الزهرة

الزهرة

7 0

جلست سلمى في مطبخها الصغير في تلك الليلة، تحاول أن تُبعد عن ذهنها ثقل اليوم بفنجان قهوة ساخن. كانت شاردة تمامًا، عيناها مثبتتان على نقطة غير محددة في الفراغ، بينما عقلها يعيد ترتيب كل تفصيل رأته في تلك الغرفة الصغيرة، محاولةً أن تمسك بذلك الشيء الغامض الذي أفلت منها.

مرّت دقائق طويلة دون أن تشعر بها، حتى أحسّت فجأة بحرارة تسري على يدها. نظرت إلى الأسفل لتجد القهوة قد فاضت من الفنجان، سالت على الطاولة، وامتدت حتى لامست أصابعها دون أن تنتبه.

"تبًا"، همست وهي تنهض بسرعة لتنظيف الفوضى، لكنها تجمّدت في مكانها فجأة، وكأن صاعقة ضربتها.

*القهوة الفائضة... السائل الذي انتشر دون قصد... شيء لا مكان له، تسلل إلى مكان لم يكن مخصصًا له.*

اتسعت عيناها فجأة، وتذكرت. الأوراق على طاولة زيد كانت مرتبة بدقة متناهية، كل شيء في مكانه المحسوب. لكن هناك، في الزاوية القصوى من الطاولة، كان هناك إناء صغير، بسيط، لا يتناسب مع صرامة الترتيب من حوله... **إناء زهور**.

في مكان يُفترض أن يكون معقّمًا من أي مؤثر خارجي، في غرفة مصممة لتجريد نزيلها من أي رابط بالعالم الخارجي، كان هناك إناء صغير فيه زهرة واحدة.

*ذلك هو الشيء الذي لا ينتمي إلى بقية الأشياء.*

لم تفكر مرتين. تركت الفنجان كما هو، ارتدت معطفها بسرعة، وخرجت مسرعة نحو سيارتها، قلبها يدق بقوة غريبة، مزيج من حماسة الاكتشاف وقلق لا تفهم مصدره تمامًا.

---

وصلت إلى مصحة الرجاء والليل قد بدأ يخيّم على المكان، لكنها لم تكترث بالوقت المتأخر. أخبرها أحد الممرضين أن زيد لم يعد إلى غرفته بعد، وأنه لا يزال جالسًا في الحديقة الخلفية، كما يفعل أحيانًا في ساعات متأخرة.

توجهت إلى هناك، ووجدته جالسًا على مقعد حجري بسيط، وحيدًا، تحت ضوء خافت لأحد الأعمدة الكهربائية. كان جسده هناك، ساكنًا تمامًا، لكن نظرته كانت بعيدة، شاردة في اتجاه لا تراه هي، وكأن عقله كان قد غادر ذلك المكان منذ زمن، تاركًا خلفه قشرة صامتة فقط.

اقتربت منه ببطء، ووقفت بجانبه.

"زيد"، قالت بهدوء. "لدي إجابتك."

لم يتحرك. لم يرمش حتى. بقي ناظرًا إلى نفس النقطة البعيدة، كأنها لم تتكلم أصلًا.

انتظرت لحظة، ثم أكملت: "الزهرة. في إناء صغير على طاولتك. هذا هو الشيء الذي لا ينتمي إلى بقية الأشياء، أليس كذلك؟"

مرّت ثوانٍ طويلة من الصمت المطبق، حتى ظنت سلمى أنه لم يسمعها إطلاقًا. لكنه، ببطء شديد، أدار رأسه أخيرًا نحوها، عيناه لا تزالان تحملان ذلك العمق الغريب، لكن فيهما الآن شيء آخر، شيء أشبه بالحزن القديم.

"هل تعرفين"، قال بصوت هادئ جدًا، وكأنه يتحدث لنفسه أكثر مما يخاطبها، "أن هذا النوع من الزهور لا يعيش أكثر من أسبوع دون عناية يومية دقيقة؟ ومع ذلك، يصرّون على إحضار واحدة جديدة لي كل أسبوع، منذ سنوات، دون أن يطلب أحد ذلك رسميًا."

نظرت إليه سلمى في حيرة، لم تفهم إلى أين يقودها بهذا الكلام.

"من يحضرها لك؟" سألت.

ابتسم زيد ابتسامة باهتة، بعيدة، لم تكن موجهة إليها بقدر ما كانت موجهة لذكرى ما. "أحيانًا، أيتها المفتشة، الأشياء التي تبدو بلا معنى هي الأكثر ثقلًا في حياتنا. الزهرة ليست الإجابة. الزهرة سؤال، يُطرح على نفسي كل أسبوع، ولم أجد له جوابًا بعد."

توقف قليلاً، ثم أضاف بصوت أخفض: "كما لم أجد جوابًا لأسئلة أخرى كثيرة."

شعرت سلمى بموجة من الإحباط تتصاعد في صدرها. جاءت مسرعة، متيقنة من حلها للغز، لتجد نفسها أمام كلام غامض لا يقودها إلى أي مكان.

"حللت لغزك"، قالت بحدة مكبوتة. "قلت لي إنك ستساعدنا في البحث عن القاتل إن فعلت. لكنك الآن تتحدث عن زهرة وكأننا في جلسة تأمل فلسفي، لا في تحقيق عن جريمة قتل."

لم يجب. عاد ينظر إلى الأمام، إلى نفس النقطة البعيدة، وكأن سلمى لم تعد موجودة في محيط انتباهه.

استدارت أخيرًا وهي تشعر بغضب صامت يتصاعد في داخلها. *رجل مجنون فعلاً، يضيّع وقتها بألغاز لا معنى لها بينما امرأة بريئة ينتظر جسدها أن يُكتمل في صندوق آخر.* بدأت تمشي مبتعدة، مقررة أن هذه كانت غلطتها الأخيرة في المراهنة على عقل هذا الرجل.

لكن صوته، الهادئ كعادته، أوقفها بعد خطوات قليلة.

"أوافق."

استدارت سلمى ببطء. كان لا يزال جالسًا في نفس المكان، ناظرًا إلى نفس الزهرة الوهمية في الفراغ، وكأنه لم يتحرك قيد أنملة، ولم يكترث حتى لرؤية وجهها وهو يعلن قراره.

"لكن بشروط"، أضاف بنفس الهدوء المطلق. "أخرجوني من هذا المكان، تحت مراقبتكم إن شئتم، لكن ليس خلف هذه الجدران. وحين أعمل على القضية، لا أحد يزعجني، ولا أحد يُصدر لي أوامر. أنا لا أتلقى تعليمات، أيتها المفتشة. أنا أُحلل، وأنتم تستمعون."

نظرت إليه سلمى بصمت طويل، تحاول أن تفهم أي نوع من الرجال هذا، الذي بدا للحظة غارقًا في حزن غامض عميق، وفي اللحظة التالية يضع شروطًا بثقة قائد لا يقبل الجدال.

"سأنقل شروطك"، قالت أخيرًا، بصوت أكثر برودة مما قصدت. "لكن اعلم أن الصبر عليك له حدود، وقد بدأنا نقترب منها بسرعة."

لم يرد. فقط ابتسم تلك الابتسامة الغامضة نفسها، وعاد بصره إلى حيث كان، إلى تلك الزهرة غير المرئية، التي بدت للحظة وكأنها الشيء الوحيد الحقيقي في عالمه بأكمله.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صدى الخطيئة

المؤلف Tourkia Saidat
2026/09/26 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة