لا أعلم كم مرّ من الوقت وأنا محبوسة هنا، لكنني بدأت أفقد آخر مخزون من الأنفاس أملكه.
ربما كنت محظوظة لأن تلك الأفعى لم تؤذني...
لكن غريب سيفعل ذلك حتمًا.
تدريجيًا، شعرت بعقلي يفقد وعيه، ويستعد للدخول في غيبوبة لا عودة منها.
اسودّ العالم من حولي، واستسلمت للظلام الذي ابتلعني بعيدًا.
***
استيقظت بفزع، ألهث كمن كان يغرق في بركة ماء.
صرخت بهلع:
«أخرجوني من هنا... أرجوكم، افعلوا شيئًا!»
بدأت أضرب بيدي كل ما حولي بجنون، أو هكذا اعتقدت، حتى لامست أصابعي الفراغ.
ما زال شعور الاختناق عالقًا في حلقي، لكنه أصبح أقل حدة.
كنت أشعر وكأن ألواح التابوت لا تزال تطبق على صدري، رغم أنها لم تعد موجودة.
فتحت عيني المرتجفتين، ووضعت يدي على عنقي أتمتم لنفسي:
«أنا لست هناك... أنا لست هناك... لقد نجوت.»
كان جلدي يحترق لمجرد تذكر ملمس تلك الأفعى العملاقة وهي تزحف فوق جسدي.
حدقت في السقف طويلًا، غير مصدقة أنني ما زلت على قيد الحياة.
أغمضت عيني للحظة...
فرأيت أنياب الأفعى تنغرس في عنقي.
انتفضت من مكاني صارخة:
«ابتعدي عني!»
فتحت عيني بسرعة...
لكن لم يكن هناك شيء.
بعد كل ما حدث...
أصبحت سجينة مخاوفي.
لم أكن وحدي في الغرفة.
كانت هناك أنفاس أخرى تتردد بين الجدران.
حركت عيني نحو الأريكة.
وكما توقعت...
كان يجلس هناك، يشاهد صراعي مع نفسي بنشوة.
أكاد أجزم أنني أرى ابتسامته تمتد من أذن إلى أخرى أسفل ذلك القناع.
رفع يده ولوّح بها ساخرًا، وكأنه يرحب بي.
رمقته بنظرة اشمئزاز.
ورغم خوفي منه، إلا أن كرهي له كان أقوى.
قال بنبرة هادئة:
«لم أتوقع أن تصمدي كل ذلك الوقت... لقد فاجأتِني يا مخادعتي.»
تأمل ملامحي لثوانٍ، ثم أردف باستغراب مصطنع:
«ألم يعجبك التابوت؟»
حاولت التحدث، لكن الكلمات خانتني.
ابتسم بخبث وقال:
«ما بك؟ هل أكل الثعبان لسانك؟»
ابتلعت ريقي، ثم قلت بين أنفاسي المتقطعة:
«هل ظننت أن حبسي في ذلك التابوت سيجعلني أخاف منك؟... بل جعلني أشفق عليك.»
أطلق صفيرًا قصيرًا، بدا وكأنه استمتع بإجابتي.
ثم قال:
«صدقيني... لا أحد يستحق الشفقة أكثر منك في الأيام القادمة.»
أشار إلى الطاولة بجانب السرير.
«والآن، توقفي عن الثرثرة، وتناولي طعامك قبل أن تموتي جوعًا.»
التفتُّ إلى الصينية الموضوعة فوق الطاولة، وكانت أبخرة الطعام لا تزال تتصاعد منها.
هذه المرة...
لم أفكر في قلبها كما فعلت سابقًا.
فعصيان معدتي لم يعد يسمح لي بذلك.
جلست بصمت، وأخذت بضع لقيمات.
لكنني توقفت بعدما شعرت بانزعاج من نظراته الثابتة.
