كان الصباح في تلك المدينة يحمل رائحة المطر الذي لم يهطل بعد، غيومٌ ثقيلة تتكدس فوق أسطح المباني القديمة، وكأن السماء نفسها تتهيأ لشيء لا يُحتمل. أمام المدخل الرئيسي لمركز الشرطة، كان الحراس يتبادلون أطراف الحديث ببرود اعتيادي، لا يعلمون أن الساعات القليلة القادمة ستمحو من ذاكرتهم كل ما عرفوه عن الهدوء.
وصل ساعي البريد في تمام الثامنة والنصف، يحمل صندوقًا خشبيًا متوسط الحجم، ملفوفًا بورق بني بسيط، وموجّهًا باسم "قسم الجرائم الكبرى" دون أي عنوان مرسل. سلّمه للحارس المناوب بابتسامة عابرة، ثم انصرف كأن شيئًا لم يكن.
نُقل الصندوق إلى الطابق الثالث، حيث كانت المفتشة **سلمى** تجلس خلف مكتبها، تراجع ملفات قضية قديمة لم تُحسم بعد. رفعت رأسها حين وضع أحد الشرطيين الصندوق أمامها.
"لم يُذكر اسم المرسل يا حضرة المفتشة"، قال الشرطي بنبرة مرتبكة. "فقط عنوان القسم."
نظرت سلمى إلى الصندوق للحظة، شعرت بشيء غير مريح يتسلل إلى صدرها، إحساسٌ لم تستطع تفسيره، كأن جسدها عرف قبل عقلها أن ما بداخله لن يكون عاديًا.
"استدعِ فريق التفتيش الجنائي"، قالت وهي تنهض من مكانها. "لن نفتحه قبل أن يُفحص."
استغرق الفحص الأولي نصف ساعة، لم يُعثر على أي مادة متفجرة أو خطر مباشر، وهو ما دفع بالفريق إلى فتحه بحذر شديد تحت أعين الكاميرات. وحين رُفع الغطاء، ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، صمتٌ لم يكسره سوى صوت أحد الشرطيين الشباب وهو يتقيأ في الزاوية.
بداخل الصندوق، ملفوفة بقماش أبيض ملطخ بالدماء الجافة، كانت يدٌ بشرية، قُطعت بدقة جراحية لا تشبه عمل قاتل عادي، بل عمل شخص يعرف التشريح كما يعرف اسمه. وإلى جانبها، رسالة مطوية بعناية، كُتبت بخط أنيق ومتقن، لا يشبه خط شخص مضطرب أو مذعور.
فتحت سلمى الرسالة بيدين ترتجفان رغم محاولتها إخفاء ذلك، وبدأت تقرأ بصوت مسموع أمام زملائها:
> *"إلى من يهمه الأمر في قسم الجرائم الكبرى،*
>
> *لا أكتب إليكم لأستعطف رحمتكم، ولا لأطلب مغفرة لم أطلبها يومًا. أكتب لأن الصمت لم يعد يكفيني، ولأن العدالة التي تدّعون تمثيلها لم تكن يومًا أكثر من كذبة يرويها الأقوياء للضعفاء.*
>
> *هذه اليد التي بين أيديكم كانت تنتمي إلى امرأة ظنّت أن الهروب سيُنجيها. أخبرتها، قبل أن تُغمض عينيها للمرة الأخيرة، أن العدالة الحقيقية لا تُكتب في ملفاتكم البالية، بل تُكتب باللحم والدم.*
>
> *لن أتوقف. كل جثة ستكون رسالة، وكل رسالة ستكون خطوة أقرب إلى الحقيقة التي تخافون مواجهتها.*
>
> *أعلم أن عقولكم التقليدية لن تفهم ما أفعله، ولن تكفيها الإجراءات الروتينية لتفكيك ما أخطط له. لذا سأدلّكم، ليس رحمة بكم، بل لأن اللعبة تصبح أكثر تسلية حين يكون الخصم على قدر التحدي.*
>
> *في مصحة الرجاء للأمراض العقلية، في الغرفة رقم سبعة عشر، يرقد رجل يملك من الذكاء ما يفوق كل من يرتدون بزّاتكم الرسمية. اذهبوا إليه إن كنتم تجرؤون، فهو وحده القادر على مجاراة عقلي. أما أنا، فسأكون أقرب مما تتخيلون، أراقب، وأنتظر."*
ارتفعت الهمهمات في الغرفة، بين شرطي يهمس لزميله بذعر، وآخر يحاول الاتصال بالمختبر الجنائي لتحديد هوية الضحية. أما سلمى، فقد بقيت صامتة، تحدّق في الرسالة وكأنها تبحث بين سطورها عن شيء لا يستطيع أحد غيرها إدراكه.
دخل العقيد **ياسين حداد** إلى الغرفة مسرعًا، وجهه يحمل ملامح رجل أدرك للتو أن قضيته الهادئة تحوّلت إلى كابوس حقيقي. أخذ الرسالة من يد سلمى وقرأها بصمت مرتين متتاليتين، وكأنه لا يصدق ما تقوله الكلمات.
"هذه ليست جريمة عابرة"، قال أخيرًا بنبرة حازمة. "من يكتب بهذه الثقة، ويدلّنا على شخص بعينه، إما أنه يستهزئ بنا، أو أنه يعرف تمامًا ما يفعله."
"ماذا نفعل الآن؟" سأل الملازم **كمال براهيمي** وهو يقترب منهما، عيناه لا تزالان عالقتين على اليد المقطوعة.
نظر العقيد حداد إلى الأفق من النافذة، صامتًا لبرهة، قبل أن يلتفت إلى سلمى.
"اذهبي إلى تلك المصحة غدًا. اجمعي كل ما تستطيعين عن نزيل تلك الغرفة، قبل أن نقرر أي خطوة أخرى."
أومأت سلمى برأسها، لكن شيئًا غريبًا كان يتحرك في صدرها، إحساسٌ لم تعرف مصدره، كأن اسمًا لم يُنطق بعد كان يقترب من عالمها بخطى ثقيلة لا رجعة فيها.