بداية الجحيم

بداية الجحيم

20 0

استيقظت على برودة قاسية تلامس وجهي.

في البداية، ظننت أنني ملقاة داخل بركة من الماء المثلج.

فتحت جفوني ببطء، لكن العالم ظل يدور حولي بعنف، حتى خُيل إلي أن رأسي سينفجر في أي لحظة.

كانت رقبتي تؤلمني بشدة، على الأرجح بسبب تلك الإبرة التي غُرزت فيها.

شيئًا فشيئًا، بدأت أستعيد توازني.

كل نفس كنت أستنشقه كان يتحول إلى شظية حادة تمزق رئتي، بينما التهم ألم نابض مؤخرة جمجمتي بمجرد أن حاولت تحريك رأسي.

استندت بيدي إلى الفراش، ونهضت بجذعي بصعوبة.

تنفست بسرعة...

وأخيرًا بدأ الخدر يغادر أطرافي.

أنزلت قدمي على سجادة كلاسيكية ذات وبر ناعم، ثم التفت أتأمل السرير الذي كنت نائمة عليه.

كان فراشًا حريريًا فاخرًا، تغطيه ملاءة طويلة تنسدل حتى الأرض، تعلوه وسائد منتفخة رُتبت بعناية مبالغ فيها.

توقفت في منتصف خطوتي.

كانت الغرفة واسعة، أنيقة، وكل تفصيل فيها يصرخ بالثراء والذوق الرفيع.

لكن أكثر ما لفت انتباهي هو اللون الأسود الذي طغى على كل شيء؛ الجدران، والأثاث، والستائر، وحتى تفاصيل الديكور الصغيرة.

لم أصدق ما أراه.

هذا ليس مكانًا يُحتجز فيه شخص...

بل جناح كامل.

والأغرب...

أن وجودي في غرفة كهذه كان أكثر رعبًا من وجودي في قبو مظلم.

واصلت التجول بنظري.

رأيت أريكة صغيرة ذات تصميم عصري، وأمامها طاولة خشبية أنيقة تتزين حوافها بخطوط ذهبية، وُضع فوقها مصباح مزخرف بنقوش زهرية، وإلى جانبه كأس ماء بدا وكأنه وُضع قبل لحظات.

انتقلت عيناي إلى الباب المغلق، أتأمله بريبة، ثم إلى الأرضية اللامعة التي انعكس عليها الضوء كنجوم متناثرة في عتمة الليل.

أين أنا بحق الجحيم؟

بدأت أشك للحظة...

هل أنا حقًا مختطفة؟

في تلك اللحظة دغدغ أنفي عطر غريب...

مزيج من رائحة الدخان، والخشب العتيق...

والخوف.

فجأة...

سمعت وقع خطوات ثقيلة تقترب من الباب.

تجمد الدم في عروقي.

لم أعد أعرف ما الذي ينبغي علي فعله.

وفي لحظة يأس، قررت أن أعود إلى الفراش وأتظاهر بأنني ما زلت نائمة.

وبالفعل، استلقيت بالوضعية نفسها، لكن دقات قلبي كانت تفضحني، تصرخ برعب داخل صدري.

انفتح الباب ببطء...

وتسللت منه الرائحة نفسها، أقوى هذه المرة، حتى شعرت بأنها تخنق أنفاسي.

كنت أحاول جاهدًة السيطرة على ارتجاف جسدي، وأمنع جفني من الاهتزاز.

بدأ العرق يتجمع فوق جبيني.

أغلق الباب خلفه بهدوء...

ثم أخذت خطواته تقترب من سريري ببطء قاتل.

في كل ثانية...

كنت أموت ألف مرة.

وحين خيم ظله فوقي، أيقنت أن نهايتي قد حانت.

أغمضت عيني بإحكام...

وانتظرت اللحظة التي سيغرس فيها السكين في قلبي.

واحدة...

اثنتان...

ثلاث...

لكن...

لم يحدث شيء.

لحظة...

لماذا أشعر بالارتياح لأنه لم يقتلني؟

لا...

هذا أسوأ.

إن لم يقتلني، فلا بد أنه يخطط لشيء أشد قسوة.

تدافعت تلك الأفكار داخل رأسي حتى شعرت أنها ستفقدني صوابي.

ثم...

ابتعد الظل.

وخيم صمت ثقيل.

هل خرج؟

أم أنه ينتظر اللحظة المناسبة لينقض علي؟

وفجأة...

قال بصوت هادئ أربكني أكثر من الصراخ:

— أنتِ الأسوأ في التمثيل يا مخادعتي.

لعنة...

لقد كشفني.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحت عيني ببطء.

كان جالسًا على الأريكة المقابلة، يحتسي كأس الماء ببطء مستفز.

يغطي وجهه ذلك القناع نفسه الذي رأيته في الحفل، ويرتدي ملابس سوداء بالكامل، حتى قفازاه كانا بلون الليل.

كل شيء فيه أسود...

وكأن الظلام نفسه قد اتخذ هيئة إنسان.

تأملته بصمت.

كان سؤال واحد يدور في رأسي:

من أنت؟

همهم ساخرًا، وكأنه قرأ أفكاري.

— أظن أن سؤالًا غبيًا كهذا لا يليق بامرأة ذكية مثلك... لكن لا بأس، سأشبع فضولك.

نهض من مكانه.

تراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي.

راقب حركتي، ثم ارتسمت ابتسامة خافتة أسفل القناع.

— لا تقلقي... لا أنوي قتلك.

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة باردة:

— ليس اليوم... على الأقل.

تحولت سخريته في لحظة إلى برود جليدي.

وقال:

— أنا غريب يا مخادعتي... كابوسك الذي أصبح حقيقة... الوحش في قصتك... أو، إن أردتِ وصفًا ألطف، مراقب متطفل.

أنهى جملته بضحكة قصيرة، وكأنه يستمتع برؤية الخوف يخطف ملامحي.

ثم أردف باستهزاء:

— هيا عزيزتي، لا تكوني خائفة مني... فبعد قليل ستصبحين شريكتي في هذا الجنون.

ابتلعت خوفي، وتصنعت الشجاعة.

— ما هذا الهراء الذي تتفوه به أيها الحقير؟

في لمح البصر...

وجدته أمامي.

أمسك بوجهي، وضغط على فكي بقوة حتى شعرت أن عظامه ستتحطم.

قال بصوت يحمل غضبًا مكتومًا:

— لا تدعيني أقطع لسانك المتمرد.

زاد ضغطه، ثم همس:

— أتصارع مع شياطيني كل ثانية... كي لا أفصل رأسك عن جسدك.

لا أعلم من أين جاءتني تلك الجرأة...

لكنني قلت، بصعوبة بسبب قبضته:

— أتظن أنني خائفة منك؟

أنت تحلم يا غريب.

اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تلامس أذني.

ثم همس بصوت جعل القشعريرة تسري في جسدي:

— الخوف لغة الجبناء...

وأنتِ بدأتِ تتحدثينها منذ اللحظة التي التقيتِ فيها بي.

دفعني بعنف إلى الخلف، ثم عاد إلى الأريكة وكأن شيئًا لم يحدث.

بدأ يفك الضماد الملفوف حول يده، في المكان الذي طعنته فيه سابقًا.

ثم أدخل يده في جيبه، وأخرج مشرطًا صغيرًا انعكس بريق نصله تحت الضوء.

مده نحوي.

وقال بتحدٍّ بارد:

— هيا...

اقتليني.

أريني أنكِ لستِ خائفة، يا روكسينا.

تجمدت في مكاني.

لكنني سرعان ما تماسكت.

قد تكون هذه فرصتي الوحيدة للنجاة.

ولن أضيعها.نهضت ببطء، وأحكمت قبضتي حول المشرط الذي ما زال يرتجف بين أصابعي.

أما هو...

فاكتفى بإمالة رأسه نحوي، وكأنه ينتظر عرضًا مسليًا.

قال بنبرة يملؤها الملل:

— هيا يا مخادعتي... لا تجعليني أشعر بالملل.

تقدمت نحوه بخطوات حذرة.

كنت أعلم أن فرصة كهذه قد لا تتكرر.

إن نجحت...

سأنجو.

وإن فشلت...

فلن أخرج من هنا حية.

صرخت في داخلي، ثم اندفعت بكل ما أملك من قوة، موجهة المشرط نحو عنقه.

لكن...

كانت حركتي غبية بما يكفي.

في أقل من ثانية، أمسك بمعصمي، ولوى ذراعي خلف ظهري بعنف حتى شعرت بأن كتفي أوشك على الانخلاع.

أفلت المشرط من يدي، وارتطم بالأرض بصوت معدني حاد.

لم يبدُ عليه أي انفعال.

بل هز رأسه بخيبة أمل، وكأنني خذلته.

ثم قال بهدوء:

— القانون الأول في هذه الحياة، عزيزتي...

توقف لحظة، ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى عيني:

— لا تمنحي عدوك ما يريده.

وفي اللحظة التالية...

دفعني بقوة.

ارتطم وجهي بالأرض، وشعرت بشق صغير يتكون في خدي.

تأوهت من الألم، لكنني لم أستسلم.

زحفت بسرعة نحو الباب.

كدت ألامس المقبض...

لكن يده انغرست في شعري.

شدني بعنف حتى عدت إلى المكان الذي كنت فيه قبل لحظات.

حبس أنفاسي الألم.

رفع رأسي من شعري، وأجبرني على النظر إليه.

كانت عيناه ثابتتين...

باردتين...

تجردانني من أي شعور بالأمان.

للحظة...

شعرت أن روحي ستُنتزع من جسدي قبل أن ينطق بكلمة واحدة.

فتح فمه ليتحدث...

لكن رنين هاتفه قطعه.

أطلق زفرة ضيق، ثم ترك شعري.

توجه نحو أحد الأدراج، وأخرج منه حبلًا رفيعًا.

اقترب مني مجددًا، وأمسك بمعصمي بقوة، ثم ربطهما بإحكام في قاعدة السرير، متجاهلًا محاولاتي المستميتة للتخلص منه.

انتهى من عقد آخر رباط، ثم اعتدل في وقفته.

اتجه نحو الباب.

وقبل أن يخرج، استدار نحوي وقال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل تهديدًا يكفي لشل جسدي:

— إياكِ أن تفكري في الهرب...

لأنني سأكون ظلك أينما ذهبتِ، يا روكسينا.

ثم خرج.

انغلق الباب خلفه.

وتردد صوت المفتاح وهو يدور في القفل من الخارج.

عندها فقط...

أدركت أنني أصبحت وحيدة.بعد خروجه، بقيت مقيدة لدقائق.

حاولت مرة تلو الأخرى فك الحبال، لكن كل محاولة كانت تنتهي بالفشل.

بدأ الدم يحتبس في معصمي، وتحول الوخز إلى ألم حارق يزداد مع كل ثانية.

وأثناء محاولاتي...

وقعت عيناي على المشرط الملقى بجوار الأريكة.

كان الشيء الوحيد القادر على إنقاذي...

لكنه بعيد.

زحفت على الأرض ببطء، أجر جسدي بصعوبة حتى وصلت إليه.

مددت أصابعي المرتجفة، والتقطته أخيرًا.

ألقيت نظرة متوجسة نحو الباب، ثم بدأت أقطع الحبال.

وما إن تحررت، حتى شعرت بالدم يعود ليتدفق في يدي من جديد.

يجب أن أهرب...

الآن.

قبل أن يعود.

لكن...

من أين؟

لا توجد نافذة، والباب مغلق من الخارج.

وبينما كنت أبحث بعيني في أنحاء الغرفة، وقع بصري على باب صغير في أحد الأركان، لم ألحظه من قبل.

أسرعت نحوه.

فتحته...

