دوّى طرقٌ خفيف على باب الجناح.
تجمدت نورين للحظة، ثم رفعت رأسها بسرعة.
"ليدي إيزابيلا؟"
انخفض بصرها إلى الدفتر المفتوح بين يديها، ثم إلى الصفحة التالية التي لم تتمكن من قراءتها بعد.
أغلقت الدفتر بسرعة، وأخفته تحت الوسادة قبل أن تقول:
"ادخل."
انفتح الباب بهدوء، ودخل أحد حراس القصر بعد أن انحنى لها باحترام.
"ليدي إيزابيلا، الدوق يطلب حضوركِ إلى الطابق السفلي."
انعقد حاجبا نورين قليلًا.
"والدي؟"
"نعم، سيدتي."
ألقت نظرة سريعة نحو الوسادة التي أخفت الدفتر تحتها، ثم عادت بنظرها إلى الحارس.
"هل أخبرك بسبب استدعائه لي؟"
هز الحارس رأسه.
"لا، سيدتي. طلب فقط أن آتي إليكِ وأخبركِ أنه ينتظرك."
ساد الصمت للحظة.
لم يكن لدى نورين أي فكرة عما قد يريده الدوق منها.
قالت أخيرًا:
"حسنًا... أخبره أنني قادمة."
انحنى الحارس مرة أخرى، ثم غادر وأغلق الباب خلفه.
انتظرت نورين لثوانٍ حتى تأكدت من ابتعاد خطواته، ثم سحبت الدفتر من تحت الوسادة.
نظرت إليه للحظة.
كانت الصفحة التالية لا تزال تخفي عنها إجابة السؤال الذي ظل يدور في رأسها.
من هو؟
لكن يبدو أن عليها الانتظار.
أعادت الدفتر إلى مكانه،ثم اتجهت نحو الباب.
ما إن وصلت نورين إلى الطابق السفلي حتى أدركت سبب استدعائها.
لم يكن الدوق وحده في انتظارها.
كانت أبواب صالون الاستقبال مفتوحة، وانسابت من داخله أصوات حديث هادئ. توقفت نورين أمام الباب للحظة، ثم ألقت نظرة إلى الداخل.
جلست الدوقة إيلانورا بالقرب من إحدى الطاولات الطويلة، وإلى جوارها الكونتيسة، بينما جلس الدوق في الجهة المقابلة يتحدث مع رجل لم تعرفه نورين.
ولم تكن الغرفة خالية من الضيوف أيضًا.
جلست إلى جانب النافذة سيدة من أقارب العائلة، وبرفقتها ابنتاها، بينما انتشرت أمامهن مجموعة من الصناديق المفتوحة والأقمشة المعروضة بعناية.
ألوان زاهية من الحرير والمخمل.
علب صغيرة احتوت على قلائد وأساور وأقراط.
قوارير عطر جاءت من العاصمة.
وأشياء أخرى بدت غريبة على نورين، لم ترَ مثلها من قبل.
ما إن وقعت عينا الدوقة عليها حتى ابتسمت.
"تعالي يا إيزابيلا."
دخلت نورين ببطء.
التفتت إليها عدة أعين في اللحظة نفسها، وهو ما جعلها تشعر بشيء من الارتباك، لكنها حاولت ألا يظهر ذلك على وجهها.
قال الدوق:
"وصل تاجر من العاصمة هذا الصباح، وسمحنا له بعرض بعض بضائعه هنا قبل أن يغادر."
ثم أضاف، وهو يشير إلى الطاولة:
"رأت والدتكِ أنكِ قد تجدين شيئًا يعجبكِ."
اتجهت نورين نحوهن، بينما ظلت عيناها تتنقلان بين الأشياء المعروضة.
كانت جميلة.
لكن عقلها لم يكن حاضرًا تمامًا.
كلما نظرت إلى الدوقة، عادت إليها كلمات إيزابيلا التي قرأتها قبل قليل.
لا أكرهها... لكنني أخاف أن أصدقها.
شعرت نورين بشيء من التوتر.
كانت تعرف أن هذه المرأة أمامها ليست أمها.
لكنها، رغم ذلك، لم تستطع أن تنسى الطفلة التي ظلت تنتظر خلف باب غرفتها أمًا لم تأتِ.
انتبهت إلى صوت الدوقة وهي تقول:
"انظري إلى هذه."
رفعت نورين رأسها.
كانت إيلانورا تمسك بقلادة رقيقة، تدلت منها قطعة صغيرة من حجر أزرق داكن.
"أعتقد أنها ستليق بكِ."
وقبل أن تتمكن نورين من الرد، قالت الكونتيسة وهي تلقي نظرة سريعة على القلادة:
"هذه؟"
رفعت الدوقة عينيها إليها.
أكملت الكونتيسة بهدوء:
"لا أراها جميلة إلى هذا الحد."
ثم مدت يدها نحو صندوق آخر.
"خذي هذه يا إيزابيلا."
رفعت قلادة مختلفة، أكثر لمعانًا وزخرفة.
"هذه أجمل بكثير."
ساد صمت قصير.
انخفض بصر نورين إلى القلادة التي ما زالت في يد الدوقة.
ولم تكن تعرف لماذا...لكن شيئًا في ملامح إيلانورا جعلها تتردد.
لم يكن غضبًا.
ولا اعتراضًا صريحًا.
مجرد صمت صغير.
وصوت لم تنطق به.
كأنها اعتادت أن يُختار بدلًا منها.
عادت إلى ذهن نورين كلمات المذكرات مرة أخرى.
أخاف أن أمد يدي إليها... ثم أعود لأجدها فارغة.
شعرت بشيء يضغط في صدرها.
ثم رفعت عينيها إلى الدوقة.
كانت لا تزال تمسك بالقلادة، لكن ابتسامتها خفتت قليلًا.
ولسبب لم تفهمه نورين تمامًا...ابتسمت لها بحنان.
ثم مدت يدها وأخذت القلادة من بين أصابعها.
"أعجبتني هذه... التي اختارتها لي أمي."
ساد الصمت.
لم يكن طويلًا.
لكنه كان كافيًا لتتغير نظرة إيلانورا.
رفعت عينيها إلى نورين، وكأنها لم تتوقع سماع تلك الكلمات منها، لكن ابتسامة هادئة ظهرت على وجهها بعد لحظات.
"إذن ستكون لكِ."
أما نورين...فشعرت فجأة أن التوتر الذي رافقها منذ نزولها إلى الصالون قد اختفى قليلًا.
للمرة الأولى منذ قرأت مذكرات إيزابيلا...لم تنظر إلى الدوقة باعتبارها المرأة التي ابتعدت عن ابنتها.
بل باعتبارها أمًا ربما حاولت الاقتراب...لكن بعد فوات الأوان.
جلست نورين إلى جوارها، بينما عاد التاجر إلى فتح صندوق آخر ووضع أمامهن مجموعة من الأقمشة.