رفعت رأسي وقلت بضيق:
«هل يمكنك التوقف عن التحديق بي، من فضلك؟»
رفع أحد حاجبيه وقال ساخرًا:
«ومن أين جاء كل هذا الأدب؟»
ثم نهض من مكانه وأضاف:
«على كل حال... سأغادر الآن. ارتاحي، وسيكون لقاؤنا عند الثالثة فجرًا. لنرَ ما سيكون عقابك التالي.»
استدار متجهًا نحو الباب.
فتحه، ثم خرج بهدوء
بقيت محبوسة بين تلك الجدران طوال الوقت، أفكر في خطة جديدة بعيدًا عن محاولات الهرب الفاشلة.
ولكي أصفّي ذهني، دخلت إلى الحمام لأستحم وأريح أعصابي قليلًا.
لفتت انتباهي خزانة كبيرة في الغرفة الجديدة. فتحت بابيها، فوجدتها مليئة بملابس قطنية كثيرة، وكانت جميعها تناسب مقاسي تمامًا، وكأنها صُنعت خصيصًا من أجلي.
أخرجت بنطال جينز مريحًا مع قميص خفيف وارتديتهما.
وحين فتحت الأدراج، عثرت على مجفف شعر إلى جانب الكثير من منتجات العناية التي لا أستغني عنها في حياتي... بل كانت بنفس الماركات التي أستخدمها.
شعرت بفضول شديد.
كيف عرف كل هذه التفاصيل الدقيقة عني؟
لكن... ماذا كنت سأتوقع من مختل مثله؟
جففت شعري، ثم جلست على السرير، أرسم في عقلي ملامح خطة جديدة، إلا أنني لم أتوصل إلى شيء واضح.
في النهاية، قررت أن أواجه الأمر كما هو.
لن أسمح له بالسيطرة علي.
غرقت بعدها في غفوة ثقيلة أراحت كل جزء من جسدي وعقلي، حتى أستطيع مواجهة كابوس هذا اليوم.
***
عندما بدأت أنتظر الساعة المحددة، لم يكن الخوف يسيطر عليّ بنفس القوة التي شعرت بها في المرة السابقة.
بل...
ولأول مرة، أحسست بحماس غريب... حماس مجنون.
وصلت الساعة الثالثة فجراً تمامًا.
انزلقت ورقة صغيرة من أسفل الباب.
التقطتها بسرعة، وقرأت ما كُتب فيها:
«المصباح موجود داخل الخزانة.»
أحضرت المصباح، وما إن أطفأت أنوار الغرفة حتى ابتلع الظلام المكان بأكمله.
وفي اللحظة نفسها...
انفتح الباب.
خرجت بثقة أكبر هذه المرة.
كان أول مكان بحثت فيه غرفة صغيرة مليئة بالخردة.
لم أفهم سبب وجودها أصلًا، لكنني فتشتها بالكامل، واستغرق ذلك مني وقتًا طويلًا.
خرجت منها بخيبة أمل.
لا قطعة.
دخلت غرفة أخرى...
وفشلت مجددًا.
بدأ الخوف يتسلل إلى صدري كلما تذكرت العقاب الذي ينتظرني إن خسرت.
ورغم ترددي، واصلت البحث.
كان هناك شيء في داخلي يخبرني أنني أصبحت قريبة.
سرت في الممر الطويل حتى وصلت إلى نهايته.
كان هناك باب مغلق.
بعد عدة محاولات، تمكنت من فتحه.
ما إن دخلت حتى تجمدت في مكاني.
عشرات اللوحات المعلقة بإطارات ذهبية مزخرفة.
تحف قديمة.
ودمى خشبية مصنوعة بإتقان مخيف.
وكأنني دخلت مكانًا لم يكن ينبغي لأحد أن يدخله.
جثوت على ركبتي، وبدأت أقلب الدمى واحدة تلو الأخرى.
بعضها كانت تفوح منه رائحة دخان قديم، وبعضها الآخر رُسمت على أذرعه وشوم غريبة.
