بدأت نورين تقرأ الصفحة الأولى بفضول، وقد توقعت أن تجد بين السطور أسرارًا مظلمة أو اعترافات تخفيها صاحبة هذا الجناح منذ سنوات. لكنها فوجئت بشيء مختلف تمامًا؛ لم تكن الكلمات الأولى تحمل أي شيء استثنائي، كانت مجرد تفاصيل فتاة في السابعة عشرة من عمرها تنتمي إلى واحدة من أعرق العائلات في المملكة، وتبدو حياتها من خلال ما كتبته أكثر اعتيادية مما توقعت.
قلبت الصفحة، ثم بدأت القراءة:
اليوم السابع من شهر إيلارا، عام مائة وأربعة وعشرين من التقويم الملكي:
«اليوم انتهى درس العزف قبل موعده بقليل، ولأول مرة منذ أسابيع لم أخطئ في عزف المقطوعة التي أكرهها. لا أعرف لماذا يصر معلمي على أنني يجب أن أتقنها، مع أنني أخبرته مرارًا أنني أفضل المقطوعات الهادئة. قال إن ذوقي في الموسيقى يفتقر إلى الانضباط... وأنا أعتقد أن ذوقه هو الذي يفتقر إلى الرحمة!
على أي حال، لم أجادله طويلًا، فقد كان لدي ما هو أهم من الموسيقى؛ وصلت اليوم الأقمشة الجديدة من العاصمة. اخترت قماشًا أزرق داكنًا لفستان الحفل، رغم أن الخياطة أقسمت أن اللون الفضي سيكون أجمل عليّ. لا أثق برأيها... الفضي يجعلني أبدو شاحبة، أما الأزرق فيجعل عينَيّ تبدوان أجمل، وهذا في رأيي سبب كافٍ لاختياره.
سألتني جدتي عن رأيي في تصميم الفستان، فأخبرتها أنني أريده بسيطًا. ضحكت وقالت إن ابنة دوق آل فالوا لا يحق لها أن تظهر في حفلات العاصمة بثوب بسيط. ربما معها حق، لكنني لا أريد أن أرتدي شيئًا يجعلني أشعر وكأنني دمية موضوعة في صندوق زجاجي. على أي حال، سأترك الأمر للخياطة. لدي غدًا درس في اللغة الثانية، وبعده درس التاريخ... وأعتقد أنني سأهرب من درس الرقص إن استطعت.»
ابتسمت نورين دون أن تشعر: "إيزابيلا..."
كانت تلك الكلمات بعيدة تمامًا عن الصورة التي رسمتها الرواية لها؛ لا حقد، لا مأساة، لا حديث عن مؤامرات... مجرد فتاة في السابعة عشرة تشتكي من دروسها وفستانها.
قلبت الصفحة:
اليوم الثاني عشر من شهر إيلارا:
«بدأت الاستعدادات للحفل تأخذ القصر بأكمله. الخدم لا يتوقفون عن الحركة، والخياطات يدخلن ويخرجن من الجناح طوال اليوم. أظن أنني سمعت اسم الحفل أكثر مما سمعت اسمي هذا الأسبوع! الدوقة إيلانورا كانت في القصر هذا الصباح، لكنها غادرت قبل الظهيرة، لم أرها إلا لوقت قصير؛ سألتني عن دروسي فأخبرتها أنها تسير على ما يرام، ثم ذهبت فورًا إلى جناح جدتي... الجناح الوحيد الذي أشعر فيه بالراحة والحب الصادق.»
توقفت نورين قليلًا ثم تابعت التقليب.
مرت عدة أيام وكانت إيزابيلا تتحدث فيها عن أشياء مختلفة؛ عن الكتب التي قرأتها، وعن حفلة صغيرة أقامتها إحدى صديقاتها، وعن فستان لم يعجبها، وعن معلمها الذي وصف خطها بأنه "فوضوي"... حتى بدأت نبرة الكتابة تتغير قليلًا؛ ليس فجأة، بل كما لو أن شيئًا من الجفاء يتسلل بين السطور:
اليوم السادس والعشرون من شهر إيلارا:
«رأيت الدوقة اليوم، كانت في الحديقة مع بعض سيدات العائلة. لم أتحدث إليها، في الحقيقة لا أراها كثيرًا هذه الأيام؛ فدائمًا لديها ما يشغلها: اجتماعات، زيارات، شؤون القصر... أحيانًا أشعر أنها تعيش في عالم بعيد رغم أننا نتقاسم القصر نفسه. ربما هذا أمر طبيعي. ربما كانت الدوقة مشغولة بما هو أهم... على الأقل هذا ما اعتدت أن أقنع نفسي به. لقد اعتاد قلبي على أن أكون آخر ما يهمها.»
صمتت نورين لحظة، ثم تابعت:
اليوم الثالث من شهر أوريان:
«جاء أبي إلى جناحي اليوم وتحدث معي بغضب لأنني أعامل أمي ببرود. لماذا لا يفهم أنها هي من تبتعد أولًا؟ لا أحد يفهم ما في داخلي في هذا القصر سواكِ يا جدتي.»
اليوم الرابع من شهر أوريان:
«كنت أبحث عن الدوقة هذا الصباح؛ أردت أن أريها القماش الجديد لفستاني. قالوا لي إنها في الجناح الغربي، وعندما وصلت أخبروني أنها مشغولة. عدت إلى غرفتي... لا أعرف لماذا شعرت بالحزن، الأمر سخيف، لكن ربما أردتُ من داخلي أن يكون كلام والدي صحيحًا ولو لمرة.»
بدأت المذكرات تصبح أقل مرحًا:
اليوم (عيد ميلادي الثامن عشر):
«اليوم حاولت الدوقة إيلانورا التقرب مني مجددًا؛ أرسلت إلى غرفتي صندوق شوكولاتة فاخرة، ومعه باقة من الزهور التي أحبها. أخبرتني روزا وصيفتي أنها اختارتها بنفسها. لا أعرف لماذا تفعل ذلك مؤخرًا! كلما حاولت الاقتراب مني أشعر برغبة في الهرب. تبتسم لي، وتسألني عن دروسي، وعن الفستان الذي سأرتديه في الحفل القادم، وكأن السنوات الماضية لم تكن موجودة.
اليوم أيضًا طلبت مني أن أجلس معها لتناول الشاي، فاعتذرت بحجة أن لدي درسًا في اللغة. ربما كنت قاسية معها... لكنني لم أستطع البقاء. لا أستطيع أن أصدق أن كل هذه المحاولات تعني أنها أصبحت تهتم بي فجأة. جدتي قالت لي ذات مرة: إن بعض الناس لا يعرفون قيمة ما بين أيديهم إلا بعد أن يخشوا فقدانه... وربما كانت محقة.»
أخذت نورين تقلب في الصفحات، ثم تغيرت نبرة الخط، وكأن إيزابيلا قررت في تلك الليلة أن تفتح بابًا قديمًا من ذاكرتها لم تكن تحب الاقتراب منه:
اليوم التاسع عشر من شهر فالين، عام مائة وخمسة وعشرين من التقويم الملكي:
«تذكرت شيئًا من طفولتي اليوم، لا أعرف لماذا عاد إلى ذهني الآن. كنت صغيرة جدًا حين مرضت؛ يقولون إنني كنت مريضة لأيام طويلة، لا أذكر الكثير من المرض نفسه، لكنني أذكر الخوف... أتذكر الحرارة، والغرفة، والوحدة. أذكر أنني كنت أبكي كثيرًا، كنت أستيقظ في الليل وأبحث عنها بعينيّ، ثم أنادي بصوتٍ ضعيف: "أمي..." ثم أبكي من شدة الخوف عندما لا تأتي. لم أكن أفهم لماذا لم تدخل غرفتي، لم أكن أفهم شيئًا عن المرض أو الأطباء أو الخطر، لم أكن أفهم لماذا بقيت في غرفتي ولماذا كان الجميع يطلبون مني أن أبقى هادئة. كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط... أنني بحاجة لأمي.»
توقفت نورين عن القراءة لحظة، وشعرت بشيء ثقيل يستقر في صدرها، لكنها تابعت:
«أتذكر جدتي بجواري؛ كانت تجلس إلى جانبي لساعات، تمسح جبيني بقطعة قماش مبللة، وتضم يدي بين كفيها كلما بدأت بالبكاء. وفي إحدى الليالي، عندما ظللت أسأل عنها، قالت لي بهدوء: "أمكِ مشغولة في العاصمة يا صغيرتي... اهدئي، أنا هنا بجانبكِ."