"وصلت هذه الأقمشة حديثًا من العاصمة، سيداتي."
انحنت نورين قليلًا تتفحصها.
امتدت أمامهن لفائف من الحرير الناعم، وأخرى من المخمل الثقيل، بألوان مختلفة تراوحت بين الأزرق الداكن والأخضر الزمردي والأحمر القاتم، إلى جانب أقمشة مطرزة بخيوط فضية وذهبية.
قالت إحدى الفتاتين وهي تمرر أصابعها فوق قماش وردي فاتح:
"هذا جميل."
نظرت إليها نورين للحظة، ثم عادت إلى الأقمشة.
أما الدوقة، فاختارت قطعة من الحرير الأزرق الداكن ورفعتها قليلًا.
"هذا اللون سيليق بكِ."
ابتسمت نورين.
للحظة، عادت إليها كلمات إيزابيلا عن فستانها الأزرق.
أما الأزرق... فيجعل عينَيّ تبدوان أجمل.
خفضت نورين عينيها نحو القماش، وشعرت بشيء غريب.
حتى اختياراتها كانت تعرفها الآن.
قالت الكونتيسة وهي تلقي نظرة على القماش:
"كانت ستختاره حتى لو لم تقولي شيئًا."
التفتت نورين إليها.
"حقًا؟"
ابتسمت الكونتيسة بخفة.
"منذ كنتِ صغيرة وأنتِ مقتنعة أن الأزرق خُلق لكِ وحدكِ."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي نورين.
نظرت الدوقة إلى ابنتها.
"إذن لا أظن أن رأيي سيغير شيئًا."
قالت نورين هذه المرة بخفة أكبر:
"ربما لا."
ارتفعت ضحكة خافتة من الكونتيسة، بينما بدا على وجه الدوقة شيء يشبه الراحة.
واستمر التاجر في عرض بضائعه.
اختارت السيدات بعض الأقمشة، وبدأ الحديث ينتقل بين ألوان الفساتين والحفلات القادمة، بينما كانت نورين تستمع إليهن أكثر مما تتحدث.
لكن بعد لحظات، وضع الدوق الكأس الذي كان بين يديه جانبًا، ثم قال:
"بالمناسبة... لم يبقَ سوى يومين."
التفتت إليه الدوقة.
"يومان على ماذا؟"
نظر إليها الدوق للحظة، ثم قال بهدوء:
"عيد ميلادكِ."
ساد صمت قصير.
ثم تنهدت الدوقة.
"كنت أعلم أن أحدكم سيذكر الأمر."
ابتسم الدوق قليلًا.
"من الصعب تجاهل مناسبة كهذه."
تدخلت إحدى القريبات بابتسامة:
"بل من المستحيل، خصوصًا أن الدوق يرفض أن يمر عيد ميلادكِ هذا العام دون احتفال."
رفعت الدوقة حاجبًا.
"احتفال؟"
قال الدوق:
"عشاء صغير فقط."
نظرت إليه إيلانورا وكأنها لا تصدقه.
"أنت لا تعرف معنى كلمة صغير."
ضحك بعض الموجودين بخفة.
أما نورين، فتوقفت يدها فوق قطعة القماش التي كانت تتفحصها.
عيد ميلاد الدوقة.
انخفض بصرها قليلًا.
وبدأت فكرة صغيرة تتشكل في ذهنها.
هدية.
هدية تختارها بنفسها.
رفعت عينيها نحو الأشياء القادمة من العاصمة، ثم إلى التاجر.
كانت تلك أول مرة منذ وصولها إلى هذا العالم تفكر بوضوح في تقديم شيء إلى إيلانورا.
ليس لأن إيزابيلا كانت ستفعل ذلك...بل لأنها، بعد كل ما قرأته، شعرت أن هناك شيئًا واحدًا على الأقل يمكنها فعله.
أن تمنح هذه المرأة ذكرى جديدة...لا تبدأ بالمسافة بينهما.
نظرت نورين إلى الدوقة مرة أخرى.
كانت منشغلة في الحديث مع الكونتيسة حول أحد الأقمشة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة.
خفضت نورين بصرها للحظة.
ثم قالت:
"وهل ستقيمون الاحتفال هنا؟"
التفتت إليها الدوقة.
"بالطبع."
أجاب الدوق بدلًا منها:
"عشاء وحفل صغير يحضره أفراد العائلة وبعض الضيوف المقربين."
قالت إحدى الفتاتين الجالستين بالقرب منهن بحماس:
"أتمنى ألا يكون صغيرًا إلى هذا الحد."
نظرت إليها والدتها بنظرة جعلتها تصمت، بينما ارتفعت ضحكة خافتة من الكونتيسة.
أما نورين، فبقيت تنظر إلى الدوق.
"وهل ستأتون بكل شيء من العاصمة؟"
أجابها هذه المرة:
"معظم ما نحتاج إليه موجود هنا."
ثم أضاف، وهو يشير إلى التاجر:
"وما ينقصنا، سيصل مع التجار خلال اليومين القادمين."
أومأت نورين ببطء.
ثم قالت، محاولة أن تجعل الأمر يبدو عاديًا قدر الإمكان:
"كنت أفكر..."
توقفت للحظة.
التفتت إليها إيلانورا باهتمام.
"في ماذا؟"
نظرت نورين إلى والدها، ثم قالت:
"في أن أذهب إلى العاصمة."
ساد صمت قصير.
توقفت يد الدوقة فوق قطعة القماش التي كانت تتفحصها.
أما الدوق، فنظر إليها مباشرة.
"العاصمة؟"
أومأت نورين.
"نعم. لم أرَها منذ..."
توقفت للحظة.
كادت تقول: منذ جئت إلى هذا العالم.
لكنها تداركت نفسها سريعًا.
"منذ وقت طويل."
راقبتها الدوقة لثوانٍ قبل أن تسأل:
"ولماذا تريدين الذهاب الآن؟"
نظرت نورين إلى الأشياء المنتشرة أمامها، ثم قالت:
"أردت أن أرى المدينة قليلًا... وأفكر في شراء بعض الأشياء."
رفعت إحدى الفتاتين حاجبها.
"بعض الأشياء؟"
ترددت نورين.
ثم نظرت إلى الدوقة.
"ربما... هدية."
تغيرت ملامح إيلانورا قليلًا.
"هدية؟"
أومأت نورين.
"عيد ميلادكِ بعد يومين."
ساد صمت قصير.
وللمرة الثانية في ذلك اليوم، بدت الدوقة وكأنها لم تعرف كيف ترد.
ابتسمت نورين بخفة، ثم قالت:
"لا أريد أن أختار شيئًا من هنا. أريد أن أختاره بنفسي."
قالت الفتاة الأخرى، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة:
"فكرة جميلة."
لكن الدوق لم يبدُ مقتنعًا بالقدر نفسه.
قال بهدوء:
"لا أرى أن هذا وقت مناسب للنزول إلى العاصمة."
