في صباح اليوم التالي، بدأ فريق التحقيق برئاسة العقيد حداد في محاولة تحديد هوية الضحية. استغرق الأمر ساعات من مطابقة السجلات وبصمات ما تبقى من اليد المقطوعة، حتى وصلت النتيجة أخيرًا إلى مكتب سلمى.
"اسمها **سعاد بلحاج**"، قال كمال براهيمي وهو يضع الملف على الطاولة. "عمرها اثنان وثلاثون عامًا، ممرضة في مستشفى المدينة العام. أبلغ زملاؤها عن غيابها منذ ثلاثة أيام، لكن لم يُقدَّم بلاغ رسمي بعد لأن أحدًا لم يظن الأمر خطيرًا."
نظرت سلمى إلى الصورة المرفقة بالملف، وجه هادئ، ابتسامة بسيطة، حياة عادية لم تكن تعرف أنها ستنتهي بهذه الطريقة الوحشية.
"يجب أن نذهب إلى منزلها فورًا"، قالت. "ربما نجد خيطًا يقودنا إلى القاتل قبل أن يرسل شيئًا آخر."
توجه الفريق، سلمى وكمال، إلى شقة سعاد الصغيرة في حي هادئ من المدينة. كان المكان مرتبًا بشكل يوحي بأن صاحبته لم تكن تتوقع أنها لن تعود إليه. بحثوا في كل زاوية، في الأدراج، وخلف الأثاث، وفي حاسوبها الشخصي، بحثًا عن أي أثر يربطها بالقاتل.
لم يجدوا شيئًا يُذكر، حياة سعاد بدت عادية تمامًا، لا أعداء، لا تهديدات سابقة، لا علاقة واضحة بأي جريمة أو شخص مشبوه. وهذا بالذات ما أقلق سلمى أكثر من أي دليل قد يجدونه.
"ضحية عشوائية تمامًا"، قالت وهي تتفحص الغرفة للمرة الأخيرة. "هذا يعني أن القاتل لا يختار ضحاياه بدافع شخصي، بل بدافع آخر، رمزي ربما، أو عشوائي بالكامل ليصعّب علينا التتبع."
وبينما كانت تهمّ بالمغادرة، لاحظ كمال ظرفًا صغيرًا موضوعًا بعناية تحت باب الشقة، لم يكن هناك حين دخلوا، أو ربما لم ينتبها له أحد.
فتحته سلمى بحذر، ورقة واحدة بداخله، بنفس الخط الأنيق الذي رأته في الرسالة الأولى.
> *"أحسنتم الوصول إلى هنا، لكنكم تبحثون في المكان الخطأ عن الإجابات. الجواب ليس في تفاصيل حياتها، بل في اختياري لها. أما بقية جسدها، فلن تحصلوا عليها إلا حين يقتنع صديقي في الغرفة رقم سبعة عشر بمساعدتكم. أقنعوه، وسأتعامل معكم بشيء من الرأفة. تجاهلوه، وستتذوقون فوضى لم تروا مثلها من قبل."*
شعرت سلمى ببرودة تسري في جسدها. لم يكن القاتل يراقب تحركاتهم فحسب، بل كان يتوقعها، وكأنه يعرف أنهم سيأتون إلى هنا بالضبط.
---
عاد الفريق إلى مركز الشرطة، واجتمعوا مجددًا في مكتب العقيد حداد، هذه المرة بجو أكثر توترًا من الاجتماع السابق.
"الرسالة واضحة"، قالت سلمى وهي تضع الورقة على الطاولة. "القاتل يربط تعاونه، أو على الأقل رحمته، بموافقة زيد على مساعدتنا. هو يعرف بوجود اللغز الذي طرحه عليّ زيد بالفعل."
رفع العقيد حداد حاجبيه: "أي لغز؟"
شرحت سلمى بإيجاز ما حدث في الغرفة، الشيء الغريب الذي طلب منها زيد أن تكتشفه، ورفضه إخبارها بأي شيء عن القاتل حتى تحل هذا اللغز أولًا.
"هذا سخيف تمامًا"، قال كمال بغضب. "رجل محتجز في مصحة عقلية يضع شروطًا لمساعدتنا؟ بينما ضحية حقيقية تنتظر أن نجد بقية جسدها؟"
"ربما لا يفعل ذلك عبثًا"، قالت سلمى بهدوء. "ربما يريد أن يتأكد أنني قادرة على فهم طريقة تفكيره قبل أن يشاركني أي شيء ذي قيمة. رجل بذكائه لا يضع الشروط جزافًا."
تدخّل العقيد حداد بصوت حازم: "مهما كانت أسبابه، ليس لدينا وقت للعب ألغازه. أخبريه أن حياة إنسانة معلّقة على قراره."
"جربت ذلك بالفعل بطريقة غير مباشرة"، قالت سلمى. "لكنه لا يبدو مهتمًا بالضغط العاطفي. إنه يريد أن يُختبر عقليًا، لا أن يُستعطف."
ساد صمت ثقيل في الغرفة، قبل أن تضيف سلمى: "سأعود إليه غدًا. لكن هذه المرة، يجب أن أحل لغزه أولًا."
---
في طريق عودتها إلى منزلها ذلك المساء، لم تستطع سلمى التوقف عن التفكير في تلك الغرفة الصغيرة، البسيطة، شبه الخالية. حاولت أن تستحضر كل التفاصيل التي رأتها بعينيها: السرير المرتب بدقة غير معتادة، الطاولة الصغيرة، الأوراق المصفوفة بتناسق يوحي بعقل منظم إلى حد الهوس.
*شيء واحد لا ينتمي إلى بقية الأشياء.*
أغلقت عينيها، وحاولت أن تستعيد المشهد كاملًا في ذهنها، زاوية بزاوية. كل شيء في تلك الغرفة بدا مصممًا بعناية فائقة، وكأن زيد كان يتحكم حتى في أدق التفاصيل المحيطة به رغم أنه سجين فيها.
لكن هناك شيئًا... شيئًا لم تعطه الاهتمام الكافي حين كانت هناك، مشغولة بمحاولة فهم الرجل نفسه أكثر من محاولة فهم محيطه.
فتحت عينيها فجأة، وشعرت بإحساس غريب يتسلل إليها، ليس فقط فضول محقق أمام لغز، بل شيء أعمق من ذلك، إحساس مألوف بشكل مقلق، كأنها تعرف تلك الغرفة، أو تعرف صاحبها، من مكان بعيد جدًا في ذاكرتها، مكان غارق في الضباب لا تستطيع أن تلمسه مهما حاولت.
هزّت رأسها، وحاولت أن تطرد الفكرة جانبًا، ونسبت الإحساس إلى إرهاق يوم طويل وصادم. لكن السؤال ظل عالقًا في ذهنها طوال الطريق:
*ما الذي كنت أبحث عنه في تلك الغرفة، ولم أجده بعد؟.