بعد أن غادرت سلمى المصحة تلك الليلة، عاد زيد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه بحركة بطيئة، وكأن كل عضلة في جسده أنهكها ذلك الحوار القصير الذي بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه أيقظ في داخله عاصفة لم يكن مستعدًا لمواجهتها بعد.
جلس على حافة سريره، وأخرج من تحت الوسادة قطعة قماش صغيرة ملفوفة بعناية، فتحها ببطء طقوسي، وكأنه يؤدي شعيرة قديمة لا يشاركها فيها أحد. بداخلها سلسال وفي داخله صورة صغيرة، باهتة الألوان من كثرة اللمس والزمن.
كانت الصورة لطفلين، لا يتجاوز عمرهما الثامنة، يجلسان على حائط حجري منخفض، يضحكان بضحكة براءة لا تعرف بعد أي شيء عن العالم القاسي الذي ينتظرها. كان الولد هو زيد، بملامح أكثر طفولية وأخف ثقلًا مما هو عليه الآن. أما البنت، فكانت **ياسمين**.
أمسك السلسال في يده ووضعه على صدره وأغمض عينيه للحظة، تاركًا ذاكرته تنسحب إلى ذلك الزمن البعيد، حيث كان العالم لا يزال يحتمل شيئًا من البساطة.
*كانا يركضان في الحقول خلف منزليهما المتجاورين، يخترعان قصصًا خيالية عن ممالك بعيدة وأبطال لا يُقهرون. كانت ياسمين تضحك بصوت عالٍ حين يخترع لها زيد نهايات غريبة لحكاياتها، وكان هو يشعر، للمرة الأولى في حياته، أن هناك من يفهمه دون أن يشرح لها شيئًا.*
فتح عينيه، والسلسال لا يزال بين يديه، لكن ملامحه تغيرت الآن، هدأت التوترات التي كانت تعتصر كتفيه منذ ساعات. كانت هذه الصورة، بغرابة لا يفهمها حتى هو، أشبه بمرساة تعيد ترتيب عقله المضطرب كلما اشتدت العاصفة بداخله.
كان يعرف هذا الشعور جيدًا. في كل مرة كانت الشخصيات الأخرى بداخله تتصارع للسيطرة، في كل مرة كان يشعر أن الأرض تنزلق من تحته، كان يخرج هذا السلسال و يحدّق في الصورة بصمت، حتى يشعر بعقله يستقر تدريجيًا، وكأن وجود ياسمين في تلك اللحظة المجمدة من الزمن كان يذكّره بمن كان قبل أن يتحول إلى ما هو عليه الآن.
*"أعدك أننا سنبقى صديقين إلى الأبد"*، قالت له ذات مرة، وهما يدفنان صندوقًا صغيرًا فيه أشياء تافهة تحت شجرة قديمة، معتقدين أن هذا العهد الطفولي سيصمد أمام كل شيء.
ظلت صداقتهما تكبر معهما عامًا بعد عام، تتحول من براءة الطفولة إلى رابط أعمق، أكثر تعقيدًا، حتى بلغا العشرين من عمرهما، وقد أصبحا أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى، يحملان بينهما أسرارًا لا يعرفها أحد غيرهما، وربما، مشاعر لم يجرؤ أي منهما على تسميتها بصراحة.
لكن الحياة، كما تعلّم زيد لاحقًا بقسوة، لا تحترم عهود الأطفال، ولا حتى وعود الكبار.
تذكّر تلك الليلة، الليلة التي غيّرت كل شيء، حين كان في العشرين من عمره فقط. الصراخ. الدماء. عينا ياسمين المرتعبتين وهي تختبئ خلفه، ثم اختفاؤها المفاجئ، تاركة إياه وحيدًا في مواجهة أنقاض تلك الجريمة، دون أن يفهم حتى تلك اللحظة كيف انقلب العالم بهذه السرعة من سنوات الصداقة الطويلة إلى واقع دموي لم يكن مستعدًا لاحتماله.
بحث عنها بقدر ما سمحت له الظروف قبل أن تُغلق عليه أبواب هذا المكان، سأل عنها في كل مكان يعرفه، لكنها اختفت كأنها لم تكن موجودة يومًا، كأن الأرض ابتلعتها، أو كأنها اختارت أن تُمحى من الوجود عمدًا. ومنذ خمس سنوات كاملة، وهو محبوس خلف هذه الجدران، لم يتوقف يومًا عن التفكير فيها، عن التساؤل أين ذهبت، ولماذا لم تعد أبدًا.
وهذا بالضبط ما جعل من هذه الصورة، رغم كل الدفء الذي تمنحه له، جرحًا لا يندمل أيضًا. كل مرة كان ينظر فيها إلى وجهها، كان يتذكر أيضًا خيانتها الصامتة، هروبها الذي ترك حياته بأكملها للانهيار بينما هي مضت في طريقها، آمنة، بعيدة، بلا التفاتة إلى الوراء.
خبأ السلسال وأعاده إلى مكانه تحت الوسادة، وجلس صامتًا في العتمة لبرهة طويلة.
غدًا، سيخرج أخيرًا من هذا المكان الذي التهم منه خمس سنوات لم تكن يومًا ملكه بحق. سيخرج، ليس فقط ليساعد في قضية قتل، بل ليمنح نفسه، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، فرصة حقيقية للبحث عنها من جديد.
*ياسمين، أينما كنتِ الآن، لن أتوقف هذه المرة حتى أجدك.*
لم يكن يعرف، وهو يغرق في ظلام غرفته تلك الليلة الأخيرة، أن الإجابة عن سؤاله القديم كانت أقرب إليه بكثير مما تخيل، وأنها، في مفارقة قاسية لم يتوقعها عقله الفذّ حتى في أكثر تحليلاته جرأة، كانت قد وقفت أمامه بالفعل، منذ ساعات قليلة فقط، تحمل اسمًا آخر، ووجهًا آخر، وذاكرة مثقوبة لا تعرف هي نفسها حجم ما ابتلعته.