على ركبتي بجانبه، ثم أمسكت بكتفه وهززته بيأس.

— سيد ليام...

لم يجب.

هززته مجددًا.

— أرجوك، أجبني!

ارتفع صوتي وسط الموقف الخالي:

— هل هناك أحد؟ فليساعدني أحدكم، أرجوكم!

وضعت يدي على صدره أبحث عن أي نبضة.

شعرت بشيء دافئ يلامس أصابعي.

دماء.

كانت تتدفق من موضع الرصاصة التي اخترقت صدره.

توقفت للحظة، ثم تحسست عنقه، وبعدها وضعت أذني بالقرب من فمه.

لا شيء.

لا نبض.

لا أنفاس.

فقط فراغ بارد.

لقد مات.

تراجعت عنه ببطء.

ثم لمحت مسدسًا ملقى على الأرض بالقرب من الجثة.

توقفت عيناي عليه.

كان واضحًا أنه سلاح الجريمة.

رفعت نظري إلى يدي الملطخة بالدماء، ثم إلى ملابسي، ثم إلى الجثة.

بدأت الحقيقة المرعبة تتشكل أمامي.

ألكسندر.

لقد قتل عائلتي...

والآن قتل رئيسي.

وفي اللحظة نفسها، أضاءت أضواء سيارات الشرطة المكان من جميع الجهات.

توقفت السيارات بعنف، وانفتحت أبوابها، وانطلقت عناصر الشرطة نحو المكان بسرعة، قبل أن تحاصرني دائرة من الأسلحة.

— لا تتحركي!

تجمدت في مكاني.

— وإلا سنطلق النار!

التفت حولي بصدمة، وكأن الزمن نفسه أوقف عقاربه.

أنا لست الفاعلة.

كان ذلك ما أردت الصراخ به.

لكن قبل أن أنطق، التفّت الأصفاد حول معصمي.

عندها فقط أفقت من صدمتي.

— أنا لم أقتله!

حاولت التراجع.

— دعوني! ماذا تفعلون؟ أبعدوا عني هذه الأصفاد!

قاومتهم بلا جدوى.

— هو من قتله! أقسم لكم!

لم يهتم أحد بكلماتي.

كانت صرخاتي تتبخر في الهواء وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.

ثم رأيته.

ديمتري.

كان يقف بعيدًا، يراقبني بصمت.

لم أفهم معنى النظرات التي حملتها عيناه، لكنها لم تكن شفقة.

تعلقت عيناي به كآخر خيط للنجاة.

هو يعلم أنني لست القاتلة.

هو سيصدقني.

— ديمتري!

صرخت باسمه.

— أخبرهم أن يطلقوا سراحي! أنا لم أفعل أي شيء، صدقني!

توقعت أن يتقدم نحوي.

أن يقول شيئًا.

أن يدافع عني.

لكنه لم يفعل.

اكتفى بالنظر إليّ للحظات، ثم قال ببرود:

— خذوها إلى مركز التحقيق حتى آتي.

شعرت وكأن صاعقة ضربتني.

حدقت فيه غير مصدقة.

— ماذا؟

لم يجب.

بدأت الشرطة باقتيادي بعيدًا عن الجثة.

عندها فقط فهمت.

لقد وقعت في الفخ.

وهذه المرة...

لم يكن هناك مخرج.

ألكسندر لم يكتفِ بتدميري.

لقد جعلني أبدو كقاتلة.

كنت أتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا دون توقف، كالمجنونة التي فقدت كل ذرة من عقلها. حتى هذه اللحظة، كنت أشعر أنني عالقة داخل كابوس، وأنني سأستيقظ منه في أي لحظة.

قرصت جلدي عدة مرات، ورغم ذلك، لم أستيقظ.

أنا في ورطة كبيرة.

كانت عروق رأسي تخفق بألم، وحتى أعصابي لم تعد تحت سيطرتي؛ فقد بدأ جسدي يرتجف رغماً عني.

