في مكان بعيد عن عالم البشر، خلف جبال شاهقة لا تستطيع الطيور الوصول إلى قممها، كانت تمتد أرض واسعة لا يسكنها سوى التنانين.
كانت أرض التنانين مملكة هائلة، تتوزع فيها الجبال البركانية والوديان الخضراء والبحيرات اللامعة، وفوقها كانت التنانين تحلق بأعداد لا تحصى.
تنانين ذهبية، وتنانين فضية، وأخرى زرقاء وحمراء وخضراء، بأحجام وأشكال مختلفة.
لكن جميعها كانت تعرف اسمًا واحدًا.
فيليندرا.
ملكة التنانين.
وفي أعلى جبل في المملكة، كان يقف قصرها العظيم.
لم يكن القصر يشبه أي قصر في عالم البشر.
كانت أبراجه ترتفع بين الغيوم، وبواباته الضخمة مصنوعة من حجر أبيض لامع تتخلله عروق ذهبية. وكانت التماثيل الضخمة لتنانين قديمة تحرس ممراته، بينما تتدلى من الأسقف مصابيح كريستالية مضيئة.
وفي القاعة الملكية الواسعة، كان عرش فيليندرا قائمًا فوق منصة مرتفعة.
كان العرش مصنوعًا من حجر وردي داكن، تحيط به نقوش ذهبية على شكل أجنحة وتنانين.
وكانت فيليندرا تجلس عليه بهدوء.
كانت ضخمة حتى في هيئتها الملكية، ذات حراشف وردية لامعة تتدرج ألوانها بين الوردي الفاتح والوردي العميق، وقرنان طويلان يلتفان خلف رأسها بطريقة تمنحها مظهرًا مهيبًا.
كانت عيناها تراقبان القاعة بصمت.
وعلى جانبيها وقف أفراد حاشيتها.
كان هناك مستشارون من أقدم سلالات التنانين، وحراس ملكيون، وخدم يتحركون بهدوء بين الأعمدة الضخمة، يحملون الرسائل ويقدمون الطعام ويهتمون بكل ما تحتاج إليه الملكة.
لم يكن أحد يتحدث بصوت مرتفع في حضرة فيليندرا.
ليس خوفًا منها.
بل احترامًا لها.
فهي لم تكن مجرد ملكة.
كانت الملكة الأم، آخر من يحمل السلالة الملكية القديمة، وكانت جميع قبائل التنانين تنظر إليها باعتبارها حامية المملكة وأمًا لكل من يعيش فيها.
لكن خلف أبواب القصر، كانت لفيليندرا حياة أخرى لا يعرفها معظم التنانين.
ففي جناح خاص قريب من قاعة العرش، كان هناك طفل صغير يعيش في القصر.
اسمه إليان.
كان إليان لا يزال صغيرًا جدًا، ولذلك كان خدم القصر يعتنون به طوال الوقت.
كانت هناك مربية من التنانين تهتم بطعامه ونومه، وخادمتان تجهزان ملابسه، وحارسان يقفان قرب باب جناحه، بينما كان طبيب القصر يطمئن عليه كل صباح.
وفي ذلك اليوم، حملت إحدى الخادمات إليان بين ذراعيها، وسارت به نحو قاعة العرش.
ما إن دخلت حتى رفعت فيليندرا رأسها.
توقفت الخادمة أمام العرش وانحنت.
قالت بهدوء:
"مولاتي، إليان استيقظ."
نظرت فيليندرا إلى الطفل.
وللمرة الأولى منذ بداية الصباح، اختفت الصرامة من عينيها.
مدت أحد مخالبها بحذر شديد، فاقترب إليان منها ومد يده الصغيرة نحوها.
ابتسمت فيليندرا.
كان من الغريب أن ترى ملكة التنانين، التي ترتجف أمامها الممالك، بهذه الرقة.
قالت:
"أعطيني إياه."
اقتربت الخادمة وسلمتها الطفل بحذر.
حملت فيليندرا إليان بين جناحيها، وأصبح القصر كله هادئًا للحظات.
ثم وضع إليان رأسه على صدرها وأغلق عينيه.
نظرت فيليندرا إلى وجهه الصغير.
لم تكن تعرف ماذا سيحمل له المستقبل.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.
مهما حدث في هذه المملكة...
لن تسمح لأحد بأن يؤذيه.
وخارج القصر، كانت آلاف التنانين تحلق فوق أرض المملكة، غير مدركة أن شيئًا ما كان قد بدأ يتحرك بعيدًا، خلف الجبال.
شيء لم تعرف فيليندرا بوجوده بعد.