التفتت نورين إليه.
"لماذا؟"
تبادل الدوق والدوقة نظرة سريعة.
ثم أجاب:
"الأوضاع هناك ليست مستقرة هذه الأيام."
انعقد حاجبا نورين.
"بسبب ماذا؟"
قال الدوق:
"مشكلات في السوق. ازدحام، ومشاجرات بين الناس، وبعض التجار يستغلون الوضع."
تدخلت الكونتيسة:
"وصلتنا أخبار غير مطمئنة خلال الأيام الماضية."
شعرت نورين بخيبة أمل صغيرة، لكنها لم تستسلم.
"لكن يمكنني الذهاب بالعربة."
نظر إليها الدوق.
"إيزابيلا."
"مع إيلين."
توقفت للحظة، ثم أضافت:
"وحارسين."
بقي الدوق صامتًا.
أما الدوقة، فرفعت عينيها إلى نورين وقالت:
"الأمر لا يتعلق بعدد الحراس."
قالت نورين:
"لن أذهب وحدي."
"ونحن لا نقول إنكِ ستفعلين."
كان صوت الدوقة هادئًا، لكنه حمل تلك النبرة التي جعلت نورين تفهم أن الأمر محسوم.
خفضت عينيها قليلًا.
"إذن... لن أذهب."
قالت ذلك بهدوء.
لكن خيبة الأمل ظهرت في صوتها رغم محاولتها إخفاءها.
نظرت إليها إيلانورا للحظة، ثم قالت بلطف:
"يمكنكِ أن تختاري أي شيء يعجبكِ من بضائع التاجر."
رفعت نورين رأسها.
"لكنني أردت أن أختاره بنفسي."
لانت ملامح الدوقة قليلًا.
"وهذا وحده يكفيني."
شعرت نورين بشيء غريب في صدرها.
لو كانت تقرأ هذه الكلمات في المذكرات...ربما كانت إيزابيلا ستفسرها بطريقة مختلفة.
إنها لا تريدني أن أذهب.
إنها لا تهتم بما أريده.
لكن نورين نظرت إلى وجه إيلانورا.
ورأت شيئًا آخر.
الخوف.
لم يكن خوفًا واضحًا.
لكنه كان موجودًا.
خفضت نورين بصرها وقالت أخيرًا:
"حسنًا."
عاد الحديث في الصالون إلى الأقمشة والبضائع، بينما حاولت نورين أن تشاركهن اختيار بعض القطع.
لكن عقلها لم يكن حاضرًا تمامًا.
كانت العاصمة تبدو الآن أبعد مما توقعت.
ولم تكن تعرف أن ذلك الرفض...لن يكون نهاية الفكرة.
بل بدايتها.
ظل التاجر يعرض ما بقي معه من بضائع، حتى انتهى تقريبًا من الصناديق الموضوعة أمامه.
وبينما كان يجمع بعض القطع، قال الدوق:
"هل ستبقى في العاصمة طويلًا قبل أن تعود؟"
رفع الرجل رأسه.
"ليومين أو ثلاثة على الأكثر، سيدي."
قالت إحدى السيدات:
"في هذه الأوضاع؟"
تنهد التاجر وهو يعيد غطاء أحد الصناديق إلى مكانه.
"لا أحد يختار الوقت يا سيدتي. التجارة لا تنتظر حتى تهدأ المدن."
ابتسمت السيدة بخفة، لكن التاجر لم يبادلها الابتسامة.
وأضاف:
"على كل حال، ليست اضطرابات السوق وحدها ما جعل الناس يتحدثون هذه الأيام."
توقفت يد نورين فوق قطعة القماش.
رفع الدوق عينيه إليه.
"ماذا تقصد؟"
تردد الرجل للحظة.
ثم قال:
"أحاديث الناس، سيدي."
قالت إحدى الفتاتين بفضول:
"عن ماذا؟"
ابتسم التاجر ابتسامة خفيفة.
"عن أشياء كثيرة."
ثم أضاف:
"لكن أكثر ما سمعته خلال وجودي في العاصمة... كان حديثًا عن امرأة غريبة ظهرت هناك."
تبادلت بعض السيدات النظرات.
أما نورين، فرفعت رأسها ببطء.
قالت الكونتيسة:
"امرأة غريبة؟"
أومأ التاجر.
"هذا ما يقوله الناس."
اقتربت إحدى الفتاتين قليلًا.
"ومن تكون؟"
هز الرجل رأسه.
"لا أحد يعرف على وجه اليقين."
ثم قال، وكأنه لا يريد إعطاء الأمر أهمية أكبر مما يستحق:
"البعض يقول إنها عرّافة. والبعض الآخر يقول إنها ساحرة."
ساد صمت قصير.
ابتسمت إحدى السيدات بسخرية.
"وهل ما زال الناس يصدقون مثل هذه الحكايات؟"
أجاب التاجر:
"حين تخاف الناس أو تبحث عن إجابة لا تجدها في مكان آخر... تصدق أشياء كثيرة."
توقفت كل الأصوات حول نورين عند تلك الكلمة... ساحرة.
خفضت عينيها ببطء.
ثم عادت كلمات الرجل إلى ذهنها.
عرّافة... ساحرة.
قالت الفتاة بحماس:
"وماذا تفعل؟"
أجاب التاجر:
"يقال إنها تعرف أشياء لا ينبغي لها أن تعرفها."
توقفت أنفاس نورين للحظة.
تابع الرجل:
"وأنها تستطيع أن تجيب عن أسئلة لا يملك الآخرون إجابة عنها."
قالت السيدة بسخرية:
"بالطبع. لو كانت تملك كل تلك الإجابات، لعرفت كيف تجعل السوق أكثر هدوءًا."
ارتفعت ضحكة خفيفة من بعض الجالسات.
أما نورين...فلم تضحك.
كانت تنظر إلى الفراغ أمامها.
ماذا لو كانت تعرف؟
ماذا لو كانت تعرف شيئًا عن العوالم الأخرى؟
عن الأماكن التي لا تنتمي إليها؟
عن فتاة استيقظت ذات يوم داخل جسد شخصية تعرف نهايتها؟
انخفضت أصابعها ببطء فوق القماش.
وللمرة الأولى منذ أن أخبرها الدوق أنها لن تذهب إلى العاصمة...
عادت الفكرة إلى رأسها.
لكنها لم تعد تتعلق بهدية.
هذه المرة...كانت تتعلق بها هي.
وبمكان لا تزال، في أعماقها، تريد أن تعود إليه.
عالمها.
رفعت رأسها فجأة، ونظرت إلى التاجر.
"وأين توجد؟"
ساد صمت قصير.
التفتت إليها عدة وجوه في الوقت نفسه.
بدا التاجر متفاجئًا من اهتمامها المفاجئ، ثم قال:
"في العاصمة، سيدتي."
اعتدلت نورين في جلستها.