ديمتري... لماذا لم يوقفهم؟

فكرت قليلًا في الأمر، ثم خشيت أن يكون قد فعل ذلك عمدًا حتى لا يثير الشبهات، وربما سيخرجني من هنا بعد قليل.

مرت الدقائق كأنها دهر، وسط هذه الجدران التي بدت لي أضيق من المعتاد.

أدرت المقبض، فانفرج الباب، وظهر ديمتري من خلفه.

اندفعت نحوه دون مقدمات.

— علمت أنك ستأتي! هيا، أخرجني من هنا!

رمقني بنظرة استعطاف، ثم استدار وأغلق الباب مجددًا.

حدقت فيه بدهشة.

— ما الذي تفعله؟

تجاهل سؤالي عمدًا، ثم سحب الكرسي وجلس قبل أن يقول:

— تعالي يا روكسينا، اجلسي.

ترددت للحظة، قبل أن أنصاع لأمره وأجلس أمامه.

كانت ملامحه تحمل الكثير من الكلام الذي لم يفصح عنه، وأخيرًا نطق:

— لماذا فعلتِ ذلك؟ لماذا قتلته؟

نظرت إليه غير مصدقة لما أسمعه.

— هل صدقت كلامهم؟ أنا لم أفعل أي شيء! لقد كنت مختطفة عند...

استوقفني قائلًا:

— توقفي عن الإنكار. كل الأدلة تشير إلى أنك الفاعلة.

ضحكت بسخرية مريرة.

— عن أي أدلة تتحدث بحق الجحيم؟ أنا أقول لك إنني كنت مختطفة، وأنت تخبرني أنني الفاعلة؟

تنفس ديمتري بيأس.

— صدقيني، الإنكار لن يفيدك في أي شيء. لذلك اعترفي فقط بجريمتك.

كانت نبرة الصدق التي حملتها كلماته كفيلة بأن تفقدني رباطة جأشي تمامًا.

ضربت الطاولة بكل قوتي، حتى اهتز كل ما فوقها، إلا هو. بقي يحدق بي بالهدوء ذاته الذي أربكني أكثر.

مررت يدي في شعري بفقدان صبر.

— ديمتري، اسمعني أرجوك. أنا لم أقتله! لقد كنت مختطفة عند القاتل مدة شهر كامل، ثم فقدت وعيي واستيقظت ووجدت نفسي هنا، وكان ليام مقتولًا بذلك المسدس!

نهض ديمتري من مكانه، واتجه نحو الباب، ثم نادى العسكري وطلب منه إحضار بعض الأشياء الخاصة بالقضية.

بعد دقائق، عاد العسكري محملًا بالأغراض المطلوبة. أعطاها لديمتري ثم غادر، فعاد ديمتري إلى مقعده.

فتح الحاسوب، وضغط على عدة أزرار، ثم أدار الشاشة نحوي.

في البداية، لم أفهم ما الذي يعرضه مقطع الفيديو.

بقيت أحدق فيه، وكأن الصورة وصلت إلى عقلي بطريقة مشوشة وغير مفهومة.

ثم بدأت أستوعب.

سرت برودة في أطرافي، وكأن أحدهم سحب البساط من تحت قدمي.

تراجعت خطوة إلى الخلف قبل أن أجلس.

اتسعت عيناي وأنا أرى...

روكسينا.

أنا.

أطلقت النار على رئيسها خلف الشاشة.

— هذا مستحيل...

خرجت الجملة من بين شفتي المرتجفتين.

لم يُبدِ ديمتري أي اهتمام بصدمتي، بل أخرج الملف وبدأ يعرض أمامي الأدلة واحدًا تلو الآخر.

مسدسي الذي يحمل بصماتي.

رسالة التهديد التي أُرسلت إلى ليام قبل أيام قليلة.

كل شيء كان ضدي.

هززت رأسي بقوة، رافضة تصديق ما أراه.

انهمرت الدموع من عيني كالشلال، وشعرت بالخوف يمزق خلايا أعصابي إربًا إربًا.

— اللعنة عليكم جميعًا!

صرخت بكل قوتي، ثم بدأت أحطم كل شيء في الغرفة، أفرغ غضبي في الأشياء من حولي، كأن تحطيمها طقس أمارسه للتعبير عن الفوضى التي اجتاحت عقلي.

لم يوقفني ديمتري.

لم يقترب مني حتى.

تركني أواصل فعلتي حتى لم تعد قدماي المرتجفتان قادرتين على حملي.

سقطت على الأرض.

وسقط معي كل شيء.

حياتي.

ذكرياتي.

مهنتي.

سمعتي.

خسرت كل شيء.

انهار العالم من حولي، وكأن الحياة أصرت على تحطيمي، ويبدو أنها نجحت هذه المرة فعلًا.

في تلك اللحظة، خطر ببالي هو.

سيكون طوق نجاتي في هذا البحر، وإلا سأغدو غارقة فيه.

— نادي ماكس... أريد رؤيته.

خرج صوتي متحجرًا، فاقدًا لكل معاني الحياة.

هزّ رأسه بالموافقة، ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:

— سأفعل ذلك، لكن تذكري أنك ستنالين جزاء فعلتك هذه.

بعد مغادرته، أدركت أن ديمتري لم يعد صديقًا أو زميلًا، بل أصبح الموجة التي خدعتني بجمالها قبل أن تغرقني في أعماقها.

لم يتبقَّ سوى شخص واحد.

شخص واحد كان أملي الأخير، وكل ما أتمناه ألا يخيب ظني.

فُتح الباب مرة أخرى، ودخل ماكس بخطوات متلهفة. وقف في مكاني، وتفحصني من رأسي حتى قدميّ، وكأنه لا يصدق أنني أقف أمامه حقًا.

همس لنفسه:

— هل هذه أنتِ حقًا؟

ثم اندفع نحوي وعانقني دون سابق إنذار.

صُدمت بردة فعله أكثر من صدمتي بغدر ديمتري.

وبعد ثوانٍ، ابتعد عني وكأنه أدرك اندفاعه غير المبرر، ثم قال:

— لا أصدق أنك لا تزالين على قيد الحياة... وأنك تعرضتِ للأذى على يد ذلك القاتل.

تأملته بصمت.

كانت عيناه غائرتين، وشعره أشعث على غير عادته، وملامحه تبدو مرهقة أكثر مما رأيتها من قبل.

— هل تصدقني لو...

قاطعني بجواب مباشر:

— سأصدقك.

ثم أضاف بنبرة مطمئنة:

— أنا أعلم أنك لستِ من ارتكبتِ الجريمة.

خرجت من قوقعة حزني وسألته:

— كيف؟

التفت حوله وكأنه يخشى أن يسمعنا أحد.

— هذا لا يهم حاليًا. لا تشغلي بالك به.

ثم سألني:

— لكن لماذا ديمتري لا يصدقك؟

تغيرت ملامح وجهه إلى الضيق بمجرد أن ذكرت اسمه.

— لا تثقي به. هو لم يعد ديمتري الذي نعرفه.

حاولت الاستفسار أكثر، لكنه قاطعني بسؤال:

— لقد كنتِ مختطفة، أليس كذلك؟

— أجل... لكن كيف عرفت ذلك؟

تنهد، ثم قال:

— اسمعي يا روكسينا، هذا ليس وقت طرح الأسئلة. أعدك أنه عندما أخرجك من هنا سأخبرك بكل شيء. اتفقنا؟

هززت رأسي بخفة.

— أنا أثق بك.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— وأنا سأضمن أن أكون عند حسن ثقتكِ.