بكيت ليلتها حتى غلبني النوم. وفي الصباح بقيت الغرفة فارغة إلا من جدتي
. "هل جاءت أمي؟"
ابتسمت لي وقالت إنها ستأتي عندما تستطيع. انتظرتها... ثم جاء اليوم التالي، ثم الذي يليه. وكلما فتحت عيني كنت أسأل السؤال نفسه:
"متى ستأتي أمي؟ هل جاءت؟ هل سأراها اليوم؟ هل ستدخل غرفتي؟" لكن الأيام مرت ولم تأتِ... وبقيت غرفتي هادئة.»
انخفضت عينا نورين عن الصفحة. كانت الكلمات بسيطة، لكنها كانت تحمل وجع طفلة لم تكن تفهم لماذا تُركت وحدها. ثم عادت إلى القراءة:
«ربما كنت أصغر من أن أفهم ما حدث، وربما لهذا السبب بقيت تلك الأيام في ذاكرتي بهذه الصورة. لا أتذكر وجه أمي بوضوح من تلك الفترة، أتذكر فقط أنني كنت أناديها كثيرًا:
"أمي... أمي، أريدكِ."
ولا أتذكر أنها جاءت. كل ما أتذكره جدتي وهي تجلس إلى جواري لساعات تمسح جبيني وتخبرني ألا أخاف. أما أمي... فلا أتذكرها، ربما كانت هناك... ربما لم تكن.»
توقفت الكلمات هنا. وبعد عدة أسطر، وجدت نورين أن خط إيزابيلا أصبح أقل انتظامًا، وكأنها كانت تكتب وهي مترددة:
«لا أحب أن أتذكر ذلك اليوم، لكنني لا أستطيع أن أنكر أنه غيّر شيئًا في داخلي. منذ ذلك الوقت أصبحت أمي بعيدة عني أكثر، أو ربما... أنا التي أصبحت لا أعرف كيف أقترب منها. فكلما حاولت الآن أن تلمس يدي أو تضمّني إليها، أتراجع دون أن أشعر. لا أعرف لماذا... ربما لأن جزءًا مني ما زال تلك الطفلة التي كانت تنتظر خلف الباب، الطفلة التي كانت تظن أن أمها ستدخل في أي لحظة... ثم تمر الساعات دون أن يحدث شيء.
وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أصدق محاولاتها الآن. لا أكرهها... على الأقل لا أظن أنني أكرهها، لكنني أخاف أن أصدقها. أخاف أن أسمح لها بالاقتراب، ثم أعود يومًا إلى ذلك الشعور القديم نفسه: شعور أنني أنتظر شخصًا لن يأتي. لذلك... سأبقي المسافة بيننا كما هي. ربما يكون ذلك قاسيًا، لكنه أرحم من أن أمد يدي إليها... ثم أعود لأجدها فارغة.»
رفعت نورين عينيها عن الدفتر ببطء، وبقيت تحدق في الصفحة لثوانٍ طويلة، ثم همست:
"إيزابيلا..."
ولأول مرة منذ بدأت قراءة المذكرات، لم تشعر نورين أنها تقرأ عن شخصية من رواية، كانت تقرأ عن طفلة كبرت وهي تحمل ذكرى لم تكن تعرف حقيقتها كاملة.
أغلقت الدفتر قليلًا، ثم أعادت فتحه؛ كان هناك المزيد. وإذا كانت هذه مجرد ذكريات إيزابيلا، فكم من الأشياء التي لم تعرفها بعد؟
✦ ───────── ✦🖤 ✦ ───────── ✦
في العاصمة، كان الصمت يخيّم على الجناح الشرقي من القصر الملكي.
وقف أدريان أمام المرآة الطويلة في جناحه، بينما كان يثبت آخر أزرار بدلته العسكرية السوداء. انعكس ضوء الشموع على الأقمشة الداكنة والتطريزات الفضية التي امتدت عند ياقة سترته وأكمامها، فيما بقي شعره الأسود، الذي لم يجف تمامًا بعد، منسدلًا على جبينه على نحوٍ فوضوي.
رفع عينيه ببطء نحو المرآة، فانعكست ملامحه الحادة أمامه؛ وجهٌ هادئ لا يحمل شيئًا مما تركه خلفه في الميدان، غير أن عينيه الخضراوين الداكنتين لم تكونا بالهدوء ذاته.
توقفت يده للحظة عند طرف الياقة. وفجأة... عاد إليه صوتٌ لم يعد موجودًا،
صهيل حصان... صوت اصطدام الحديد بالحديد... ثم صرخة رجل من بين صفوف جنوده.
تجمّد أدريان للحظة، وانعكست في عينيه صورة خاطفة لسماء رمادية ودخانٍ يتصاعد فوق أرضٍ ملطخة بالدماء.
— «سمو الأمير!»
انتشله صوت الخادم من الذكرى، فعاد كل شيء إلى جناحه: المرآة، الشموع، والصمت.
خفض أدريان يده ببطء، ثم عدّل ياقة بدلته وكأن شيئًا لم يحدث:
«ادخل.»
فتح الباب، ودخل الخادم بعد أن انحنى باحترام:
«الجنرال لوران ينتظر سموك في الخارج.»
ظل أدريان ينظر إلى انعكاسه لثانية أخرى، ثم قال بهدوء:
«أخبره أن يدخل.»
لم يكد أدريان ينطق حتى انفتح الباب، ودخل لوران دون أن ينتظر الإذن مرة أخرى، كعادته التي لم يتخلَّ عنها رغم السنوات.
كان أطول من أغلب الرجال بقليل، عريض الكتفين دون أن يمتلك البنية الصلبة نفسها التي يتمتع بها أدريان. انسدل شعره البني فوق جبينه على نحوٍ غير مرتب، بينما استقرت في عينيه البنيتين تلك النظرة الهادئة التي كثيرًا ما سبقت كلماتٍ يعرف أدريان جيدًا أنها لن تعجبه.
كان يرتدي زيه العسكري الرسمي، وقد تخلّى هو الآخر عن درعه، إلا أن مظهره بدا أكثر استرخاءً من مظهر صديقه، وكأنه لم يعد قبل ساعات من ساحة معركة.
توقف عند الباب، وألقى نظرة طويلة على أدريان من رأسه حتى قدميه، ثم قال:
"كنت أتساءل كم من الوقت ستستغرق هذه المرة."
لم يلتفت أدريان إليه، وظل ينظر إلى انعكاسه في المرآة:
"في ماذا؟"
اقترب لوران ببطء، ثم عقد ذراعيه أمام صدره:
"في الوقوف أمام المرآة."
ساد الصمت، ورفع أدريان عينيه نحو انعكاس لوران في المرآة:
"هل انتهيت؟"
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه لوران:
"ليس بعد."
أدار أدريان رأسه إليه أخيرًا:
"إذن حاول أن تنتهي قبل أن أقرر إرسالك في حملة أخرى."
رفع لوران حاجبه ساخرًا:
"ممتاز! لم أعد من حملة دامت أسابيع إلا لأكتشف أن قائدي يخطط لإرسالي إلى أخرى!"
ثم أضاف وهو ينظر إلى بدلته: "على الأقل أظن أن الملك لن يجرؤ على استدعائك إلى قاعة العرش قبل أن تنتهي من تأمل نفسك."
ثبت أدريان نظره عليه لثوانٍ. أما لوران، فلم يتغير شيء في ملامحه؛ كان يعرف تلك النظرة جيدًا، وكذلك كان يعرف أن أدريان لن يفعل شيئًا... في الغالب.
زفر أدريان زفرة خافتة، ثم استدار مبتعدًا عن المرآة:
"أخبرني أنك لم تأتِ إلى هنا فقط لتضيع وقتي."
تغيرت ابتسامة لوران قليلًا، لكنها لم تختفِ تمامًا:
"جئت لأتأكد من أنك لم تقتل الخادم."
عقد أدريان حاجبيه ونظر إليه للحظة وكأنه يحاول تذكر أي خادم يقصده:
"الخادم؟"
رفع لوران حاجبه، ثم قال بنبرة هادئة:
"الذي أخبرك أن الملك يريد رؤيتك فورًا."
ظل أدريان صامتًا، فابتسم لوران ابتسامة أوسع:
"إذن هو لا يزال حيًا... خبر جيد."
مر أدريان من جواره متجهًا نحو الباب، لكن لوران لحق به. وقبل أن يخرجا، قال أدريان دون أن ينظر إليه:
"أنت تعلم أنني أستطيع أن أتركك هنا."
رد لوران فورًا:
"وتذهب لمقابلة الملك وحدك؟"
توقفت يد أدريان عند مقبض الباب، فأضاف لوران بنبرة هادئة، وكأنه لم يقل شيئًا مستفزًا قبل لحظات:
"هذا سيكون قاسيًا."
فتح أدريان الباب أخيرًا:
"لوران."
"نعم؟"
"اصمت."
ضحك لوران بخفة وهو يتبعه إلى الخارج. ولأول مرة منذ أن وطئت قدما أدريان أرض العاصمة، بدا وكأن ثقل الأسابيع الماضية قد ابتعد عنه... ولو قليلًا.
خرج أدريان من جناحه، ولحق به لوران في الممر بينما أغلق الباب خلفهما. كانت أروقة القصر أكثر هدوءًا مما اعتاداه، ولم يكن يُسمع سوى وقع خطوات الحراس المنتشرين عند الأبواب.
سار لوران إلى جواره للحظات قبل أن يقول:
"على كل حال... لا أظن أن استدعاء الملك لك فور عودتك أمر عادي."
لم يلتفت إليه أدريان:
"منذ متى كان الملك يفعل شيئًا عاديًا؟"
ابتسم لوران بخفة:
"كنت أعرف أنك ستقول ذلك."
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يضيف لوران بنبرة أكثر جدية:
"هل تعتقد أن الأمر يتعلق بالحملة؟"
ألقى أدريان نظرة سريعة نحوه قبل أن يعيد بصره إلى الممر أمامهما:
"لو كان يتعلق بالحملة، لكان التقرير كافيًا."
رفع لوران عينيه إليه:
"إذن هناك شيء آخر."
لم يجب أدريان. واصلا السير عبر الممر الطويل، حتى انعطفا عند أحد الأروقة... وهناك توقفت خطواتهما.
كان رجل يقف بالقرب من إحدى النوافذ العالية،ظهره لهما، بينما امتد نظره إلى ما وراء الزجاج.
وما إن وصلت خطواتهما إلى مسامعه حتى التفت ببطء... ولي العهد فيكتور.
كان يرتدي ملابس رسمية داكنة، أكثر أناقة من الزي العسكري الذي اعتاده أدريان، وقد بدا هادئًا على نحوٍ لا يوحي بأنه فوجئ بوجودهما.
توقفت عيناه عند أدريان، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة:
"أخيرًا عدت."
ثبت أدريان عينيه الخضراوين الداكنتين عليه لثانية، قبل أن يجيب بهدوء:
"كما ترى."
اقترب فيكتور منهما، وقال وهو يتفحص مظهر أدريان:
"كنت أعلم أنك لن تهزم بسهولة."
وقبل أن يرد أدريان، قال لوران بابتسامة جانبية:
"لن يسقط سوى من يتمنون سقوطه."
ألقى أدريان نحوه نظرة جانبية باردة، أما فيكتور فضحك ضحكة خافتة، ثم قال:
"أتمنى ذلك."
لم يعلّق أدريان، بينما أضاف فيكتور بعد لحظة، وقد عادت ابتسامته الهادئة:
"على الأقل... الآن تبدو وكأنك عدت إلى القصر فعلًا."
خفض أدريان نظره للحظة نحو بدلته النظيفة، ثم رفع عينيه إليه:
"لم أكن أعلم أن مظهري كان يشغل بالك إلى هذه الدرجة."
ارتفعت زاوية فم لوران وكاد يضحك، لكن فيكتور لم يفقد هدوءه:
"لا يشغلني، لكن رؤيتك من دون درعك تجعل الأمر أكثر واقعية."
ساد صمت قصير، ثم سأل فيكتور:
"كيف كانت الحدود؟"
أجاب أدريان دون تردد:
"هادئة... الآن."
ثبتت عينا فيكتور عليه:
"والحملة؟"
اكتفى أدريان بإجابة مقتضبة:
"انتهت."
صمت فيكتور لحظة، قبل أن يقول بهدوء:
"جيد."
كانت كلمة واحدة فقط، لكن لوران ألقى نظرة سريعة نحوه، قبل أن يعيد بصره إلى أدريان. أما أدريان فلم تتغير ملامحه.
تحرك فيكتور جانبًا مفسحًا له الطريق:
"الملك ينتظرك."
مر أدريان من جواره وتبعه لوران، لكن صوت فيكتور أوقفه:
"أدريان."
توقفت خطواته والتفت إليه ببطء. كانت ابتسامة فيكتور قد اختفت هذه المرة، وحل محلها هدوء يصعب قراءته:
"مرحبًا بعودتك إلى العاصمة."
ثبت أدريان نظره عليه للحظة، واكتفى بإيماءة خفيفة، ثم استدار من جديد متابعًا طريقه نحو قاعة العرش.
واصل أدريان طريقه عبر الممرات الطويلة، بينما سار لوران إلى جواره هذه المرة في صمت. كلما اقتربا من الجناح الرئيسي للقصر، ازداد عدد الحراس المنتشرين عند الأبواب، حتى توقفا أخيرًا أمام البوابة الضخمة المؤدية إلى قاعة العرش.
انحنى الحارسان فور رؤيتهما، ثم امتدت أيديهما إلى المقبضين الذهبيين، وبدأ البابان ينفتحان ببطء.
تردد صدى المعدن الثقيل في أرجاء الممر قبل أن تظهر قاعة العرش أمامهما. كانت واسعة على نحوٍ مهيب، تمتد أعمدتها العالية حتى السقف المزخرف، بينما انسدل خلف العرش شعار المملكة بين راياتٍ طويلة.
لكن ما إن دخل أدريان إلى القاعة، حتى أدرك أن استدعاء الملك لم يكن أمرًا عابرًا؛ لم يكن الملك ألفريد وحده في القاعة، إذ وقف عدد من كبار مستشاري المملكة وقادة الجيش على جانبي القاعة وبدت على وجوههم ملامح الجدية، أما فيكتور فكان يقف إلى جوار العرش في صمت.
تقدم أدريان عبر الرواق الطويل حتى توقف على مسافة مناسبة، ثم انحنى احترامًا:
"جلالتك."
رفع الملك عينيه إليه، وظل ينظر إليه لثوانٍ قبل أن يقول:
"ارفع رأسك يا أدريان."
امتثل أدريان للأمر، لتلتقي عيناه بعيني والده. ساد صمت قصير، ثم قال الملك بصوتٍ ثابت:
"وصلني تقرير الحملة."
لم يجب أدريان، فاكتفى بالاستماع. تابع الملك:
"النصر كان حليفكم."
خفض أدريان رأسه قليلًا:
"كان ثمنه باهظًا."
لم يتغير شيء في ملامح الملك، لكنه قال بعد لحظة:
"كل نصرٍ له ثمن."
رفع أدريان عينيه إليه وقال بهدوء:
"بعض الأثمان لا ينبغي أن تُنسى، جلالتك."
ساد الصمت في القاعة للحظة، ثم أومأ الملك ببطء قبل أن يقول:
"ولهذا استدعيتك."
انعقد حاجبا أدريان قليلًا، فتابع الملك:
"لقد عدت من الحدود بعد حملةٍ استمرت أسابيع، وقُدت رجالنا إلى النصر رغم الخسائر التي لحقت بالجيش."
توقف قليلًا ثم أضاف:
"ومن واجبي أن أكافئك على ما قدمته للمملكة."
بقي أدريان صامتًا بينما ارتفع حاجبه قليلًا في دهشة خفيفة. قال الملك:
"منذ اليوم، ستشغل مقعدًا في المجلس الملكي ممثلًا للجيش."
للمرة الأولى، تغيرت ملامح أدريان قليلًا. أما فيكتور، فظل واقفًا إلى جوار العرش دون أن يظهر على وجهه شيء.
قال أدريان بعد لحظة:
"جلالتك... لا أرى أنني بحاجة إلى مكافأة."
رد الملك دون أن تتغير نبرته:
"لم أسألك إن كنت بحاجة إليها."
ساد صمت قصير. أخفض أدريان عينيه قليلًا، ثم قال:
"مكانى بين الجنود، لا بين المجالس."
قال الملك:
"وهذا ما تقوله دائمًا."
رفع أدريان نظره إلى والده، فتابع الملك:
"لكن المملكة لا تُحكم بالسيف وحده."
توقف قليلًا ثم أضاف بنبرة أكثر حسمًا:
"لا أطلب منك أن ترغب في المنصب يا أدريان... أطلب منك أن تكون جديرًا به."
ثبتت عينا أدريان على والده للحظات. لم يكن يحب المجالس، ولا المناصب، ولا تلك الأحاديث الطويلة التي تُدار خلف الأبواب المغلقة بينما يُترك الآخرون لتنفيذ القرارات. كان يعرف كيف يقود جيشًا، وكيف يقرأ أرض المعركة، وكيف يتخذ قرارًا في لحظة قد تفصل بين حياة رجل وموته. أما السياسة... فلم تكن يومًا المكان الذي أراد أن ينتمي إليه.
لكن اعتراضه لم يدم طويلًا، فقال أخيرًا:
"كما تأمر، جلالتك."
أومأ الملك برأسه وكأن الأمر قد انتهى، لكن أدريان لم يخفف من وقفته؛ كان يعلم أن والده لم يستدعه فور عودته من أجل منحه منصبًا فقط.
لاحظ الملك ذلك، فقال:
"يبدو أنك أدركت أن هذا لم يكن سبب استدعائك الوحيد."
قال أدريان بهدوء:
"لو كان الأمر يتعلق بالمكافأة فقط، لكان بإمكان جلالتك الانتظار حتى الغد."
ساد صمت قصير، ثم ارتسمت على وجه الملك ملامح أكثر جدية:
"أحسنت."
تبادل أدريان وفيكتور نظرة سريعة، قبل أن يكمل الملك:
"لقد بدأت تصل إلى القصر خلال الأيام الماضية شكاوى متكررة من سوق العاصمة."
انعقد حاجبا أدريان، فتابع الملك:
"ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية بصورة غير مبررة، وبدأت بعض البضائع تختفي من الأسواق بينما يدعي التجار أنهم لا يملكون ما يكفي منها."
قال أدريان:
"الاحتكار."
أجاب الملك:
"هذا ما نعتقده؛ لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك؛ بدأ الناس يتجمعون أمام المتاجر، واندلعت مشاجرات عدة خلال الأيام الماضية."
ثبت أدريان نظره عليه:
"والحامية؟"
أجاب الملك:
"حاولت التدخل."
ثم ساد صمت قصير قبل أن يضيف:
"فازداد الأمر سوءًا."
أطلق أدريان زفرة خفتت من أنفه وكأنه فهم الصورة كاملة دون حاجة إلى مزيد من الشرح.
قال الملك:
"التجار يتهمون الجنود بالتدخل في شؤونهم، والناس يتهمون التجار باستغلالهم، والجنود بدأوا يتعاملون مع الأمر كمسألة أمنية."
ثم مال قليلًا إلى الأمام:
"وأنا لا أريد أن تتحول مشاجرة في سوق إلى غضبٍ في العاصمة."
ساد الصمت. ثبتت عينا أدريان على والده، قبل أن يقول الملك:
"لقد عدتَ من حربٍ لحماية حدود المملكة، بينما بدأت معركة أخرى تشتعل في قلب عاصمتك."
بقيت ملامح أدريان هادئة، لكنه أدرك أخيرًا سبب ذلك الاستدعاء العاجل، فقال:
"ماذا تريد مني أن أفعل؟"
أجاب الملك دون تردد:
"أريدك أن ترى العاصمة."
رفع أدريان حاجبه قليلًا:
"رأيتها منذ دخلتها، جلالتك."
للمرة الأولى تغيرت نظرة الملك تغيرًا طفيفًا، ثم قال:
"لا. رأيتَ شوارعها."
ساد صمت قصير، ثم أضاف:
"وأنا أريدك أن ترى ما يحدث فيها."
تعلقت عينا أدريان بوالده، فتابع الملك:
"لا أريد تقريرًا آخر من قائد الحامية، ولا شكاوى يرسلها التجار بعد أن تُختار كلماتها بعناية."
توقف قليلًا:
"أريد الحقيقة."
صمت أدريان للحظات، ثم قال:
"إذن سأذهب إلى السوق."
وقبل أن يتحرك، قال الملك:
"ليس بموكب."
توقفت خطوات أدريان قبل أن تبدأ، ورفع عينيه إليه:
"الناس لا يقولون الحقيقة أمام أمير تحيط به الحراسة."
قال الملك بصرامة:
"اذهب كما تراه مناسبًا... لكنني أريد أن أسمع ما رأيته بعينيك، لا ما أراد الآخرون أن تراه."
ظل أدريان صامتًا للحظة، ثم أومأ برأسه:
"كما تأمر، جلالتك."
وبينما كان يستعد للمغادرة، استوقفه صوت الملك:
"أدريان."
توقف، فرفع الملك عينيه إليه:
"لا تجعلهم يعرفون أنك هناك."
أومأ أدريان مرة أخرى، ثم استدار.
كانت المهمة تبدو بسيطة في ظاهرها: سوق مضطرب، تجار جشعون، وأسعار ترتفع فوق قدرة الناس. لكن أدريان كان يعرف جيدًا أن الفوضى لا تبدأ كبيرة؛ أحيانًا تبدأ من مكان صغير، ومن شكوى لا يستمع إليها أحد... ثم تكبر بصمت حتى تصبح متأخرة على الإصلاح.
خرج أدريان من قاعة العرش، ولم يكن يعلم أن أول مهمة له خارج حدود الميدان بعد عودته من الحرب ستكشف له جانبًا آخر من المملكة التي قضى سنواتٍ وهو يقاتل لحمايتها.
✦ ───────── ✦🖤✦ ───────── ✦
عادت نورين إلى مذكرات إيزابيلا بعد صمتٍ طويل.
كانت لا تزال جالسة في مكانها، والدفتر الجلدي مفتوح بين يديها، بينما بقيت عيناها معلقتين للحظات بالصفحات التي قرأتها للتو. لم تستطع أن تتجاهل ذلك الشعور الثقيل الذي تركته كلمات إيزابيلا في داخلها.
كانت قد دخلت هذا العالم وهي تظن أنها تعرف قصته: تعرف من هو الشرير... ومن هو الضحية... ومن خان ومن خُدع. لكن كل صفحة تقرؤها كانت تجعل تلك الصورة أقل وضوحًا.
أنزلت بصرها إلى الدفتر، ثم قلبت الصفحة ببطء. في البداية لم تجد سوى بضعة أسطر تفصل بين الذكرى السابقة وذكرى جديدة كتبتها إيزابيلا.
وبعد لحظة بدأت نبرة الكتابة تتغير من جديد؛ كان الخط أكثر هدوءًا هذه المرة... وكأن صاحبته توقفت طويلًا قبل أن تقرر كتابة ما حدث.
قرّبت نورين الدفتر منها، ثم بدأت تقرأ:
اليوم الثالث من شهر أوريان العام السادس والعشرون بعد المئة:
«هذا اليوم... رأيته لأول مرة.»
توقفت نورين، وانعقد حاجباها قليلًا، وعادت تقرأ الجملة مرة أخرى: "رأيته؟"
تابعت:
«لا أعرف لماذا بقيت تلك اللحظة عالقة في ذهني. ربما لأنني لم أكن أتوقع أن يلتفت إليّ أصلًا.»
انخفضت عينا نورين إلى الكلمات التالية:
«كان محاطًا بالناس، ومع ذلك بدا وكأنه يرى شيئًا آخر بينهم.»
توقفت نورين قليلًا، ثم تابعت القراءة:
«لا أستطيع أن أصف ما شعرت به حين التقت عيناه بعينيّ؛ لم تكن نظرة طويلة... ولم يقل لي شيئًا. لكنه ابتسم... ابتسامة صغيرة وهادئة، كما لو أنه يعرفني منذ وقت طويل.»
شعرت نورين بشيء من الفضول، فتابعت:
«ربما كان الأمر عاديًا، ربما كنت أنا من منح تلك اللحظة أهمية أكبر مما تستحق... لكنني رغم ذلك بقيت أفكر في تلك الابتسامة طوال الطريق إلى جناحي.»
ثم توقفت الكلمات:
«لا أعرف من يكون... لكنني أظن أنني سأراه مجددًا.»
اتسعت عينا نورين قليلًا:
"من يكون؟"
وقبل أن تتمكن من قلب الصفحة التالية—
دوّى طرقٌ خفيف على باب الجناح!
تجمدت نورين للحظة، ثم رفعت رأسها نحو الباب:
"ليدي إيزابيلا...؟"
بقي الدفتر مفتوحًا بين يديها، بينما انخفض بصرها ببطء إلى الصفحة التالية التي لم تقرأها بعد. كانت تعرف أن الإجابة قد تكون أمامها مباشرة... لكنها لم تستطع الوصول إليها بعد.
رفعت عينيها نحو الباب مرة أخرى، ثم أغلقت الدفتر ببطء، وأحاطته بكفّيها، كأنها تخشى أن يراه أحد.
ولم يغادر سؤال واحد ذهنها:« من هو؟»
Ñorãn Fãwžy