"أين في العاصمة؟"
تبادل التاجر نظرة سريعة مع الدوق، قبل أن يعيد بصره إليها.
"لا أعرف مكانًا محددًا. يقول الناس إنها تظهر في أماكن مختلفة، لكنها شوهدت مؤخرًا بالقرب من السوق القديم."
انعقد حاجبا نورين.
"وهل ما زالت هناك؟"
قال التاجر:
"على حد علمي، نعم."
تدخلت الدوقة هذه المرة، وقد بدا الاستغراب واضحًا في نبرتها:
"ولماذا يهمكِ أمر امرأة لا تعرفين حتى إن كانت حكايتها حقيقية؟"
ترددت نورين للحظة.
ثم أدركت أن عليها أن تبدو طبيعية.
فقالت سريعًا:
"لا يهمني، كنت فقط أشعر بالفضول."
لكن نظرة إيلانورا بقيت معلقة بها للحظات، وكأنها لم تقتنع تمامًا.
خفضت نورين عينيها نحو القماش أمامها، محاولة أن تخفي اضطرابها.
لكن شيئًا واحدًا طغى على كل ما حولها... السوق القديم.
وفي مكان ما داخل العاصمة...امرأة قد تعرف شيئًا عن العوالم التي لم تكن تنتمي إليها.
بعد أن انتهى التاجر من عرض ما تبقى من بضاعته، لم تبقَ نورين في الصالون طويلًا.
اعتذرت بعد قليل، ثم عادت إلى جناحها.
ما إن أُغلق الباب خلفها حتى خفتت الأصوات القادمة من الممر.
وقفت نورين في منتصف الغرفة للحظات، بينما عادت كلمات التاجر إلى ذهنها من جديد.
ساحرة.
العاصمة.
السوق القديم.
نظرت نحو النافذة بصمت.
كان عقلها ممتلئًا بأفكار كثيرة، أكثر مما أرادت الاعتراف به حتى لنفسها.
وبينما كانت لا تزال واقفة في مكانها.
✦ ───────── ✦
كان الليل قد حلّ على القصر الملكي.
جلس أدريان خلف المكتب في جناحه، بينما امتدت أمامه خريطة للعاصمة فوق سطح الطاولة.
وقف لوران إلى جانبه، ينظر إليها بصمت قبل أن يقول:
"إذن ستذهب غدًا؟"
رفع أدريان عينيه إليه.
"في الصباح."
عقد لوران ذراعيه أمام صدره.
"إلى السوق؟"
أجاب أدريان:
"إلى حيث توجد المشكلة."
اقترب لوران من الطاولة، وألقى نظرة على الخريطة.
"وستذهب وحدك؟"
ساد صمت قصير.
ثم قال أدريان:
"هذا ما طلبه الملك."
رفع لوران حاجبه.
"طلب منك ألا يعرف أحد أنك أمير، لا أن تتصرف وكأنك لا تملك عقلًا."
رفع أدريان عينيه إليه.
"هل انتهيت؟"
ابتسم لوران ابتسامة خفيفة.
"لم أبدأ بعد."
أطلق أدريان زفرة خافتة، ثم أعاد نظره إلى الخريطة.
"لن أذهب بزيي العسكري، ولن ترافقني حراسة."
صمت لوران للحظة.
"وهل لديك خطة؟"
رفع أدريان إحدى الخرائط الصغيرة.
"سأدخل من الجهة الشمالية للسوق. سأراقب الوضع أولًا، ثم أتحدث مع الناس."
سأله لوران:
"والتجار؟"
أجاب أدريان:
"أي شخص يمكنه أن يخبرني بما يحدث، دون أن يعرف لمن يتحدث."
ظل لوران ينظر إليه للحظات، ثم قال:
"هذا الجزء الأخير هو الذي يقلقني."
رفع أدريان عينيه إليه.
"لماذا؟"
ابتسم لوران.
"لأنك لا تعرف كيف تبدو كشخص عادي."
ساد الصمت.
ثبت أدريان نظره عليه.
أضاف لوران:
"لا تنظر إليّ هكذا. أنت أمير وقائد جيش، أدريان. حتى عندما تحاول أن تبدو عاديًا... تبدو وكأنك تحاول أن تبدو عاديًا."
قال أدريان ببرود:
"اخرج."
ضحك لوران.
"هذه ليست خطة."
ردّ أدريان بنفاد صبر:
"اخرج يا لوران."
رفع لوران يديه باستسلام، ثم اتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، التفت إليه.
"في الصباح إذن."
جاء رد أدريان هادئًا:
"في الصباح."
أغلق الباب خلفه.
وبقي أدريان وحده في الغرفة.
أنزل نظره إلى الخريطة مرة أخرى.
كان السوق مجرد مكان على الورق.
نقاط وشوارع وأسماء.
لكنه في صباح اليوم التالي...سيكون المكان الذي سيقوده إلى أول شيء لم يكن يتوقع العثور عليه.
✦ ───────── ✦
في جناح ولي العهد، وقف فيكتور أمام النافذة، بينما امتدت أضواء العاصمة البعيدة أمامه. لم يكن يرتدي ملابسه الرسمية هذه المرة، وقد تخلّى عن سترته الخارجية، تاركًا ذراعيه خلف ظهره في صمت.
خلفه، جلس رجل في منتصف العمر على أحد المقاعد القريبة من المدفأة.
الكونت داميان.
كان من كبار نبلاء المملكة، ومستشارًا سابقًا للملك. ورغم ابتعاده عن المجلس منذ سنوات، لم يكن من السهل أن ينسى أحد مقدار النفوذ الذي احتفظ به داخل القصر.
قال داميان بهدوء:
"يبدو أن شقيقك عاد في الوقت المناسب."
لم يلتفت فيكتور إليه.
"عاد من الحملة. هذا كل شيء."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي داميان.
"بالطبع."
ساد الصمت للحظات.
ثم تابع الكونت، وكأنه يذكر أمرًا عابرًا:
"مقعد في المجلس الملكي في يوم عودته."
التفت فيكتور إليه هذه المرة.
"إنه ممثل للجيش."
رفع داميان حاجبه قليلًا.
"أعرف."
ثم أضاف بهدوء:
"لكنني أتذكر جيدًا أن مقاعد المجلس لا تُمنح بهذه السرعة."
ثبتت عينا فيكتور عليه.
"ماذا تريد أن تقول؟"
ابتسم داميان ابتسامة هادئة.
"لا شيء يا سمو ولي العهد."
توقف قليلًا، ثم أضاف:
"أنا فقط ألاحظ ما يحدث."
عاد فيكتور بنظره نحو النافذة.
"أدريان لا يهتم بالمجلس."
ضحك داميان ضحكة خافتة.
"وهذا ما يجعله أخطر مما تعتقد."
انعقد حاجبا فيكتور.
"أخطر؟"
نهض داميان ببطء من مقعده واتجه نحوه.
"الرجل الذي يطلب السلطة يمكن التعامل معه، لأنك تعرف ما الذي يريده."
توقف إلى جواره.
"أما الرجل الذي لا يريدها..."
أدار رأسه قليلًا نحو فيكتور.
"فهو أخطر. لأن الآخرين قد يمنحونها له من تلقاء أنفسهم."
ساد الصمت.
كانت كلمات بسيطة.
لكنها بقيت معلقة بينهما.
قال فيكتور بعد لحظة:
"أدريان أخي."
أومأ داميان ببطء.
"ولهذا أثق أنك ستعرف متى تتوقف عن النظر إليه باعتباره أخاك فقط."
تغيرت ملامح فيكتور قليلًا.
أما داميان، فابتسم ثم استدار مبتعدًا.
وقبل أن يصل إلى الباب، توقف.
"لقد رأيت ملوكًا كثيرين يا سمو ولي العهد."
لم يلتفت فيكتور إليه.
تابع داميان:
"وفي النهاية، لا يكفي أن تكون الأول في ترتيب الوراثة."
ساد الصمت.
ثم قال بصوت هادئ:
"يكفي أحيانًا أن يظهر شخص آخر... فيبدأ الجميع بالتساؤل عمّن هو الأنسب للحكم."
فتح الباب.
وتوقف للحظة أخيرة.
"ليلة هادئة، سموك."
خرج داميان.
وبقي فيكتور وحده أمام النافذة.
للحظات، لم يتحرك.
ثم انخفض بصره ببطء.
مقعد في المجلس الملكي.
عاد صوت داميان إلى ذهنه.
"أما الرجل الذي لا يريد السلطة... فهو أخطر."
رفع فيكتور عينيه نحو أضواء العاصمة.
لكن هذه المرة...لم تكن ملامحه هادئة كما كانت قبل دقائق.
✦ ───────── ✦
دخلت نورين جناحها، وأغلقت الباب خلفها.
ما إن ابتعدت عن الممر حتى بدأت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم عادت من حيث بدأت.
كان حديث التاجر لا يزال يتردد في ذهنها.
امرأة تعرف الكثير عن أمورٍ لا ينبغي أن يعرفها أحد.
توقفت فجأة أمام النافذة.
العاصمة.
كانت الساحرة هناك.
وإن كانت هناك فرصة واحدة فقط لمعرفة شيء عن العالم الذي جاءت منه...فلا يمكنها تجاهلها.
استدارت من جديد، وعادت إلى السير.
"هذا جنون."
قالتها لنفسها، لكنها لم تتوقف.
"جنون كامل."
ثم تمتمت بعد لحظة:
"لكن ماذا لو كانت تعرف فعلًا؟"
في تلك اللحظة، دوّى طرق خفيف على الباب.
توقفت نورين.
"ادخل."
انفتح الباب، ودخلت إيلين.
توقفت الوصيفة عند الباب للحظة، ونظرت إليها باستغراب.
"هل حدث شيء يا ليدي؟"
أدارت نورين رأسها إليها.
"أحتاج إلى الذهاب إلى العاصمة."
ساد الصمت.
رمشت إيلين.
"ماذا؟"
قالت نورين بهدوء:
"إلى العاصمة."
تقدمت إيلين خطوة.
"الآن؟"
أجابت نورين فورًا:
"في أقرب وقت."
حدقت بها إيلين لثوانٍ، ثم قالت ببطء:
"ليدي إيزابيلا... هل أنتِ بخير؟"
عقدت نورين حاجبيها.
"لماذا يسألني الجميع هذا السؤال؟"
أجابتها إيلين:
"لأنكِ منذ دقائق كنتِ في الأسفل تختارين المجوهرات، والآن تريدين السفر إلى العاصمة."
زفرت نورين، ثم اقتربت منها.
"إيلين... أريد الذهاب إلى هناك لجلب هدية لأمي."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم نظرت إليها إيلين بنظرة لم تخفِ شكها.
"هذا سبب غير منطقي، يا ليدي."
ترددت نورين للحظة، ثم قالت:
"حسنًا... اسمعيني."
اقتربت منها قليلًا، وخفضت صوتها.
"هناك سبب آخر."
ثبتت إيلين نظرها عليها.
تابعت نورين:
"أريد مقابلة تلك المرأة التي تحدث عنها التاجر."
تغيرت ملامح إيلين.
"سيدتي... هذا خطر."
اتسعت عينا نورين قليلًا.
"إيلين—"
قاطعتها إيلين هذه المرة:
"لن أساعدكِ على الخروج من القصر والسفر إلى العاصمة من أجل البحث عن ساحرة!"
قالت نورين بسرعة:
"ليست ساحرة بالضرورة."
رفعت إيلين حاجبًا.
"وهل هذا أفضل؟"
صمتت نورين لحظة.
ثم قالت:
"ربما تعرف شيئًا عن أمورٍ لا نعرف عنها شيئًا."
حدقت بها إيلين لثوانٍ، ثم قالت:
"وهذا أسوأ."
تنفست نورين بعمق.
كانت تعرف أن إيلين لن توافق بسهولة.
لذلك اقتربت منها أكثر، وقالت بصوت منخفض:
"إيلين..." لا تجعليني أندم على أنني أخبرتكِ بما أريده."
تغيرت ملامح إيلين قليلًا.
خفضت نورين صوتها أكثر.
"هناك أمر مهم لا أستطيع البوح به الآن، لذلك ساعديني على الخروج... أرجوكِ. يجب أن أقابل تلك المرأة."
ساد الصمت بينهما.
أشاحت إيلين بنظرها عنها، وكأنها تفكر فيما قالته.
ثم سألت:
"وماذا لو كانت مجرد امرأة مجنونة؟"
أجابت نورين دون تردد:
"إذن سأعود."
رفعت إيلين عينيها إليها.
"وماذا لو لم تكن كذلك؟"
توقفت نورين.
للحظة، لم تعرف كيف تجيب.
ثم قالت:
"عندها... سأعرف شيئًا على الأقل."
ثبتت إيلين عينيها عليها.
كان واضحًا أنها لا تزال ترفض، لكن نورين رأت التردد يتسلل إلى ملامحها.
فقالت بهدوء:
"لن أذهب وحدي."
حدقت بها إيلين.
"هذا ليس سببًا يجعل الأمر أفضل."
ابتسمت نورين ابتسامة صغيرة.
"لكنه سبب يجعلكِ تأتين معي."
أغمضت إيلين عينيها للحظة، وكأنها تحاول التحلي بالصبر.
"ليدي إيزابيلا..."
"إيلين."
"لا."
نظرت إليها نورين بإصرار.
"إيلين."
فتحت إيلين عينيها ونظرت إليها.
"لا تنظري إليّ بهذه الطريقة."
اتسعت ابتسامة نورين قليلًا.
"أي طريقة؟"
قالت إيلين، وقد بدأت مقاومتها تضعف:
"الطريقة التي تجبرينني بها على الموافقة دون أن تقولي شيئًا."
رفعت نورين حاجبًا.
"وهل نجحت؟"
ظلت إيلين صامتة.
ثم قالت باستسلام:
"...ربما."
اتسعت ابتسامة نورين.
"إذن وافقتِ؟"
رفعت إيلين يدها بسرعة.
"لم أوافق!"
لكنها سكتت للحظة.
ثم زفرت.
"أنتِ لن تتراجعي، أليس كذلك؟"
هزت نورين رأسها.
"لا."
نظرت إيلين نحو الباب، ثم عادت إليها.
"إذن... علينا التفكير في طريقة."
توقفت نورين عن الابتسام للحظة، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
"حقًا؟"
قالت إيلين بملامح جادة:
"لا تجعلي الأمر يبدو وكأنني سعيدة بهذا."
وللمرة الأولى منذ بدأ حديثهما، ارتسمت على وجه نورين ابتسامة حقيقية.
ثم بدأت الاثنتان تفكران في طريقة للخروج من القصر دون أن تلفتا انتباه أحد.
ساد الصمت للحظات، بينما راحت نورين تفكر في الأمر.
ثم قالت:
"لم يسمح لي والدي بمغادرة القصر."
أجابتها إيلين بهدوء:
"بالطبع، فهو لن يسمح لكِ بالذهاب في ظل ما يحدث في العاصمة."
رفعت نورين عينيها إليها، وقالت وكأنها حسمت الأمر:
"إذن سنخرج في الخفاء."
حدقت بها إيلين لثوانٍ، ثم زفرت ببطء.
"هذا بالضبط ما كنت أخشاه."
لم تجبها نورين.
اتجهت نحو الشرفة، وظلت شاردة وهي تبحث عن طريقة يمكنها بها مغادرة القصر دون أن يلاحظ أحد.
وحين ألقت نظرة إلى الأسفل، لفت انتباهها شيء في الفناء الخلفي.
كانت عربة التاجر الخشبية لا تزال قابعة في الفناء، بينما انشغل بعض الخدم بتحميل الصناديق التي لم تُبع، استعدادًا لمغادرته.
توقفت أفكار نورين فجأة.
حدقت في العربة للحظات، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.
قالت إيلين، وقد لاحظت صمتها المفاجئ:
"ما الأمر؟"
ظلت نورين تحدق في الأسفل، قبل أن تلتفت إليها ببطء.
"إيلين..."
عرفت إيلين تلك النبرة جيدًا.
فقالت فورًا:
"لا."
رفعت نورين حاجبًا.
"أنا لم أقل شيئًا بعد."
تنهدت إيلين.
"لكنني أعرف هذه النظرة."
أشارت نورين إلى العربة في الأسفل.
"تلك العربة... متى سيغادر التاجر؟"
نظرت إيلين إلى العربة، ثم عادت بنظرها إليها.
وما إن أدركت ما تفكر فيه حتى قالت بحزم:
"لا."
ابتسمت نورين وكأنها كانت تتوقع اعتراضها.
"اسمعيني أولًا."
نظرت إليها إيلين بصدمة.
"لن أختبئ في عربة تاجر!"
رفعت نورين كتفيها بلا مبالاة.
"ولمَ لا؟ إنها أفضل طريقة للخروج من القصر دون أن يرانا أحد، وفوق ذلك، هو متجه إلى العاصمة."
حدقت بها إيلين في صمت، وكأنها تحاول استيعاب كيف تمكنت نورين من الوصول إلى هذه الفكرة بهذه السرعة.
ثم قالت ببطء:
"أنتِ جادة."
اتسعت ابتسامة نورين.
"بالطبع."
أشارت إيلين نحو العربة.
"وماذا لو اكتشفنا التاجر؟"
توقفت ابتسامة نورين قليلًا.
"لن يكتشفنا."
عقدت إيلين حاجبيها.
"وكيف تعرفين ذلك؟"
أشاحت نورين بنظرها للحظة، ثم قالت:
"لأننا... لن نجعله يكتشفنا."
حدقت بها إيلين.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
ثم قالت ببطء:
"هذه ليست إجابة."
رفعت نورين حاجبًا.
"إنها بداية جيدة."
أغمضت إيلين عينيها للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، وكأنها بدأت تندم بالفعل على موافقتها السابقة.
"وأين سنختبئ تحديدًا؟"
نظرت نورين نحو العربة من جديد.
انخفضت ابتسامتها قليلًا.
"سنجد مكانًا."
فتحت إيلين عينيها.
"سنجد مكانًا؟"
التفتت نورين إليها.
"العربة محملة بالصناديق، أليس كذلك؟"
أومأت إيلين.
"نعم."
ابتسمت نورين بثقة.
"إذن لا بد من وجود مساحة ما."
حدقت إيلين بها.
"أنتِ لا تعرفين حتى شكل العربة من الداخل."
صمتت نورين للحظة.
ثم قالت:
"يمكننا أن نعرف."
وضعت إيلين يدها على جبينها.
"ليدي إيزابيلا..."
اقتربت نورين منها، وقالت بثقة لا تتناسب إطلاقًا مع خطتها المرتجلة:
"إيلين، لدينا فكرة."
حدقت بها إيلين بقلق.
"لدينا كارثة."
قالت نورين وكأن الأمر بسيط:
"التفاصيل يمكن حلها."
نظرت إليها إيلين بجمود.
"لا، التفاصيل هي الخطة."
توقفت نورين للحظة.
ثم قالت:
"...هذه وجهة نظر جيدة."
حدقت بها إيلين في صمت قبل أن تزفر.
"أعرفتِ الآن لماذا لم أرغب في الموافقة؟"
ابتسمت نورين ابتسامة صغيرة.
"لكنني أعرف أنكِ ستساعدينني."
رفعت إيلين عينيها إليها.
"لا تتأكدي كثيرًا."
أشارت نورين نحو العربة.
"إذن لنفكر."
نظرت إيلين إليها لثوانٍ، ثم قالت:
"لنبدأ بالأمر الأكثر أهمية."
أومأت نورين بحماس.
"العربة."
أجابت إيلين بهدوء:
"والتاجر."
توقفت نورين.
"ماذا عنه؟"
عقدت إيلين ذراعيها أمام صدرها.
"يجب أن نعرف متى سيغادر، وكم من الوقت سيستغرق للوصول إلى العاصمة، وهل سيتوقف في الطريق."
صمتت نورين قليلًا.
ثم أومأت ببطء.
"حسنًا... هذه تفاصيل معقولة."
حدقت بها إيلين.
"قلتِ إن لدينا فكرة."
أجابت نورين دون تردد:
"ولدينا."
رفعت إيلين حاجبًا.
"إذن لماذا لا تعرفين إلى أين ستأخذنا هذه العربة؟"
رفعت نورين إصبعًا وكأنها على وشك تقديم حجة قوية.
"لأننا لم نبدأ في تنفيذها بعد."
أغمضت إيلين عينيها.
"ليدي إيزابيلا..."
رفعت نورين كفها.
"اهدئي."
فتحت إيلين عينيها، وحدقت بها للحظة.
"أنا هادئة."
ابتسمت نورين ابتسامة صغيرة.
"لا، أنتِ تستخدمين نبرتكِ التي تعني أنكِ على وشك إخباري بأنني فقدت عقلي."
مالت إيلين برأسها قليلًا.
"لأنني بدأت أشك في ذلك."
تجاهلتها نورين، وعادت تنظر إلى الفناء.
"علينا أن نعرف أولًا متى سيغادر."
سألتها إيلين:
"وكيف سنفعل ذلك؟"
التفتت نورين إليها.
صمتت للحظة.
ثم قالت:
"سأنزل."
حدقت بها إيلين.
"إلى الفناء؟"
أشارت نورين نحو العربة.
"إلى التاجر."
ضيّقت إيلين عينيها.
"وماذا ستقولين له؟"
ابتسمت نورين ابتسامة صغيرة.
"سأرتجل."
أغمضت إيلين عينيها مرة أخرى.
"بالطبع ستفعلين."
اتجهت نورين نحو باب الغرفة، لكنها توقفت قبل أن تفتحه.
التفتت إلى إيلين وقالت:
"اسمعيني، لديّ خطة."
أغمضت إيلين عينيها للحظة.
"هذه الجملة وحدها لا تبشر بالخير."
تجاهلتها نورين وقالت:
"اذهبي وأحضري ملابس لا توحي بأننا خرجنا من قصر الدوق."
فتحت إيلين عينيها وحدقت بها.
"وماذا عنكِ؟"
تنفست نورين بعمق.
"سأذهب لأعرف متى سيتحرك التاجر."
عقدت إيلين حاجبيها.
"وحدكِ؟"
أجابت نورين بهدوء:
"لن أذهب بعيدًا، سأطرح عليه بعض الأسئلة فحسب."
ظلت إيلين تحدق بها لثوانٍ، وكأنها تحاول اكتشاف الجزء الذي تخفيه عنها من خطتها.
ثم قالت:
"وأي أسئلة ستطرحينها تحديدًا؟"
توقفت نورين للحظة.
"سأرتجل."
أغمضت إيلين عينيها.
"بالطبع."
ابتسمت نورين ابتسامة صغيرة، ثم فتحت الباب.
"أحضري الملابس."
راقبتها إيلين وهي تغادر، قبل أن تزفر ببطء.
"أشعر أنني سأندم على هذا."
نزلت نورين إلى البهو، ثم اتجهت نحو الفناء الخلفي.
كان التاجر يقف بالقرب من عربته، بينما أنهى الخدم تحميل الصناديق الأخيرة استعدادًا للمغادرة.
اقتربت منه وقالت:
"مساء الخير يا عم."
انتبه التاجر إليها، ثم انحنى لها باحترام.
"مساء الخير، يا ليدي إيزابيلا. هل تحتاجين إلى شيء؟"
ترددت نورين للحظة، قبل أن تقول:
"في الحقيقة... أريد منك أن تجلب لي شيئًا من العاصمة."
بدا التاجر مهتمًا.
"بالطبع، يا ليدي. ماذا تريدين؟"
توقفت نورين.
للحظة، أدركت أنها لم تفكر في هذه الجزئية على الإطلاق.
أشاحت بنظرها عنه قليلًا، وكأنها تفكر في الأمر بعناية.
"شيئًا..."
انتظر التاجر إجابتها.
تابعت بسرعة:
"قطعة أثرية."
عقد الرجل حاجبيه قليلًا.
"قطعة أثرية؟"
أومأت نورين بثقة حاولت أن تبدو طبيعية.
"نعم. قطعة قديمة وقيمة... إن وجدت شيئًا مميزًا."
ابتسم التاجر.
"سأفعل ما بوسعي، يا ليدي."
أومأت نورين، ثم قالت وكأن الأمر خطر ببالها للتو:
"ومتى ستعود إلى هنا؟"
فكر التاجر قليلًا.
"ربما بعد بضعة أيام. لديّ بعض الأمور التي يجب أن أنهيها في العاصمة."
أظهرت نورين اهتمامًا خفيفًا.
"إذن ستغادر الآن؟"
أشار التاجر إلى العربة.
"نعم، فور أن ينتهي الرجال من تثبيت الصناديق."
نظرت نورين إلى العربة للحظة، ثم عادت إليه.
"ومتى سيكون ذلك؟"
أجابها:
"في غضون ساعة تقريبًا."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
"حسنًا، شكرًا لك."
انحنى التاجر مجددًا.
"هل تريدين مني أن أبحث عن شيء محدد؟"
ترددت نورين للحظة، ثم قالت:
"لا... أثق في ذوقك."
ابتسم الرجل.
"سأحرص على ألا أخيب ظنكِ، يا ليدي."
استأذنته نورين، ثم عادت إلى داخل القصر.
عندما دخلت غرفتها، وجدت إيلين في انتظارها.
كانت قد وضعت بعض الملابس على السرير.
توقفت نورين أمامها، ونظرت إلى ما أعدته.
قالت إيلين:
"هذه بعض ملابسي الخاصة."
التفتت إليها نورين.
"ملابسكِ الخاصة؟"
أومأت إيلين.
"نعم. ليست الملابس التي أرتديها أثناء عملي في القصر."
اقتربت نورين من السرير، وأخذت تتفحص الملابس.
كانت بسيطة وعملية، ولا تحمل أي شيء قد يكشف هويتهما أو يدل على مكانتهما داخل القصر.
قالت نورين:
"هذا مناسب."
رفعت إيلين نظرها إليها.
"وماذا عرفتِ؟"
التفتت نورين إليها وابتسمت.
"سيتحرك بعد ساعة."
حدقت بها إيلين لثوانٍ.
"إذن أنتِ فعلًا تفكرين في تنفيذ الأمر."
وضعت نورين يديها على خصرها.
"ألم أقل لكِ إن لديّ فكرة؟"
زفرت إيلين.
"ما زلت أرفض الاعتراف بأنها فكرة جيدة."
ابتسمت نورين.
"لا بأس. يمكنكِ الاعتراف بذلك لاحقًا."
بدأتا في الاستعداد.
غيرتا ملابسهما، وابتعدتا عن أي شيء قد يكشف هويتهما.
ثم رفعت كل منهما قلنسوة عباءتها لتخفي جزءًا كبيرًا من ملامحها.
توقفت إيلين أمام الباب.
"سأذهب أولًا."
نظرت إليها نورين.
"إلى أين؟"
أجابت إيلين بهدوء:
"إلى الحراس."
عقدت نورين حاجبيها.
"ماذا ستقولين لهم؟"
نظرت إليها إيلين بجدية.
"إن الليدي إيزابيلا تشعر بالتعب وتريد أن ترتاح، ولا ترغب في أن يزعجها أحد."
ارتفعت زاوية فم نورين.
"أنتِ تكذبين بشكل جيد."
نظرت إليها إيلين.
"تعلمت من شخص ما."
ابتسمت نورين، بينما فتحت إيلين الباب.
"عودي بسرعة."
وقبل أن تخرج، التفتت إيلين إليها.
"لا تفعلي شيئًا."
رفعت نورين حاجبًا.
"مثل ماذا؟"
نظرت إليها إيلين لثوانٍ.
"أي شيء."
ثم أغلقت الباب خلفها.
وقفت نورين في مكانها للحظة، قبل أن تبتسم.
"هذا ظلم."
لم تمضِ سوى دقائق حتى عادت إيلين إلى الغرفة.
أغلقت الباب خلفها، ثم التفتت إلى نورين وقالت:
"أخبرتهم كما اتفقنا."
رفعت نورين حاجبيها.
"وهل صدقوكِ؟"
رفعت إيلين كتفيها قليلًا.
"لم يكن لديهم سبب لعدم تصديقي."
أومأت نورين، بينما اقتربت إيلين منها.
"تم إبعاد الحراس عن هذا الجناح لبعض الوقت."
اتسعت ابتسامة نورين.
"إذن يمكننا الخروج."
أشارت إيلين إلى ثوبها.
"سنخرج من باب الخدم."
ثم أضافت بجدية:
"لكن اخفضي رأسكِ، وأخفي ملامحكِ جيدًا، وامشي خلفي. لا تتحدثي إلى أحد، ولا تنظري طويلًا إلى أي شخص."
أومأت نورين.
"حسنًا."
رفعت إيلين قلنسوة عباءتها، ثم رفعت نورين قلنسوتها هي الأخرى.
تبادلت الاثنتان نظرة قصيرة.
قالت إيلين:
"هل أنتِ مستعدة؟"
تنفست نورين ببطء.
"لا."
عقدت إيلين حاجبيها.
"ماذا؟"
ابتسمت نورين ابتسامة خفيفة.
"لكنني سأفعلها."
حدقت بها إيلين لثوانٍ، قبل أن تهز رأسها.
"كان يجب أن أعرف أن الأمر سينتهي هكذا."
فتحت الباب بحذر، وألقت نظرة سريعة إلى الممر.
كان خاليًا.
أشارت إلى نورين.
"ورائي."
خرجت إيلين أولًا، وتبعتها نورين بصمت.
خفضت نورين رأسها، وسارت خلفها عبر الممرات الهادئة.
كلما مرّ صوت خطوات في مكان قريب، شعرت بأن أنفاسها تتوقف للحظة.
انعطفت إيلين عند أحد الممرات، ثم توقفت فجأة.
توقفت نورين خلفها مباشرة.
همست:
"ماذا حدث؟"
التفتت إيلين إليها بسرعة.
"قلت لكِ ألا تتحدثي."
أشارت بعينيها نحو نهاية الممر.
كان أحد الخدم يعبر المكان.
انتظرتا حتى اختفى، قبل أن تتابعا طريقهما.
همست إيلين:
"لو رآكِ أحد—"
أومأت نورين.
"أعرف."
نظرت إليها إيلين.
"جيد."
تابعتا السير حتى وصلتا إلى الجزء الخلفي من القصر.
كان باب الخدم قريبًا.
توقفت إيلين أمامه، ثم نظرت إلى نورين.
"من هنا."
ترددت نورين للحظة.
كانت تلك أول مرة تقف فيها على وشك مغادرة القصر دون إذن.
وضعت يدها على طرف قلنسوتها وأخفت ملامحها أكثر.
ثم أومأت.
فتحت إيلين الباب.
اندفع الهواء البارد إلى الداخل.
تبادلت الاثنتان نظرة أخيرة، قبل أن تخرجا.
وبمجرد أن وطئت نورين قدمها خارج القصر، شعرت بشيء غريب يجتاحها.
الخوف.
والحماس.
وربما... الحرية.
لكنها لم تسمح لنفسها بالتوقف طويلًا.
فالعربة لم تكن بعيدة.
وكان التاجر سيغادر قريبًا.
كانت عربة خشبية كبيرة ذات أربع عجلات عريضة، يرتفع خلف مقعد السائق هيكل مغطى بقماش سميك، يخفي في داخله صفوفًا من الصناديق والبضائع المعدّة للنقل.
وقفت نورين وإيلين بالقرب منها، بينما انشغل الرجال في الجهة الأخرى بتحميل ما تبقى من الصناديق.
همست إيلين:
"علينا أن نتحرك الآن."
أومأت نورين، ثم انتظرتا حتى ابتعد الرجلان حاملين صندوقًا آخر.
في اللحظة نفسها، أمسكت إيلين بيدها وسحبتها نحو مؤخرة العربة.
توقفت نورين للحظة أمام المدخل.
كان المكان في الداخل مظلمًا نسبيًا، وممتلئًا بالصناديق والأكياس والبراميل الصغيرة، ولم تظهر سوى مساحة ضيقة بين البضائع يمكن لشخصين الاختباء فيها.
قالت إيلين هامسة:
"ادخلي."
صعدت نورين أولًا هذه المرة، ثم تبعتها إيلين بسرعة.
ما إن دخلتا حتى انخفضتا بين الصناديق، بينما بدأت إيلين تسحب قطعة من القماش فوق جزء من المكان الذي اختبأتا فيه.
قالت نورين بصوت منخفض:
"هل تعتقدين أن هذا سيكفي؟"
نظرت إيلين حولهما.
"ليس لدينا خيار آخر."
ساد الصمت للحظة.
ثم وصل إليهما صوت خطوات تقترب من العربة.
تجمدت الاثنتان في مكانهما.
جاء صوت رجل من الخارج:
"ضع هذا في الخلف."
حبست نورين أنفاسها.
وبعد لحظات، ظهر صندوق خشبي عند مدخل العربة، ثم صعد شخص إلى الداخل.
انحنى ليضع الصندوق بين البضائع.
توقفت حركته فجأة.
رفع رأسه.
والتقت عيناه بعيني نورين.
تجمدت.
كان فتى في منتصف مراهقته، يبدو أصغر منهما بسنوات قليلة.
ظل يحدق فيهما لثوانٍ، وقد بدا الذهول واضحًا في عينيه.
أما إيلين، فالتفتت إليه ببطء.
للحظة، لم ينطق أحد.
ثم جاء صوت التاجر من الخارج:
"هيا! أسرع، لقد حان وقت المغادرة!"
ألقى الفتى نظرة سريعة نحو مصدر الصوت، ثم عاد بعينيه إليهما.
وفي الخارج، بدأت العربة تتحرك.
وظل الفتى ينظر إليهما في صمت.
Ñorãn Fãwžy