فوجدت حمامًا واسعًا، يضم حوض استحمام، ومرحاضًا، بالإضافة إلى منتجات العناية التي اعتدت استخدامها في روتيني اليومي.

انعقد حاجباي بدهشة.

حتى هنا...

يعاملني وكأنني ضيفة!

لكنني ابتلعت دهشتي سريعًا.

رفعت رأسي، فاستقرت عيناي على فتحة تهوية صغيرة.

لمعت في رأسي فكرة.

أغلقت باب الحمام، وأسندته بعصا المكنسة، ثم سحبت الكرسي الصغير وصعدت فوقه حتى وصلت إلى فتحة التهوية.

بدأت أفك البراغي بالمشرط.

لكن نصله كان أعرض من فتحاتها.

قفزت إلى الأرض بسرعة.

وضعت المشرط فوق غطاء المرحاض الحجري، وأخذت أطرق عليه عدة مرات حتى أصبح طرفه أرفع.

عدت إلى فتحة التهوية.

وهذه المرة...

بدأت البراغي تستجيب.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهي.

وأخيرًا...

نجحت.

لكن فرحتي لم تدم سوى لحظات.

سمعت صوت المفتاح يدور في قفل الباب.

تجمدت في مكاني.

ثم دوى صوته في الغرفة:

— روكسينا!

قفزت إلى فتحة التهوية دون تردد، وزحفت داخلها بكل ما أملك من قوة.

وفي اللحظة التي عبرت فيها...

دوى صوت تحطم باب الحمام خلفي.

خرجت فوق سطح المنزل.

كان منزلًا ضخمًا، تحيط به غابة كثيفة، أشجارها العملاقة تبتلع الضوء، حتى بدا الليل أكثر سوادًا من المعتاد.

تزحلقت بحذر على حافة السطح، وتمسكت بإحدى الشرفات حتى هبطت إلى الأرض.

حينها فقط أدركت أنني حافية القدمين.

كانت البرودة تنهش أطرافي.

لكن لم يكن لدي وقت للتذمر.

انطلقت أركض بين الأشجار، غير آبهة بالألم الذي بدأ يمزق أسفل قدمي.

ركضت...

وركضت...

حتى ابتعد المنزل عشرات الأمتار.

وفجأة...

تردد صوته بين الأشجار، كأنه قادم من كل الاتجاهات.

— اركضي... اركضي يا مخادعتي... ودعينا نلعب لعبة الغميضة.

تجمد قلبي.

لكنني أجبرت نفسي على الركض من جديد.

كانت رئتاي تحترقان، وقدماي تكادان تعجزان عن حملي.

تعثرت بغصن بارز.

وسقطت بقوة.

شعرت بألم حاد في فخذي.

نظرت إليه...

كان ينزف.

مزقت جزءًا من قميصي، وربطت به الجرح بسرعة، ثم نهضت وأكملت الركض، وإن كان بخطوات أبطأ بسبب إصابتي.

وبعد وقت بدا لي كأنه دهر...

خرجت إلى طريق معبد.

كان خاليًا تمامًا.

جلست ألهث، أراقب الأفق، وأتمنى مرور أي سيارة.

بدأ الوهن يسيطر على جسدي.

وللحظة...

ظننت أنني نجوت.

ثم...

ظهر ضوء سيارة يقترب.

نهضت بسرعة، ولوحت بكلتا يدي وأنا أصرخ:

— أرجوك! النجدة! توقف!

ضغط السائق على المكابح بقوة، وتوقفت السيارة.

ترجل منها بتردد، وقال بارتباك:

— من أنتِ؟ ماذا حدث؟

وقبل أن يكمل سؤاله...

دوى صوت طلقة.

اخترقت الرصاصة جمجمته.

تهشم وجهه أمام عيني، وسقط جسده بلا حراك.

تجمدت في مكاني.

شعرت بأن الدم قد تجمد في عروقي.

وحينها فقط...

أدركت أنني كنت مخطئة عندما ظننت أنني نجوت.

لأنه، كما يبدو...

فالنجاة الوحيدة من هذه الغابة...

هي الموت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة