خلف أبواب العاصمة

خلف أبواب العاصمة

2 0

ظلّت النظرات معلّقة بينهما للحظات.

نورين تحدّق في الفتى بحذر، بينما ظل هو واقفًا في مكانه، وكأنه يحاول استيعاب وجود فتاتين مختبئتين بين صناديق البضائع.

ثم، وعلى نحو مفاجئ، جلس الفتى فوق أحد الصناديق وكأن شيئًا لم يحدث.

رمشت إيلين بدهشة، ثم مالت نحو نورين وهمست:

"ألن يبلغ عنا؟"

التفتت إليها نورين بنظرة ضيق، وكأن سؤالها لم يكن في وقتِهِ إطلاقًا.

لكن قبل أن تجيب، قال الفتى وهو ينظر إليهما:

"من منكما السيدة؟"

تبادلت نورين وإيلين نظرة سريعة.

قالت إيلين بحذر:

"ولماذا تسأل عن ذلك؟"

رفع الفتى كتفيه بلا مبالاة:

"لأنني أفترض أن واحدة منكما هي السيدة، والأخرى خادمتها."

صمتت نورين لحظة، ثم قالت:

"أنا."

نظر إليها الفتى من رأسها إلى قدميها، ثم أطلق زفرة قصيرة:

"كنت متأكدًا."

ضيّقت نورين عينيها:

"وكيف عرفت؟"

ابتسم الفتى ابتسامة صغيرة:

"لأنني رأيت هذا من قبل."

عقدت إيلين حاجبيها:

"رأيت ماذا؟"

أجاب ببساطة:

"فتاة تهرب من منزلها قبل زواج لا تريده."

ثم أضاف، وكأنه يتحدث عن أمر عادي تمامًا:

"دائمًا ما أقابل المشاكل نفسها."

​ضحكت نورين، ثم قالت بسخرية خفيفة:

"ما هذا الخيال؟"

رفع الفتى حاجبه، وقال بثقة:

"خيال؟"

ردّت نورين:

"نعم. ومن قال لك إنني هربت لأتزوج؟"

نظر إليها لحظة، ثم قال:

"لا أعرف... لكنكما مختبئتان داخل عربة تاجر، وترتديان ملابس بسيطة، وتحاولان الوصول إلى العاصمة دون أن يراكما أحد. ماذا يفترض بي أن أظن؟"

​تدخلت إيلين بضيق:

"وهل تنوي إبلاغ التاجر عنا أم ستكتفي بالتحقيق معنا؟"

التفت إليها الفتى وقال بلا مبالاة:

"لم أقرر بعد."

نظرت إليه إيلين بغيظ، ثم قالت:

"يا لك من مزعج."

رفع الفتى حاجبه وقال:

"وأنتِ كثيرة الكلام."

رمقته إيلين بنظرة حادة، بينما كتمت نورين ضحكتها بصعوبة، مستمتعة بالمشاحنات الدائرة بينهما.

لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، والتفتت إلى الفتى الذي ظل يراقبهما باهتمام، وكأنها تذكّرت أمرًا غفلت عنه وسط حديثهما.

أخذت نفسًا قصيرًا قبل أن تقول:

" لم أعرّفك بنفسي. أنا إيزابيلا، وهذه صديقتي إيلين."

ثم نظرت إليه وسألته:

"والآن، ما اسمك أنت؟"

أجاب الفتى بعد لحظة:

"آرثر."

قالت نورين:

حسنًا يا آرثر، نريد الذهاب إلى العاصمة لبعض الوقت."

رفع حاجبه: "ولماذا العاصمة تحديدًا؟"

أجابته نورين دون تردد: "نريد زيارة السوق، ثم سنعود."

نظر إليهما بشك، فقالت نورين:

"هل يمكنك مساعدتنا في الوصول إليها دون أن يلاحظ أحد وجودنا؟"

نظر آرثر إليهما للحظات، ثم قال:

"حسنًا، سأساعدكما."

تنفست إيلين براحة، بينما ابتسمت نورين:

"شكرًا لك."

قال آرثر وهو ينهض:

"لكن لا تسببا لي المشاكل."

رمقته إيلين بضيق:

"لا تقلق، أنت أصلًا لا تبدو شخصًا يحب المشاكل."

نظر إليها لحظة، ثم تجاهل تعليقها:

"حاولا ألّا تصدرا صوتًا عاليًا، وابْقيا مختبئتين حتى نصل إلى العاصمة."

أومأت نورين:

"اتفقنا."

واصلت العربة سيرها عبر الطريق المختصر المار بالغابة،

وظلّت تشق طريقها طوال الليل. ومع بزوغ شمس اليوم التالي، كانت العاصمة لا تزال على بُعد ساعات قليلة.

꧁____________🖤____________꧂

وفي الوقت نفسه، كانت العاصمة قد استيقظت على صخب أسواقها، بينما انشغل أدريان ولوران بمهمة التحقيق في ارتفاع الأسعار.

​كانت الشمس قد ارتفعت إلى منتصف السماء، وامتلأ السوق بحركة الناس والعربات وأصوات الباعة.

وبين المارة، كان رجلان يتجولان بين المتاجر، يرتديان ملابس بسيطة لا تلفت الانتباه. كان أحدهما طويل القامة، أسود الشعر، بينما سار الآخر إلى جواره بخطوات أكثر استرخاءً.

قال لوران وهو ينظر حوله:

"أتعلم؟ لم أتوقع أن أراك تتجول في السوق بهذه الطريقة."

أجابه أدريان بهدوء:

"نحن هنا للعمل."

ابتسم لوران:

"أعرف، لكنك تبدو كأنك ذاهب لإعدام أحد."

التفت إليه أدريان بنظرة باردة:

"اصمت... لوران."

ضحك لوران، ثم تابعا السير بين الناس، يراقبان حركة السوق وما يدور فيه من بعيد.

​وبينما كانا يتجولان، أخذ أدريان يراقب المتاجر المحيطة بهما، محاولًا ملاحظة ما قد يفوته وسط الزحام. توقف قليلًا أمام أحد المتاجر، ثم نظر إلى السلع المعروضة وأسعارها، وقال بهدوء:

"الأسعار مرتفعة."

ألقى لوران نظرة سريعة على البضائع:

"كما ورد في التقارير."

وقبل أن يجيبه أدريان، ارتفعت أصوات غاضبة من الجهة المقابلة. التفتا نحو مصدر الصوت، فوجدا مجموعة من الناس متجمهرين أمام أحد المتاجر، بينما وقف التاجر في مواجهتهم.

قال أحد الرجال بغضب:

"هذا السعر غير معقول! لقد كنا نشتريها بنصف هذا الثمن!"

رد التاجر بحدة:

"إن لم يعجبك السعر، فلا تشترِ."

تدخل رجل آخر:

"كل المتاجر رفعت أسعارها! أتظن أننا لا نلاحظ؟"

ظل أدريان يراقب المشهد بصمت.

بينما قال لوران:

"يبدو أن التقارير لم تبالغ."

لم يجب أدريان، فقد لفت انتباهه شيء آخر. ألقى نظرة سريعة حول المكان؛ رجل يقف قرب أحد الأزقة، وآخر بجوار متجر في الجهة المقابلة، وثالث يتحرك بين المارة دون أن يبدو وكأنه يتسوق.

تأملهم أدريان للحظات، ثم قال بصوت منخفض:

"لوران."

التفت إليه لوران مستفسرًا:

"ماذا؟"

أبقى أدريان نظره متجهًا إلى الأمام، وقال بصوت خافت:

"لا تنظر إليهم مباشرة."

تغيرت ملامح لوران قليلًا، لكنه حافظ على هدوئه وسأله:

"من؟"

قال أدريان دون أن يحرك عينيه عن المتجر:

"هناك من يراقب المكان."

سكت لوران، ثم تابع سيره بجواره وكأن شيئًا لم يحدث:

"هل أنت متأكد؟"

أجابه أدريان بهدوء:

"لا أعرف بعد... لكنني أريد أن أعرف من يراقب من."

꧁____________🖤____________꧂

​في أثناء ذلك، كانت العربة تواصل سيرها. كانت إيلين قد غلبها النوم، فاستندت إلى أحد الصناديق وأغمضت عينيها، بينما بقيت نورين مستيقظة تراقب الطريق من فتحة العربة.

التفتت إلى آرثر الذي كان يجلس مقابلًا لها، وقالت:

"آرثر."

التفت إليها قليلًا:

"نعم؟"

سألته نورين:

"كم بقي على العاصمة؟"

أجاب آرثر:

"ساعة أو ساعتين، على الأكثر."

تنهدت نورين، ثم قالت:

"يبدو أن الطريق أطول مما توقعت."

ابتسم آرثر بسخرية خفيفة:

"أنتِ من طلبتِ الذهاب إليها."

نظرت إليه بضيق:

"لم أطلب منك أن تذكّرني."

ضحك آرثر:

"حسنًا، لن أفعل."

سكتت نورين لحظة، ثم تساءلت وهي تراقب الطريق من فتحة العربة:

"هل تسلك هذا الطريق كثيرًا؟"

أجاب آرثر وهو يعدّل جلسته:

"أجل، أعمل مع التاجر منذ سنوات."

التفتت نورين إليه قليلًا، وسألته بفضول:

"وهل تعرف العاصمة جيدًا؟"

فكّر آرثر للحظة قبل أن يجيب:

"إلى حدٍّ ما."

ابتسمت نورين:

"إذن سأعتمد عليك عندما نصل."

نظر إليها آرثر للحظة، ثم قال:

"لا تقلقي، سأوصلكما إلى السوق كما وعدتك، لكن بعد ذلك، أنتما وحدكما."

أومأت نورين:

"اتفقنا."

وعادت تنظر إلى الطريق بصمت، بينما ظلت إيلين غارقة في نومها.

꧁___________🖤___________꧂

​توقف أدريان أمام أحد المتاجر وأخذ يتفحص السلع بعين دقيقة. قال لوران وهو يقف إلى جواره:

"هل وجدت شيئًا؟"

أجاب إدريان:

"ليس بعد."

اقترب منهما رجل في منتصف العمر، صاحب المتجر، وقال بابتسامة متكلفة:

"هل تبحثان عن شيء معين؟"

أشار أدريان إلى بعض السلع:

"كم سعر هذه؟"

ذكر الرجل السعر، فرفع أدريان حاجبه قليلًا:

"هذا أكثر مما توقعت."

تغيرت ابتسامة الرجل، وقال:

"الأسعار ارتفعت مؤخرًا."

نظر إليه أدريان وسأله:

"لماذا؟"

تردد الرجل للحظة، ثم قال:

"نقص البضائع."

نظر أدريان إلى الرفوف خلفه، ثم عاد إليه:

"لكن متجرك ممتلئ."

ساد الصمت للحظة، قال الرجل:

"ما يصلني قليل، وما يصلني أضطر لبيعه بهذا السعر."

تدخل لوران:

"وهل جميع التجار يبيعون بالسعر نفسه؟"

أجاب الرجل:

"تقريبًا."

تبادل أدريان ولوران نظرة سريعة. ثم قال أدريان:

"ومن أين تحصلون على بضائعكم؟"

ارتبك الرجل قليلًا:

"من التجار المعتادين."

فأردف أدريان بنبرة جادة:

"أسماؤهم؟"

رفع الرجل عينيه إليه وكأن السؤال لم يعجبه:

"لماذا كل هذه الأسئلة؟"

أجابه أدريان بهدوء:

"مجرد فضول."

لم يقتنع الرجل، لكنه لم يزد شيئًا. ابتعد أدريان ولوران عن المتجر، وبعد أن ابتعدا مسافة كافية، قال لوران:

"كان يخفي شيئًا."

أجابه أدريان باقتضاب:

"أعرف."

التفت إليه لوران، وسأله:

"هل تعتقد أن له علاقة بالموضوع؟"

لم يجب أدريان فورًا؛ فقد كان يراقب الرجل الذي وقف قرب العربة المقابلة، وظل يتابع حركة المتجر بصمت، قبل أن يتحرك ببطء ويختفي بين المارة.

قال أدريان:

"ليس هو وحده."

عقد لوران حاجبيه:

"ماذا تقصد؟"

أشار أدريان بعينيه نحو المكان الذي اختفى فيه الرجل: "الرجل الذي كان يقف قرب العربة. كان يراقب المتجر، ثم بدأ يراقبنا."

ابتسم لوران ابتسامة خفيفة:

"يبدو أن جولتنا في السوق ستكون أكثر إثارة مما توقعت."

نظر إليه أدريان ببرود وقال:

"لا تفرح."

سأله لوران مستغربًا:

"لماذا؟"

أجابه أدريان:

"لأننا سنراقبه."

رفع لوران حاجبه، وقال بنبرة خاب أملها:

"وأنا كنت آمل أن نطارده."

ردّ أدريان بثبات:

"ستفعل."

اتسعت ابتسامة لوران:

"أخيرًا."

تبادل أدريان ولوران نظرة سريعة، ثم تحرك أدريان بهدوء خلف الرجل الذي اختفى بين المارة، وقال لوران:

"هل نلحق به؟"

أجابه أدريان دون أن يرفع عينيه عن الطريق:

"أنت تتبعه، سألتف من الجهة الأخرى."

انفصل الاثنان وسط الزحام، وحافظ لوران على مسافة بينه وبين الرجل. لم يمضِ وقت طويل حتى انعطف الرجل إلى زقاق جانبي ، فأسرع لوران خلفه، لكنه ما إن دخل الزقاق حتى وجده خاليًا.

توقف لوران، وألقى نظرة سريعة حوله، ثم تمتم: «اختفى؟»

أدرك حينها أن الرجل تعمّد استدراجه إلى المكان، لكن الأوان كان قد فات.

انطلق صوت خطوات سريعة من أمامه، فاستدار ليرى رجلًا يندفع نحوه ويوجه لكمة إلى وجهه.رفع لوران ذراعه لصد الضربة، ثم أمسك بمعصم مهاجمه ودفعه بقوة نحو الجدار.

وقبل أن يتمكن من استعادة توازنه، سمع حركة خلفه، فاستدار بسرعة ليتفادى ضربة ثانية مرّت بمحاذاة رأسه.

تراجع لوران خطوتين، وألقى نظرة خاطفة بين الرجلين اللذين سدا عليه طريق الخروج، ثم تمتم باستنكار:

"اثنان؟"

لم يمنحه الرجلان وقتًا لالتقاط أنفاسه؛ إذ اندفع أحدهما نحوه مجددًا، بينما تحرّك الآخر لقطع طريقه نحو مخرج الزقاق.

وفي تلك اللحظة، ظهر أدريان عند المدخل، وما إن لمح الرجلين حتى أسرع نحوهما. اعترض طريق الثاني وأمسك بذراعه قبل أن يوجه ضربة أخرى إلى لوران، ثم دفعه بعيدًا.

استغل لوران الفرصة ليركز على مهاجمه؛ تفادى ضربته التالية، ثم وجّه له لكمة قوية أسقطته أرضًا.

لكن الرجل الآخر لم ينتظر طويلًا. وما إن أفلت من قبضة أدريان حتى اندفع نحو نهاية الزقاق.

لمح لوران هروبه، فصاح محذرًا: "أدريان!"

انطلق أدريان مسرعًا خلفه.

ركض الرجل بين الأزقة وأسقط صندوقًا خشبيًا في طريقه. قفز أدريان فوقه دون أن يتباطأ، لكنه عندما وصل إلى نهاية الزقاق، لم يجد أحدًا.

عاد أدريان بنظره إلى الطريق الذي فرّ منه الرجل، فلاحظ شيئًا صغيرًا ملقى على الأرض. انحنى والتقطه، فإذا بها قطعة معدنية صغيرة تحمل نقشًا غريبًا.

في تلك الأثناء، كان لوران قد تمكّن من إسقاط مهاجمه أرضًا، فتركه ملقى عند جدار الزقاق بعد أن تأكد من عجزه عن مواصلة القتال، ثم أسرع نحو أدريان وهو يلتقط أنفاسه، وألقى نظرة سريعة على الطريق خلف أدريان قبل أن يسأله:

"هرب؟"

أجابه أدريان:

"نعم."

ثم رفع القطعة المعدنية أمامه، فألقى لوران نظرة عليها وقال:

"وترك هذا."

أعاد أدريان القطعة إلى مستوى نظره، متأملًا النقش الغريب، ثم سأل:

"وماذا عن الرجل الآخر؟"

أجابه لوران مطمئنًا: "لا تقلق، تأكدت من أنه لن يتمكن من مواصلة القتال. لا بد أن رجالنا قد قبضوا عليه الآن."

رفع أدريان عينيه إليه:

"هل لحقوا بنا من القصر؟"

هزّ لوران رأسه نافيًا:

"لا، إنهم أفراد من فرقتنا الخاصة. أمرتهم بالتخفّي ومرافقتنا تحسبًا لأي طارئ."

أومأ أدريان بتفهّم، ثم عاد يتأمل النقش لثوانٍ، قبل أن يطبق أصابعه حول القطعة المعدنية ويقول:

"لنعد إلى السوق."

عقد لوران حاجبيه مستفسرًا:

"ولماذا؟"

نظر إليه أدريان بجدية:

"لأنني أظن أن الهجوم لم يكن بسببنا."

لم يكن يعرف ما تعنيه العلامة بعد، لكن وجودها على أحد المهاجمين جعله يشك في أن الأمر مرتبط بشيء آخر.

تجمدت ابتسامة لوران:

"إذن بسبب من؟"

رفع أدريان عينيه نحو اتجاه السوق:

"هذا ما سنعرفه."

꧁___________🖤___________꧂

وفي تلك الأثناء، كانت العربة قد اقتربت أخيرًا من العاصمة.

​ أخرجت نورين رأسها قليلًا من خلف الغطاء ونظرت إلى المباني والطرق.

"أهذه هي العاصمة؟"

أجاب آرثر:

"اقتربنا."

استيقظت إيلين على صوتها ونظرت حولها بنعاس:

"وصلنا؟"

أجابت نورين:

"ليس بعد."

وبعد قليل، خفّف التاجر سرعة العربة، ثم اتجه بها إلى طريق جانبي أقل ازدحامًا بعيدًا عن الطريق المؤدي مباشرة إلى السوق.

نظرت نورين إلى آرثر باستغراب:

"لماذا غيرنا الطريق؟"

أجابها:

"سنتوقف في مكان قريب من السوق، لكن ليس عند مدخله... من الأفضل أن تنزلا بعيدًا عن الزحام."

أومأت نورين موافقة. توقفت العربة خلف أحد المخازن بعيدًا عن أعين المارة. نزل آرثر أولًا وطلب منهما الانتظار، ثم ذهب إلى التاجر وأخذ يتحدث معه ليشغله، وبعدها أشار إليهما قائلًا:

"يمكنكما النزول الآن."

نزلت إيلين، ثم لحقتها نورين. ابتعدت الفتاتان قليلًا عن العربة، قبل أن يلحق بهما آرثر.

قال آرثر:

"لقد أوصلتكما إلى هنا، يمكنكما السير من هذا الاتجاه وستصلان إلى السوق."

أومأت نورين موافقةً، وبادرت إيلين إلى شكره.

ثم أمسكت نورين بيد إيلين، وسارتا معًا.

لكن وقبل أن تبتعدا، التفتت نورين وقالت:

"آرثر، انتظر."

التفت إليها:

"ماذا؟"

"هل يمكنك البقاء معنا حتى ننتهي من السوق؟"

رفع حاجبه:

"ولماذا؟"

أجابت نورين:

"لا نعرف العاصمة جيدًا، وقد نحتاج إلى من يدلنا على الأماكن... سأدفع لك مقابل ذلك."

نظر آرثر إليها لحظة، ثم قال:

"حسنًا، لكنني سأرافقكما حتى تنتهيا مما تريدان، وبعدها سأعود إلى عملي."

ابتسمت نورين:

"اتفقنا."

تدخلت إيلين وهي تنظر إليه بضيق:

"لا تتحمس كثيرًا، ستندم."

نظر إليها آرثر وقال:

"وأنتِ لا تبدئي من الآن."

رمقته إيلين بغيظ بينما ضحكت نورين، ثم حملت سلتها وقالت:

"هيا بنا."

واتجه الثلاثة نحو السوق.

​دخلت نورين وإيلين إلى السوق برفقة آرثر، وسرعان ما اتسعت عينا نورين وهي تتأمل ما حولها من متاجر مصطفة وباعة وعربات. كل شيء كان مختلفًا عما اعتادته في عالمها. توقفت للحظة أمام متجر يعرض قطعًا غريب.

تمتمت نورين بإندهاش:

"هذا جميل..."

ابتسمت إيلين وهي تراقبها:

"قلتِ إننا جئنا للسوق، وليس للتحديق في كل شيء."

ضحكت نورين:

"اتركيني أستمتع قليلًا، هذه أول مرة أرى هذا المكان."

نظر آرثر إليهما ثم قال:

"إذا استمررتِ هكذا، سنقضي اليوم كله هنا."

ابتسمت نورين وهي تتابع سيرها:

"لا أمانع."

​تجولت نورين في السوق حتى توقفت أمام متجر للمجوهرات والحُلي. دخلت وأخذت تتجول بين القطع، حتى وقعت عيناها على دبوس شعر فضي تتوسطه زهرة كبيرة تحتضن برعمًا صغيرًا. بقيت تحدق فيه وقد ذكّرها بشيء ما، فسألت البائع:

"ما قصة هذا الدبوس؟"

ابتسم البائع وقال:

"يُقال إن الزهرة ترمز إلى الأم، أما البرعم الصغير فهو ابنتها، صُمم ليعبّر عن الرابطة التي تبقى بينهما مهما باعدت بينهما الأيام."

ظلت نورين تنظر إلى الدبوس بصمت قبل أن تتذكر أمها، ثم ابتسمت وقالت:

"سآخذ هذا."

​خرجت نورين محتفظة بالدبوس داخل حقيبتها الصغيرة، وسارت خطوات قبل أن يلفت انتباهها أزقة ضيقة ممتدة. التفتت إلى آرثر وسألته بفضول:

"هل يوجد في العاصمة سوق قديم؟"

رفع آرثر حاجبيه مستفسرًا:

"السوق القديم؟ ولماذا تريدين الذهاب إليه؟"

ابتسمت نورين بحماس خفيف، وقالت:

"أريد أن أراه فحسب، لا بد أن تكون فيه أشياء مختلفة."

أطلق آرثر زفرة قصيرة:

"إنه في الجهة الأخرى من السوق، المكان مزدحم وأزقته متشابكة، ومن السهل أن يضل الغريب طريقه."

تدخلت إيلين باعتراض:

"ألا يكفينا التجول هنا؟ لقد أمضينا وقتًا طويلًا بالفعل."

نظرت إليها نورين برجاء:

"لن نتأخر كثيرًا، أريد فقط إلقاء نظرة."

تأملها آرثر للحظات قبل أن يشير بيده:

"حسنًا، لكن لا تبتعدا عني، لن أبحث عنكما في كل زقاق."

وافقت نورين بحماس، ثم تبعته.

واصل الثلاثة تجوّلهم بين المتاجر، بينما أخذت نورين تتأمل البضائع المعروضة باهتمام، وتتوقف من حين لآخر أمام شيء يلفت انتباهها.

وبينما كانت تلتفت نحو أحد المتاجر، اصطدمت بامرأة عجوز كانت تمر بجوارها، فاختل توازن الأخيرة وكادت تسقط، وانزلقت سلّتها من يدها، متناثرةً منها بعض الأغراض على الأرض.

أسرعت نورين بالإمساك بذراعها، وساعدتها على استعادة توازنها، ثم سألتها بقلق:

"هل أنتِ بخير يا خالتي؟"

استندت العجوز إلى ذراع نورين للحظة، ثم رفعت رأسها ببطء وتأملت وجهها قبل أن تعتدل في وقفتها وتجيب:

"أنا بخير يا ابنتي، لا تقلقي."

ابتسمت نورين في ارتياح، ثم انحنت لتجمع الأغراض المتناثرة. وسرعان ما انضمّت إليها العجوز، لكن نورين سبقتها إلى التقاط مرآة صغيرة ذات إطار فضي مزخرف بنقوش دقيقة، تتخذ شكل قوقعة وتُفتح وتُغلق.

تأملتها نورين بإعجاب، ومرّرت أصابعها على إطارها قبل أن تسأل: "ما أجملها! هل هي للبيع؟"

رفعت العجوز عينيها نحو المرآة، ثم نظرت إلى نورين طويلًا قبل أن تجيب:

"نعم يا ابنتي، لكنها ليست مرآة عادية."

رفعت نورين حاجبيها باهتمام:

"وما الذي يميزها؟"

اقتربت العجوز منها قليلًا، وقالت بصوت خافت:

"إنها تعكس القلب، لا الوجه وحده."

تأملت نورين المرآة مجددًا، ثم قلبتها بين يديها، باحثةً عن شيء يميزها عن غيرها، لكنها لم تجد سوى نقوشها الدقيقة وانعكاس وجهها على سطحها اللامع.

رفعت نظرها إلى العجوز، وقد بدت الحيرة على ملامحها، وسألت:

"تعكس القلب؟ ماذا تقصدين؟"

اكتفت العجوز بابتسامة غامضة، ثم قالت:

"ستعرفين حين يحين الوقت."

لم تفهم نورين ما تعنيه، وظنّت أنها مجرد عبارة غريبة أرادت العجوز بها إضفاء بعض السحر على بضاعتها، لكنها أعجبت بالمرآة بما يكفي لتقرر شراءها.

دفعت ثمنها، ثم شكرت العجوز، قبل أن تلحق بإيلين وآرثر.

بقيت العجوز في مكانها تراقب ابتعاد نورين وسط المارة، حتى اختفت عن ناظريها تمامًا.

عندها، انخفضت عيناها نحو النقود في يدها، وببطء، ارتسمت على شفتيها ابتسامة غريبة.

وضعت نورين المرآة في حقيبتها، ثم عادت إلى إيلين وآرثر، اللذين كانا ينتظرانها على بُعد خطوات.

وما إن اقتربت منهما حتى تشبثت إيلين بذراعها، وقالت بقلق:

"أرجوكِ، لا تبتعدي عني هكذا مرة أخرى. أخشى أن أفقدكِ وسط هذا الزحام."

نظرت إليها نورين باعتذار، وقالت:

"لا تقلقي، لن أبتعد عنكِ مجددًا."

تنهدت إيلين، ثم شدّت قبضتها على ذراعها قليلًا، وكأنها تتأكد من بقائها إلى جوارها، بينما استأنف الثلاثة سيرهم بين المتاجر.

ومع توغّلهم في السوق القديم، أخذت الأزقة تضيق تدريجيًا، وازدادت واجهات المتاجر قدمًا، حتى بدأت ملامح المكان تختلف عن الشوارع التي مرّوا بها في البداية.

راحت نورين تتأمل ما حولها باهتمام، قبل أن تلتفت إلى آرثر وتسأله:

"آرثر، هل تعرف مكانًا يُقال إن عرّافة تعيش فيه؟"

التفت إليها باستغراب:

"عرّافة؟"

حاولت نورين أن تبدو عادية، وقالت بنبرة عابرة:

"نعم، سمعت عنها من قبل وأريد مقابلتها."

عقد آرثر حاجبيه، ثم سألها بشيء من الحيرة:

"ولماذا تريدين مقابلة عرّافة؟ أليس غريبًا أن تهتمي بأمر كهذا؟"

ترددت نورين للحظة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها وقالت:

"مجرد فضول، أردت أن أعرف إن كانت الحكايات التي تُروى عنها حقيقية."

تأملها آرثر للحظات، وكأنه لم يقتنع تمامًا بتفسيرها، ثم قال:

"هناك الكثير ممن يدّعون معرفة الغيب، لكن إن كنتِ تقصدين المرأة التي تعيش قرب السوق القديم، فقد سمعت عنها."

تعلّقت عينا نورين به باهتمام:

"أتعرف أين أجدها؟"

أجاب آرثر وهو يواصل السير:

"أعرف الطريق إلى الحي الذي تقيم فيه، لكن لا أضمن أن نجدها؛ فهي لا تستقبل الزوار في كل وقت."

قالت نورين:

"لا بأس، أريد أن أحاول على الأقل."

نظرت إيلين إليها بقلق:

"هل ما زلتِ مُصرّة على هذا؟"

التفتت نورين قائلة:

"لم أقطع كل هذه المسافة لأتراجع الآن."

أما آرثر فقال:

"حسنًا، سأدلكما على الطريق، لكن إذا وجدنا المكان مغلقًا فلن أنتظر طويلًا."

أومأت نورين موافقة، وراحت تفكر في الأسئلة التي تطاردها: كيف وصلت إلى هنا؟ وهل تستطيع العودة؟ ربما تكون تلك العرّافة هي المفتاح.

قبضت نورين على طرف غطاء رأسها، وأسرعت خطاها لتبقى قريبة من آرثر.

لاحظت إيلين شرودها، فهمست:

"هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة."

أجبرت نورين نفسها على الابتسام، وقالت:

"أنا بخير، لا تقلقي."

وبعد لحظات، التفتت نورين إلى آرثر، وقد أثار فضولها حديثه عن العرّافة، فسألته:

" هل سبق أن قابلتها؟"

هزّ آرثر رأسه نافيًا، وقال:

"لا، لكنني سمعت عنها من بعض التجار الذين أتعامل معهم. وصف لي أحدهم الحي الذي تقيم فيه، لكنني لا أعرف مكان منزلها بالتحديد."

قادهم آرثر عبر عدد من الأزقة المتفرعة عن السوق، حتى ابتعدوا تدريجيًا عن ضجيج الباعة. وحين وصلوا إلى مجموعة من المتاجر الصغيرة، توقف أمام أحدها، حيث كان رجل يجلس خلف منضدة خشبية تتراص فوقها بضائع متفرقة.

تقدّم آرثر منه وسأله:

"عذرًا، هل تعرف أين يقع منزل العرّافة التي تعيش في هذا الحي؟"

رفع الرجل رأسه، وتأمل الثلاثة بنظرة متفحصة قبل أن يسأل:

"ولماذا تبحثون عنها؟"

أجابه آرثر بضيق:

"هذا ليس من شأنك. نريد معرفة الطريق إلى منزلها فحسب."

أطلق الرجل ضحكة خافتة، ثم مال إلى الخلف في مقعده وقال:

"الطريق إليها ليس سهلًا كما تظنون، وقد يستغرق العثور على منزلها وقتًا طويلًا."

ضيّق آرثر عينيه، وقد أدرك أن الرجل يحاول المراوغة، فسأله مباشرة:

"كم تريد مقابل إرشادنا؟"

اتسعت ابتسامة الرجل، وأجاب دون تردد:

"ثلاثون قطعة فضية."

نظر إليه آرثر باشمئزاز، وقد بدا استياؤه واضحًا من استغلال الرجل لحاجتهم، لكنه أخرج النقود ودفعها إليه.

تلقّف الرجل النقود بسرعة، ثم أشار إلى زقاق ضيق يمتد بين صفّين من البيوت القديمة، وقال:

"تابعوا السير من هناك، وستجدون منزلها في نهاية الزقاق."

ألقى آرثر نظرة أخيرة عليه، ثم استدار مشيرًا إلى نورين وإيلين أن تتبعاه.

سارت نورين إلى جوار آرثر، ثم قالت بشيء من الامتنان: "سأعيد إليك المال الذي دفعته، بل سأعطيك أكثر منه."

ردّ آرثر بلا اكتراث: "أعرف ذلك."

نظرت إليه نورين للحظة، وقد فاجأها ردّه الواثق، ثم أخفت ابتسامتها الصغيرة ومضت إلى جواره.

أما إيلين، فاقتربت من نورين وهمست لها:

"ثلاثون قطعة فضية مقابل مجرد إرشاد إلى الطريق!"

ألقت نورين نظرة سريعة نحو المتجر الذي ابتعدوا عنه، ثم قالت بصوت خافت:

"يبدو أنه اعتاد استغلال من يحتاجون إلى مساعدته."

هزّت إيلين رأسها باستنكار، قبل أن تسرع في خطاها للحاق بآرثر.

بعد دقائق، توقف آرثر أمام زقاق ضيق تصطف على جانبيه بيوت قديمة، ثم أشار إلى منزل ذي باب خشبي داكن، تتدلى فوق مدخله حزم من الأعشاب المجففة.

"هذا هو المكان."

تقدمت نورين وطرقت الباب، ثم انتظرت لحظات. وحين لم تتلقَّ إجابة، طرقت مرة أخرى بقوة أكبر، لكن المنزل ظل ساكنًا.

نظرت إلى آرثر، الذي اكتفى بتفحّص الباب، ثم قال:

"يبدو أنه لا يوجد أحد في الداخل."

شعرت نورين بالقلق من احتمال أن تضطر إلى العودة دون إجابات، وأن كل ما بذلته للوصول إلى هنا قد يذهب سدى. لكنها تمسكت بأملها وسألت آرثر:

"هل تعرف متى تعود؟"

هزّ آرثر رأسه وقال:

"لا أحد يعرف مواعيدها."

تعلّقت عينا نورين بالباب المغلق، وخبا الأمل الذي ظهر فيهما قبل لحظات، حتى بدت على وشك البكاء.

وضعت إيلين يدها على كتفها، محاولةً مواساتها، بينما راقبها آرثر بصمت. كان إصرارها على مقابلة العرّافة، ثم خيبة أملها الواضحة، كافيين لإثارة شكه في أن الأمر يعني لها أكثر مما أظهرت.

تنهد آرثر، ثم قال:

"سيدتي إيزابيلا، قد لا تكون هذه العرّافة صادقة من الأساس. وحتى لو كانت كذلك، فأنا لا أعرف متى تعود أو أين ذهبت. ليس أمامنا سوى سؤال أصحاب المتاجر القريبة."

رفعت نورين عينيها إليه، ثم أومأت قائلة:

"حسنًا، لنسألهم."

꧁_____________🖤_____________꧂

بعد انتهاء المواجهة، عاد أدريان ولوران إلى السوق، حيث بدأت الحركة تعود تدريجيًّا إلى طبيعتها، رغم آثار الفوضى التي خلّفها الاشتباك.

توقف أدريان والتفت إلى لوران قائلًا:

"اذهب إلى المكان الذي أخذوا إليه الرجل المقبوض عليه، وتولَّ التحقيق معه بنفسك."

عقد لوران حاجبيه مستفسرًا:

"وأنت؟ هل ستبقى هنا وحدك؟"

أجابه إدريان بهدوء:

"سأبقى لبعض الوقت. أريد أن أتفقد المكان وأرى إن كان هناك ما يستحق الانتباه."

نظر لوران حوله، ثم أعاد نظره إلى أدريان.

"ألا تظن أن من الأفضل أن نذهب معًا؟ لا نعرف إن كان هناك آخرون متورطون في الأمر."

نظر أدريان إليه بجدية وقال:

"لهذا السبب تحديدًا أريدك أن تتولى التحقيق معه. ربما نتمكن من معرفة شيء قبل أن يفكر في إخفاء ما يعرفه."

تنهد لوران، ثم قال:

"حسنًا، سأذهب إليه. لكن لا تتصرف بتهور بينما أنا بعيد."

رفع أدريان حاجبه ونظر إليه ببرود.

"منذ متى أتصرف بتهور؟"

ابتسم لوران ابتسامة جانبية.

"أأجيبك حقًّا؟"

لم يعلّق أدريان، واكتفى بنظرة جعلت لوران يضحك بخفة قبل أن يستدير مغادرًا.

تابعه أدريان بنظره حتى اختفى بين المارة، ثم بدأ يتفحص السوق بعينيه، مراقبًا المتاجر والوجوه من حوله. ظل واقفًا لبعض الوقت، مستعيدًا تفاصيل المواجهة في ذهنه، قبل أن يُخرج القطعة المعدنية التي عثر عليها مع أحد المهاجمين.

قلّبها بين أصابعه، متأملًا النقش المحفور على سطحها. كان قد رآه من قبل، لكنه لم يتذكر أين.

أدار القطعة نحو الضوء، وأمعن النظر في تفاصيلها، حتى اتضحت له صورة مألوفة.

تذكر فجأة أنه رأى النقش نفسه على لافتة إحدى ورش الحدادة في السوق القديم.

ضيّق عينيه وهو يتأمل القطعة مرة أخرى. لم يكن ذلك كافيًا للجزم بوجود صلة بين الورشة والهجوم، لكنه كان خيطًا يستحق التحقق منه.

أعاد القطعة إلى جيبه، ثم اتجه نحو الطريق المؤدي إلى السوق القديم، عازمًا على معرفة ما إذا كانت تلك العلامة ستقوده إلى شيء مفيد.

꧁_____________🖤______________꧂

​وفي غضون ذلك، وبينما كان آرثر يسأل أحد الباعة عن العرّافة، وإيلين منشغلة بالحديث مع امرأة تعرض أقمشة مطرزة، لفت انتباه نورين صوت رجل ينادي على بضاعته في نهاية الزقاق.

خطت بضع خطوات نحو مصدر الصوت، ظنًا منها أن الزقاق يؤدي إلى الشارع الرئيسي، ولم تنتبه إلى ابتعادها عن رفيقيها إلا حين خفتت الأصوات المألوفة من حولها.

توقفت والتفتت خلفها:

"إيلين؟ آرثر؟"

لم تتلقَ إجابة. حاولت العودة، لكن حركة المارة أربكتها. وقبل أن تقرر أي اتجاه تسلك، لمحت رجلًا يعبر الشارع المقابل؛ طويل القامة، يرتدي ملابس داكنة بسيطة، وشعره الأسود ينسدل فوق جبهته.

توقفت عيناها عند ملامحه لوهلة، وشعرت بإحساس غريب بالألفة تجاهه.

تحركت خلفه بحذر، محافظةً على مسافة كافية حتى لا يلاحظها. انعطف الرجل إلى زقاق أكثر هدوءًا، فتبعته نورين. لكن ما إن وصلت إلى نهايته حتى توقفت فجأة؛ لم يكن هناك أحد! امتد الطريق خاليًا أمامها، ولم يظهر سوى جدار حجري وباب خشبي مغلق.

قطبت حاجبيها:

"أين ذهب؟"

ولم تكد تنهي كلماتها حتى سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا يأتي من خلفها:

"أليس من الخطر أن تتبعي شخصًا غريبًا؟"

اتسعت عيناها واستدارت بسرعة، لكن الرجل تحرك قبل أن تتمكن من رؤية ملامحه بوضوح؛ أمسك بذراعها ودفعها إلى الجدار الحجري خلفها، فاصطدم ظهرها به وانحبس الهواء في صدرها من شدة المفاجأة.

وفي اللحظة التالية، لمعت شفرة خنجر أمام عينيها، واستقر طرفه البارد عند عنقها، وقف الرجل أمامها عن قرب، حاجبًا عنها طريق الخروج بجسده، بينما ثبت نظره عليها دون أن يمنحها فرصة للفرار.

رفعت نورين عينيها إليه وقد تسارعت أنفاسها، والتقت نظراتها بعينين خضراوين داكنتين لا أثر فيهما للتردد.

قال بصوت منخفض، بينما ظل الخنجر ثابتًا عند رقبتها:

"والآن... أخبريني، لماذا كنتِ تتبعينني؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما وراء القناع

المؤلف Ñorãn Fãwžy
2026/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة