كان الليل قد حلّ على المدينة عندما توقفت سيارة آدم أمام مبنى إدارة الأمن الجنائي.
لم يتحدث أحد طوال الطريق.
ظل الدفتر الصغير موضوعًا فوق لوحة القيادة، بينما كان آدم يعيد في ذهنه الاسم الخامس الذي ظهر بالحبر السري.
كان يعلم أن أي خطوة خاطئة قد تدفع منظمة الغراب الأسود إلى التخلص من أحد رجالها قبل أن يتمكن من استجوابه.
نظر يوسف إليه وقال:
- "إلى متى ستبقينا في حيرة؟"
تنهد آدم.
- "حتى أتأكد."
دخل الثلاثة إلى مكتب التحقيقات.
أغلق آدم الباب بنفسه، ثم أخرج الدفتر ووضعه على الطاولة.
قال:
- "الأسماء الأربعة الأولى لا توجد عنها معلومات كافية، لكن الاسم الخامس موجود في قاعدة بيانات الشرطة."
رفع سامر نظره.
- "من هو؟"
قلب آدم الصفحة ببطء.
ثم قال:
- "الرائد... عادل نجيب."
ساد الصمت.
كان الاسم معروفًا داخل الإدارة.
ضابط يتمتع بسمعة ممتازة، ويعمل منذ أكثر من عشرين عامًا في قسم مكافحة التهريب.
قال يوسف بدهشة:
- "مستحيل... الجميع يشهد له بالنزاهة."
رد آدم:
- "وهذا ما يجعله أخطر."
---
في صباح اليوم التالي...
بدأ آدم مراقبة الرائد عادل دون علمه.
لم يستخدم سيارات الشرطة.
استأجر سيارة مدنية قديمة حتى لا يلفت الانتباه.
جلس يوسف بجانبه يحمل كاميرا صغيرة.
بينما كان سامر يتابع تحركات الرائد من غرفة العمليات.
خرج عادل من منزله في تمام الثامنة صباحًا.
توجه إلى مقر عمله.
أنهى اجتماعاته المعتادة.
ثم، على غير عادته، غادر قبل انتهاء الدوام.
قال يوسف:
- "إلى أين يذهب؟"
ابتسم آدم.
- "هذا ما سنعرفه."
---
قاد الرائد عادل سيارته إلى حي صناعي قديم في أطراف المدينة.
كان المكان شبه خالٍ.
توقفت السيارة أمام ورشة لتصليح المعدات الثقيلة.
لم ينزل عادل مباشرة.
ظل جالسًا داخل السيارة ينظر حوله وكأنه يتأكد من عدم مراقبته.
بعد دقائق، نزل رجل آخر من الورشة.
كان يرتدي قبعة سوداء ونظارة شمسية رغم أن الشمس كانت قد بدأت بالغروب.
صافح عادل بسرعة.
ثم سلّمه حقيبة سوداء.
التقط يوسف عدة صور.
قال بحماس:
- "لدينا دليل."
لكن آدم لم يتحرك.
ظل يراقب الرجل الثاني.
قال:
- "هذا ليس مجرد لقاء."
فتح الرجل الحقيبة.
أخرج منها ملفًا أحمر.
تجمد آدم.
همس:
- "الملف الأحمر..."
هو نفسه الذي ذكره خالد منصور في شريط التسجيل.
---
قرر آدم عدم التدخل.
قال يوسف باستغراب:
- "لن نقبض عليه؟"
هز آدم رأسه.
- "إذا قبضنا عليه الآن... فلن نعرف إلى أين سيذهب الملف."
تابعوا السيارة من مسافة بعيدة.
بعد نصف ساعة، دخل الرائد عادل مبنى مهجورًا كان في السابق مصنعًا للنسيج.
أوقف آدم السيارة بعيدًا.
وقال:
- "سندخل من الخلف."
---
كان المصنع مظلمًا.
تسلل الثلاثة عبر نافذة مكسورة.
سمعوا أصوات حديث قادمة من الطابق الثاني.
صعدوا الدرج الحديدي ببطء.
اقترب آدم من الباب.
سمع صوت الرائد عادل يقول:
- "لقد بدأت أشك أن آدم اقترب منا أكثر مما ينبغي."
جاءه صوت آخر لم يتعرف عليه.
- "لا تقلق... قريبًا سينتهي كل شيء."
أخرج آدم هاتفه وسجل الحديث.
ثم ألقى نظرة سريعة من فتحة الباب.
كان الرائد عادل يجلس مع ثلاثة رجال.
لكن الشخص الرابع...
كان يجلس وظهره إلى الباب.
لم يظهر وجهه.
قال الرجل الغامض:
- "وماذا عن سامر؟"
أجاب عادل:
- "لا يزال يصدق أنه يحقق في القضية."
ابتسم الرجل.
- "دعه يصدق ذلك."
شعر آدم أن الكلمات تحمل معنى أخطر مما تبدو.
---
وقبل أن ينسحبوا...
أصدر يوسف، دون قصد، صوتًا بعدما اصطدمت قدمه بقطعة حديد.
ساد الصمت داخل الغرفة.
ثم دوى صوت الرجل الغامض:
- "هناك أحد بالخارج."
قفز آدم إلى الخلف.
وفي اللحظة التالية...
انفتح الباب بعنف.
خرج رجال المنظمة بأسلحتهم.
صرخ سامر:
- "اركضوا!"
بدأت مطاردة عنيفة داخل المصنع.
كانت الممرات ضيقة ومليئة بالآلات الصدئة.
قفز آدم فوق سير ناقل قديم.
بينما أغلق يوسف أحد الأبواب خلفهم ليعطل المطاردين.
لكن الرائد عادل لم يطاردهم.
وقف في مكانه وهو يبتسم.
ثم قال للرجل الغامض:
- "لقد رأوه."
ابتسم الرجل بهدوء.
- "وهذا ما أردناه."
---
نجح آدم ورفيقاه في الهروب.
لكن أثناء عودتهم إلى السيارة...
لاحظ آدم شيئًا غريبًا.
كانت هناك ورقة مطوية عالقة أسفل ماسحة الزجاج الأمامية.
فتحها بحذر.
كانت تحتوي على جملة واحدة فقط:
"إذا أردت معرفة الحقيقة... فاسأل والدك لماذا اختفى قبل خمسة عشر عامًا."
تغيرت ملامح آدم.
رفع الورقة ببطء.
وقال بصوت خافت:
- "والدي... لم يختفِ."
نظر إليه المفوض سامر بصمت...
ثم قال الجملة التي قلبت كل ما عرفه آدم:
"بل اختفى... لأنني أنا من طلبت منه أن يختفي."
تجمد آدم في مكانه.
لم يعد يسمع شيئًا.
كان يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه.
أدرك أن القضية لم تعد مجرد منظمة إجرامية...
بل أصبحت مرتبطة بعائلته منذ البداية.
نهاية الفصل العشرون
محمد احمد سيف