وقفت مجددًا، وأخذت أتأمل اللوحات.
طريقة تعليقها لم تُشعرني بالراحة.
على عكس الدمى، لم تكن مرتبة بالطريقة نفسها.
أسندت المصباح إلى إحدى الدمى ليضيء الغرفة إضاءة خافتة.
ثم أنزلت جميع اللوحات إلى الأرض، وبدأت أفتش خلفها.
وفجأة...
عثرت على مفتاح خشبي صغير.
حدقت فيه باستغراب.
ما الذي سأفعله بهذا؟
فكرت لثوانٍ.
ثم عدت أبحث بين الدمى حتى وجدت دمية خشبية يتوسط بطنها ثقب صغير.
أدخلت المفتاح داخله.
استدار ببطء...
ثم انفتح باب صغير في بطن الدمية.
وفي الداخل...
كانت القطعة المفقودة.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت صافرة انتهاء الوقت.
أطلقت زفرة ارتياح طويلة.
شعرت وكأن الحياة عادت إلى داخلي من جديد.
على الأقل...
لقد نجوت من عقاب هذا اليوم.
***
انفتح الباب.
دخل غريب بخطوات واثقة، وقال بنبرة ساخرة:
ـ يبدو أنه لا يوجد عقاب لهذا اليوم... مع الأسف.
رمقته بنظرة انتصار وقلت:
ـ يبدو أنك بدأت تفهمني متأخرًا... أفعالي لا يتوقعها أحد يا غريب.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ معك حق...
ثم أردف بنبرة غامضة:
ـ أنتم البشر كذلك.
عقدت حاجبي باستغراب وقلت:
ـ هل أنت... بشري أصلًا؟
اتسعت ابتسامته أسفل القناع، ثم قال بهدوء:
ـ ربما.
أخرج منديلاً حريريًا، وربطه حول عيني ليحجب عني الرؤية.
وقال وهو يشد العقدة برفق:
ـ يجب ألا تعتاد عيناك رؤية هذا المكان... لا أريد أن تتأذى عيناك الجميلتان.
ثم أمسك بذراعي، وبدأ يقودني حتى أعادني إلى غرفتي.
وقبل أن يغادر...
استوقفته.
قلت ببراءة مصطنعة:
ـ هل يمكنني أن أطلب طلبًا... بمناسبة نجاحي هذه المرة؟
توقف لثوانٍ، ثم استدار نحوي.
ـ وما هو؟
قلت بهدوء:
ـ أريد ساعة... فيها توقيت.
ظل صامتًا للحظة، وكأنه يزن الأمر في عقله.
ثم هز رأسه قائلًا:
ـ سأحضرها لك غدًا.
توالت الأيام التالية ببطء، حتى فقدت قدرتي على التمييز بين الليل والنهار.
أحيانًا كنت أجلس تحت الماء في الحمام لساعات، أتركه ينساب فوق رأسي بينما أغرق في أفكاري.
يا ترى... هل خرج ماكس من المستشفى؟
وكيف سيكون وقع خبر اختفائي المفاجئ عليه؟
ونفس الشيء بالنسبة لأوليفيا...
لا بد أنها تقضي لياليها تبحث عن أي أثر يقودها إليّ.
لقد كنت أعيش حياة جميلة...
لكنني لم أدرك قيمتها إلا بعد أن حُبست بين هذه الجدران.
آكل...
أنام...
ثم ألعب.
كان ذلك روتيني خلال اليومين اللذين مرا.
وبأعجوبة، تمكنت من العثور على قطعتين جديدتين.
شيئًا فشيئًا، بدأت أفهم قواعد اللعبة، وأحفظ زوايا هذا المنزل وممراته.
أما غريب...
فقد أوفى بوعده، وأحضر لي تلك الساعة الرقمية.
أصبحت أستخدمها لحساب الوقت أثناء البحث عن القطع، حتى لا يسرقني الذعر كما حدث في البداية.
وفي كل مرة أنجو فيها...
كنت أرى في عينيه شيئًا غريبًا.
لم يكن انزعاجًا...
بل كان وعدًا صامتًا بهلاك قادم.
ربما أستطيع النجاة مرة...
أو مرتين...
لكنني لن أصمد طويلًا إن بقيت سجينة الكوابيس التي يصنعها خيالي.
كان كل نجاح أحققه يمنحني أملًا زائفًا جديدًا...
وفي المقابل، كانت اللعبة تصبح أكثر قسوة، والمهام أكثر صعوبة.جاء اليوم الخامس...
وكنت أعتقد أنني سأنجح كما في اليومين السابقين.
لكن هذه المرة...
لم أجد شيئًا.
انتهى الوقت، وانطلقت صافرة الخسارة، لتسقط معها آخر ذرة أمل كنت أتشبث بها.
عاد ذلك الشعور الذي رافقني في اليوم الأول.
ذلك الضيق الذي يطبق على صدري كلما تذكرت أن غريب هو من سيختار عقابي القادم.
كنت أسير خلفه وعيناي معصوبتان، بينما يقودني عبر ممرات المنزل بصمت.
لماذا أشعر بهذا الاختناق؟
لماذا يخبرني قلبي أن ما ينتظرني أسوأ من كل ما سبق؟
بعد دقائق توقف.
فك العصابة عن عيني.
رفعت رأسي ببطء...
فتجمدت في مكاني.
كانت غرفة غريبة تحيط بها جدران زجاجية من كل الجهات.
تأملت المكان باستغراب.
ما هذا؟
قبل أن أجد إجابة...
تحولت الجدران الزجاجية فجأة إلى لون أبيض ناصع.
انتفض قلبي بعنف.
شعور ثقيل تسلل إلى صدري دون سبب مفهوم.
وفي اللحظة التالية...
اشتعلت النيران.
لم تكن نارًا عادية...
بل كانت تلتهم الجدران من كل جانب وكأنها تبحث عني.
تسللت رائحة الدخان إلى رئتي كسم بطيء.
اختنقت.
سقطت على ركبتي، وأحطت عنقي بيدي، أحاول التقاط أي نفس.
لكن الهواء...
اختفى.
امتدت ألسنة اللهب نحوي، حتى شعرت بحرارتها تلسع بشرتي.
وفجأة...
انفجرت الذكريات.
صرخات...
بكاء...
خشب ينهار...
وجثث ملقاة وسط اللهب.
كان المشهد ضبابيًا، لكنه بدا مألوفًا بطريقة مرعبة.
وسط كل ذلك...
سمعت صوت طفلة.
كانت تصرخ بلا توقف.
صوتها كان يزداد وضوحًا مع كل ثانية.
«بابا... أنقذني... أرجوك...»
اتسعت عيناي.
ذلك الصوت...
كان صوتي أنا.
وضعت يدي على رأسي بقوة، أضربه بجنون.
ـ توقفي... توقفي!
لكن الصرخات لم تتوقف.
بل أصبحت أعلى.
أغمضت عيني بقوة.
وحين فتحتهما...
رأيتها.
امرأة تقف وسط النيران.
ملامحها لم تكن غريبة عني...
بل كانت تشبهني إلى حدٍ أرعبني.
مدّت يدها نحوي...
ثم ابتلعتها ألسنة اللهب.
انهارت قواي تمامًا.
تراقصت النيران أمام عيني، حتى لم أعد أميز بين الماضي والحاضر.
كل شيء كان يحترق...
المنزل...
الذكريات...
وروحي.
لم أتخيل يومًا...
أن تكون نهايتي داخل النار نفسها التي ظلّت تحرقني طوال حياتي.
____________________________________________
اريد ارائكم في هذا الفصل وتوقعاتكم.
aya