فتح الباب وغادر بثقة، تاركًا إياي خلفه أتساءل:

هل كانت ثقتي به صائبة؟

أم أنها مجرد خطأ جديد؟

مرت ساعة أخرى، قبل أن جاء رجال الشرطة ونقلوني إلى غرفة أشبه بالزنزانة، بقضبان معدنية ورائحة رطبة خانقة.

لم أجد فيها سوى أرضية خشنة وباردة، واضطررت إلى النوم عليها من شدة الإرهاق والألم والتفكير.

وقبل أن أغفو، تذكرت اعتراف ألكسندر بأنه قاتل عائلتي.

جزء مني لم يصدقه.

وجزء آخر صدقه رغمًا عني.

غرقت في سبات عميق، ولم أفتح عينيّ إلا بعدما سمعت صوت نقر متكرر على قضبان الزنزانة.

فتحت عينيّ، فوجدت عاملة النظافة الأمريكية، السيدة مارفيد.

انتفضت من نومي بسرعة وحاولت الوقوف، لكنني شعرت بدوار مفاجئ بسبب تدفق الدم في جسدي.

بدت العاملة خائفة من شيء ما، وكانت تتلفت خلفها كل بضع ثوانٍ، قبل أن تخرج من جيبها ورقة صغيرة مطوية بعناية، وتمدها نحوي قائلة بتوتر:

— لقد أرسلها لكِ السيد ماكس.

أخذتها مني، ثم اختفت بسرعة البرق خوفًا من أن يراها أحد.

فركت عينيّ بإرهاق، ثم جلست على الأرض وفتحت الورقة.

كانت الرسالة قصيرة:

««روكسينا، لقد قام ديمتري بتحريض المركز ضدك حتى لا يسمحوا لي بزيارتك أو التواصل معك. لذلك أرسلت لكِ هذه الرسالة مع عاملة النظافة. بعد نصف ساعة بالضبط، جهزي نفسكِ كي تهربي من هنا.»»

قرأت الرسالة مرة أخرى.

ثم وجدت في أسفلها جملة قصيرة جعلتني أبتسم رغمًا عني:

««من عبقري الكوارث.»»

ابتسمت بلا إرادة مني بعد قراءة الاسم الأخير، ثم جلست أفكر في الطريقة التي سيخرجني بها ماكس من هنا، وفي الوقت نفسه شعرت بالخوف من الفشل ومن توريطه في مشكلة أكبر.

مرت نصف ساعة.

لم يحدث شيء.

ثم انطفأت الأضواء في أرجاء المركز، ودوّى صوت الإنذار في كل مكان، حتى استطعت سماع أصوات الضجيج والفوضى في الخارج.

انتظرت بضع دقائق أمام الباب، حتى لمحت شخصًا مجهول الملامح يقترب مني، وكانت تصدر من خطواته خشخشة مفاتيح كثيرة.

تراجعت إلى الخلف بخوف.

لكنني هدأت عندما أشعل ضوء مصباحه اليدوي وظهر وجهه.

إنه ماكس.

فتح باب الزنزانة، ثم أشار إليّ أن أتبعه بصمت.

وقبل أن أخرج، أعطاني سترة كبيرة الحجم وقناعًا يغطي رأسي ووجهي.

ارتديتهما بسرعة، ثم بدأنا نسلك الممرات بحذر شديد، نترقب ظهور أي شخص في طريقنا.

اخترنا الممرات الأقل ازدحامًا، مستغلين الفوضى التي عمّت المركز، حتى وصلنا أخيرًا إلى الباب الخلفي.

مدّ ماكس يده نحو المقبض.

لكن قبل أن يهم بالخروج، دوّى صوت صراخ من الجهة الأخرى:

— إنهم يحاولون الهروب!

تجمدنا في مكاننا.

نظر إليّ ماكس بسخط، ثم تمتم:

— اللعنة... لقد كشفونا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة