بدأ الصباح بهدوء في القصر الملكي.
كانت أشعة الشمس الأولى تتسلل من بين الستائر الطويلة، فتنعكس على الجدران البيضاء والزخارف الذهبية داخل جناح فيليندرا.
كانت الملكة لا تزال نائمة.
خارج غرفتها، كانت وصيفاتها الخمس قد بدأْن عملهن منذ وقت مبكر.
دخلت إيلارا أولًا، وتوجهت نحو النوافذ الكبيرة.
فتحت الستائر ببطء، فدخل ضوء الصباح إلى الغرفة.
ثم عادت إلى الخزانة الملكية.
كانت عشرات الأثواب مرتبة داخلها بعناية، وكل ثوب محفوظ في مكانه.
اختارت ثوبًا طويلًا من الحرير الوردي، ناعمًا وخفيفًا، تتخلله خيوط ذهبية دقيقة عند الأكمام وحواف الثوب.
وضعته فوق المقعد استعدادًا لارتدائه.
في الجهة الأخرى من الغرفة، كانت ميريفا تجهز مائدة الإفطار.
وضعت الفاكهة الطازجة في أطباق ذهبية، ثم أضافت الخبز والحلوى وبعض الأطعمة التي تفضلها الملكة.
بعدها فحصت الشراب بنفسها، ثم أمرت أحد الخدم بإحضار إبريق جديد من الماء البارد.
أما سيرين فكانت في جناح الحمام.
كان حمام فيليندرا من أفخم الأماكن في القصر.
في وسط القاعة كان هناك حوض واسع مصنوع بالكامل من الذهب، تحيط به أعمدة بيضاء مزينة بزخارف ذهبية.
ملأت سيرين الحوض بالماء الدافئ، ثم أضافت إليه الزيوت العطرية.
انتشرت رائحة الورد والياسمين في المكان.
وضعت إلى جانب الحوض مناشف ناعمة، وثوبًا حريريًا نظيفًا، ومجموعة من العطور الملكية.
تأكدت من حرارة الماء مرة أخرى.
ثم نظرت حولها لتتأكد أن كل شيء جاهز.
في الممر، كانت تاليا تحمل صينية صغيرة عليها تاج الملكة ومجوهراتها.
وضعتها على طاولة قريبة من غرفة النوم.
أما إليانا فكانت تقف عند الباب، تحمل جدول أعمال فيليندرا ورسائل الصباح.
كانت قد رتبت كل شيء بالترتيب الذي ستحتاج إليه الملكة خلال اليوم.
لم تكن أي واحدة من الوصيفات بحاجة إلى أن تسأل الأخرى عما يجب فعله.
لقد عملن معًا لسنوات طويلة.
كل واحدة تعرف مهمتها.
وكل واحدة تعرف عادات الملكة.
بعد دقائق، تحركت فيليندرا فوق فراشها.
فتحت عينيها ببطء.
وعندما جلست، اقتربت منها إيلارا.
قالت بهدوء:
"صباح الخير، مولاتي."
نظرت فيليندرا إليها.
"صباح الخير."
اقتربت إيلارا وفتحت الستائر أكثر.
دخل الضوء الذهبي إلى الغرفة.
ثم بدأت الوصيفات الخمس بالتحرك حول الملكة.
جهزت إيلارا ملابسها.
وأحضرت تاليا مجوهراتها.
وتأكدت ميريفا من أن الإفطار جاهز.
بينما عادت سيرين إلى الحمام لتتأكد من أن الماء لا يزال دافئًا.
أما إليانا فكانت تنتظر بصمت حتى تستيقظ الملكة تمامًا.
قالت سيرين عند عودتها:
"الحمام جاهز، مولاتي."
نظرت فيليندرا نحوها.
ثم نهضت من فراشها.
كانت الوصيفات الخمس بانتظارها.
وخلال دقائق، أصبح جناح الملكة مستعدًا ليوم جديد.
كل شيء في مكانه.
الحرير.
الذهب.
العطور.
المجوهرات.
والحمام الفاخر الذي لم يكن يدخل إليه أحد سواها.
خرجت فيليندرا من غرفة نومها برفقة وصيفاتها.
وتبعنها إلى قاعة الحمام الملكية، بينما بقي ضوء الصباح يلمع فوق الذهب المحيط بها.
إي، سحر الزمن لفيليندرا ممتاز جدًا، وخصوصًا إذا كان إرثًا لعائلتها القديمة. بيعطيها هيبة حقيقية، وبيخلي سحرها مو مجرد «قدرة قوية» بل شيء نادر له قانون وثمن. والأجمل أن قدرتها على العودة بالزمن ممكن تكون أخطر من قدرتها على تغيير الزمن نفسه؛ كل استخدام له عواقب، لذلك ما بتقدر تحل كل مشكلة بسهولة.
نكمل من نفس المكان ونعرّف سحر الوصيفات بهدوء، بدون كشف أسرارهن الشخصية كلها بعد:
دخلت فيليندرا قاعة الحمام الملكية.
كان المكان هادئًا وفخمًا إلى درجة يصعب معها تصديق أنه جزء من القصر.
كانت الأعمدة البيضاء تمتد حتى السقف المرتفع، وقد غُطيت أطرافها بزخارف ذهبية دقيقة.
وفي وسط القاعة، كان حوض الاستحمام الملكي يلمع تحت ضوء الشمس.
كان مصنوعًا من الذهب، واسعًا بما يكفي لتشعر فيه الملكة بالراحة، وتحيط به درجات من الرخام الأبيض.
تقدمت سيرين نحو الماء.
مدت يدها فوق سطحه.
تحرك الماء بهدوء.
ثم ارتفعت منه خيوط رقيقة من البخار، وانتشرت في القاعة رائحة الزهور والزيوت العطرية.
قالت:
"كل شيء جاهز، مولاتي."
أومأت فيليندرا.
جلست على إحدى الدرجات، بينما بدأت سيرين تساعدها في الاستعداد للحمام.
كانت سيرين من أقدم وصيفات الملكة.
وقد عُرفت منذ سنوات طويلة بسحرها المرتبط بالماء.
لم تكن بحاجة إلى لمس الماء كي تحركه.
كانت تستطيع تغيير حرارته، وتحريك سطحه، وحتى فصل الماء عن بعض المواد دون أن تستخدم أدوات.
لكنها لم تكن تستخدم سحرها أمام الآخرين إلا عند الحاجة.
أما إيلارا، فكان سحرها مختلفًا تمامًا.
كانت تستطيع التحكم بالأقمشة والخيوط.
ولهذا كانت مهمتها في القصر مناسبة لها.
كان بإمكانها أن تجعل الحرير يتحرك من تلقاء نفسه، أو تعدل ثوبًا في لحظات، أو تصلح خيطًا مقطوعًا دون إبرة.
وكانت تلك القدرة تجعلها واحدة من أمهر من يخدمون في الجناح الملكي.
وقفت إيلارا بالقرب من الثوب الذي اختارته للملكة.
رفعت يدها.
تحرك الحرير قليلًا، ثم استقام فوق المقعد كما لو أن يدًا خفية ترتبه.
راقبتها فيليندرا للحظة.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أما ميريفا، فكان لها سحر آخر.
كانت تستطيع معرفة ما إذا كان الطعام أو الشراب قد تعرض لأي تغيير.
يكفي أن تلمس الكأس أو الطبق حتى تشعر إن كان بداخله شيء غريب.
ولهذا كانت مسؤولة عن طعام الملكة وشرابها.
لم يكن أحد يستطيع بسهولة أن يخفي سمًا أو مادة غريبة عن ميريفا.
أما تاليا، فكان سحرها متعلقًا بالمسافات.
كانت تستطيع نقل الأشياء الصغيرة من مكان إلى آخر دون أن تتحرك من مكانها.
ولهذا كانت تحمل دائمًا حاجات الملكة معها، مهما كانت بعيدة عنها.
أما إليانا...
فكان سحرها أكثر هدوءًا.
وأكثر غموضًا.
كانت تستطيع تذكر كل شيء تسمعه أو تقرؤه تقريبًا.
لا تنسى وجهًا رأته، ولا اسمًا سمعته، ولا رسالة مرت بين يديها.
ولهذا كانت مسؤولة عن مواعيد الملكة ورسائلها وشؤونها اليومية.
خمس وصيفات.
خمس تنانين.
وخمس أنواع مختلفة من السحر.
لكن سحر فيليندرا كان شيئًا آخر تمامًا.
كان سحر الزمن.
كانت فيليندرا تنتمي إلى واحدة من أعرق عائلات التنانين في المملكة.
عائلة قديمة جدًا، يعود تاريخها إلى عصور سبقت قيام المملكة الحالية.
وكان سحر الزمن إرثًا نادرًا لا يظهر إلا في أفراد قليلين من نسلها.
كان بإمكان حامل هذا السحر أن يتعامل مع الزمن بطريقة لا تستطيع بقية التنانين فهمها.
لكن العودة إلى الماضي لم تكن أمرًا بسيطًا.
فالزمن لم يكن بابًا يمكن فتحه والعبور منه متى شاء صاحبه.
كان لكل تدخل ثمن.
وثمنه قد يكون جسديًا...
أو سحريًا...
أو شيئًا لا يمكن استعادته أبدًا.
ولهذا كانت فيليندرا تعرف أكثر من غيرها أن بعض اللحظات يجب أن تبقى في الماضي.
حتى لو كانت تستطيع الوصول إليها.
نظرت إليها سيرين.
"مولاتي؟"
التفتت فيليندرا إليها.
"نعم؟"
قالت سيرين:
"الماء أصبح جاهزًا تمامًا."
نظرت فيليندرا إلى الحوض الذهبي.
ثم دخلت إليه بهدوء.
وبقيت وصيفاتها الخمس في القاعة، كل واحدة منهن تعرف ما عليها فعله.
مرّت الساعات الأولى من النهار بهدوء داخل القصر الملكي.
كانت فيليندرا قد بدأت أعمالها اليومية، بينما انشغل الخدم والحراس والوزراء بمهامهم المعتادة.
وفي أحد الممرات القريبة من الجناح الملكي، كانت إليانا تسير بخطوات هادئة.
كانت إحدى وصيفات الملكة الخمس، وقد انتهت لتوها من ترتيب جدول أعمال فيليندرا ورسائل الصباح.
نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار.
كانت استراحتها قد بدأت.
غادرت إليانا القصر، وسارت عبر الحديقة الملكية باتجاه مبنى صغير يقع بعيدًا قليلًا عن القصر.
كان المبنى محاطًا بسياج أبيض منخفض، وخلفه حديقة واسعة مخصصة للأطفال.
كان هذا المكان معروفًا باسم دار الأطفال.
كان مخصصًا لأطفال العاملين في القصر.
فمعظم الخدم والحراس والطهاة وغيرهم من العاملين في القصر كانوا تنانين لديهم عائلات وأطفال، ولهذا أُنشئت الدار حتى يستطيع الأطفال البقاء في مكان آمن أثناء عمل والديهم.
دفعت إليانا الباب ودخلت.
وصلتها أصوات الأطفال فورًا.
كان بعضهم يركض في القاعة على شكل تنانين صغيرة، بينما جلس آخرون حول طاولة منخفضة.
كان هناك تنين صغير أخضر يحاول الطيران فوق وسادة كبيرة، وتنين أبيض صغير يضحك عليه من الأسفل.
وفي زاوية أخرى، كانت مجموعة من الأطفال تلعب بقطع خشبية ملونة.
كانت المربيات يراقبنهم ويتدخلن كلما اقترب أحدهم من مكان خطر.
ابتسمت إليانا وهي تنظر حولها.
كانت تزور الأطفال أحيانًا خلال استراحتها.
وكان بعضهم يعرفها جيدًا بسبب زياراتها المتكررة.
بحثت بعينيها بين الأطفال.
ثم لاحظت طفلًا صغيرًا يجلس وحده بالقرب من النافذة.
كان إليو.
كان تنينًا صغيرًا في السابعة من عمره.
كانت حراشفه زرقاء فاتحة، وله قرنان صغيران لم يكتمل نموهما بعد، وجناحان صغيران على ظهره.
كان يجلس فوق الأرض، وذيله ملتف حول جسده، بينما يمسك بين مخالبه لعبة خشبية صغيرة على شكل تنين.
اقتربت منه إليانا.
"إليو."
رفع رأسه بسرعة.
وعندما رآها، اتسعت عيناه بسعادة.
"إليانا!"
جلست إليانا بجانبه.
"ماذا تفعل هنا وحدك؟"
أخفى إليو اللعبة خلف جناحه.
"لا شيء."
نظرت إليه إليانا.
"أنت تخفي شيئًا."
هز رأسه بسرعة.
"لا."
لكن ذيله كان يتحرك بتوتر.
ابتسمت إليانا.
"إذًا لماذا تخفيه؟"
تردد قليلًا.
ثم أخرج اللعبة من خلف جناحه.
كانت لعبة خشبية صغيرة على شكل تنين.
وضعها أمامه.
قال:
"كنت أحاول أن أحركها."
نظرت إليانا إلى اللعبة.
"كيف؟"
رفع إليو إحدى مخالبه.
"بالسحر."
نظرت إليه إليانا باهتمام.
"هل بدأت تشعر بسحرك؟"
هز إليو كتفيه.
"ما بعرف."
ثم أضاف:
"بس من يومين عم حاول."
وضع اللعبة أمامه مرة أخرى.
مد مخالبه نحوها.
أغمض عينيه.
وبقي ساكنًا.
مرت عدة ثوانٍ.
لم يحدث شيء.
فتح عينيه وتنهد.
"ما عم تشتغل."
قالت إليانا:
"لا تستعجل."
أعاد إليو المحاولة.
أخذ نفسًا عميقًا.
وفجأة...
تحركت اللعبة.
لكنها لم تتحرك إلى الأمام.
بل انزلقت إلى الخلف.
تراجعت فوق الأرض عدة خطوات صغيرة، ثم توقفت.
فتح إليو عينيه.
نظر إلى اللعبة بدهشة.
ثم التفت إلى إليانا.
"شفتي؟!"
بقيت إليانا تنظر إلى اللعبة.
اقتربت منها ولمستها.
لم يكن هناك خيط.
ولا أحد يحركها.
رفعت رأسها نحو إليو.
"منذ متى تستطيع فعل ذلك؟"
قال:
"من يومين."
"وهل حدث هذا من قبل؟"
فكر إليو قليلًا.
"أحيانًا."
"أحيانًا ماذا؟"
أشار بمخالبه نحو الغرفة.
"أشياء بتتحرك."
نظرت إليانا حولها.
"مثل ماذا؟"
أشار إليو إلى النافذة.
كانت هناك نبتة صغيرة موضوعة على الحافة.
اقتربت إليانا منها.
كانت النبتة تحمل زهرة بيضاء صغيرة.
قال إليو:
"الصبح كانت مسكرة."
ثم أشار إليها.
"وبعدين فتحت."
سألته إليانا:
"وأنت فعلت ذلك؟"
هز رأسه.
"ما بعرف."
ثم فكر قليلًا وقال:
"يمكن."
نظرت إليانا إلى الزهرة.
ثم إلى الطفل.
لم يكن من الغريب أن يبدأ أحد أطفال التنانين باكتشاف سحره في هذا العمر.
لكن ما فعله إليو باللعبة كان مختلفًا قليلًا.
لم تتحرك اللعبة باتجاهه.
بل تحركت إلى الخلف.
قالت إليانا بهدوء:
"لا تستخدم سحرك وحدك إذا لم تكن إحدى المربيات قريبة منك."
أومأ إليو.
"حاضر."
ثم نظر إليها بفضول.
"بتعرفي شو نوع سحري؟"
ابتسمت إليانا.
"ليس بعد."
"بس أنتِ بتعرفي كتير عن السحر."
قالت إليانا:
"أعرف بعض الأشياء فقط."
ثم أضافت:
"والسحر يختلف من تنين إلى آخر."
نظر إليو إلى مخالبه.
"بتتوقعي يكون سحري قوي؟"
أجابته إليانا:
"قد يكون."
ثم نظرت إلى اللعبة.
"وقد يحتاج إلى وقت حتى تفهمه."
ابتسم إليو.
"رح جرّب كل يوم."
ضحكت إليانا بخفة.
"لكن لا تجرب وحدك."
في تلك اللحظة، اقتربت إحدى مربيات الدار.
كانت تنينة كبيرة ذات حراشف رمادية، وقد كانت تحمل بين جناحيها تنينًا صغيرًا نائمًا.
قالت:
"إليانا، هل أنت في استراحتك؟"
أومأت إليانا.
"نعم. جئت لأطمئن عليهم."
ابتسمت المربية.
"الأطفال بخير اليوم."
ثم نظرت إلى إليو.
"وهو لم يتوقف عن محاولة استخدام سحره منذ الصباح."
ضحك إليو.
"لأني رح أكتشفه!"
نظرت إليانا إليه.
ثم قالت:
"وأنا سأنتظر حتى تفعل."
في تلك اللحظة، نظرت إليانا إلى الساعة.
كانت استراحتها قد انتهت تقريبًا.
وقفت.
"يجب أن أعود إلى القصر."
رفع إليو رأسه.
"بترجعي بكرا؟"
"إذا سمح وقت الملكة."
ابتسم إليو.
"رح استناك."
لوحت له إليانا بيدها، ثم اتجهت نحو الباب.
وقبل أن تخرج، سمعت صوتًا خلفها.
"إليانا!"
التفتت.
كان إليو قد وضع اللعبة أمامه من جديد.
قال بحماس:
"إذا قدرت أحركها أبعد بكرا، رح تشوفي!"
ابتسمت.
"سأرى."
ثم خرجت من دار الأطفال.
عادت أصوات اللعب إلى القاعة.
لكن إليو بقي في مكانه.
نظر إلى اللعبة الخشبية.
ثم مد مخالبه نحوها مرة أخرى.
حاول تحريكها.
لم تتحرك.
حاول مرة ثانية.
لم يحدث شيء.
ثم فجأة...
تحركت اللعبة وحدها.
توقفت أمامه.
رفع إليو رأسه ببطء.
لكن هذه المرة لم ينظر إلى اللعبة.
كان ينظر إلى ظلها.
فاللعبة بقيت في مكانها.
أما ظلها...
فقد تحرك وحده إلى الجانب.
بقي إليو ساكنًا.
ولم يقل شيئًا.
في اليوم التالي، بدأ المطبخ الملكي عمله في وقت مبكر.
كانت رائحة الخبز الطازج والتوابل تنتشر في المكان، بينما كان الطهاة والخدم يتحركون بين الطاولات الكبيرة.
كانت مارينا واحدة من العاملات في المطبخ.
كانت تنينة ذات حراشف ذهبية فاتحة، وتعمل في مطبخ القصر منذ سنوات طويلة.
كانت مسؤولة عن تجهيز بعض المكونات اليومية، ولذلك كانت تذهب أحيانًا إلى سوق مملكة التنانين لشراء ما يحتاج إليه المطبخ.
وقفت أمام إحدى الطاولات، ووضعت سلة كبيرة على ذراعها.
ثم أمسكت بقائمة طويلة.
قرأت ما فيها.
الفواكه.
الأعشاب.
التوابل.
الدقيق.
وبعض المكونات الأخرى التي طلبها الطهاة.
قالت إحدى العاملات:
"مارينا، لا تنسي التوت الأحمر."
رفعت مارينا رأسها.
"كتبته."
قالت العاملة:
"والتفاح الذهبي أيضًا."
نظرت مارينا إلى القائمة.
"موجود."
ثم ابتسمت.
"هل تريدين مني أن أشتري لك شيئًا أيضًا؟"
ضحكت المرأة.
"إذا وجدتِ حلوى جيدة، أحضري لي منها."
هزت مارينا رأسها.
"سأحاول."
خرجت من المطبخ، وغادرت القصر من البوابة الرئيسية.
كان الصباح قد أصبح أكثر إشراقًا.
حلقت عدة تنانين فوق أبراج القصر، بينما كانت مجموعات أخرى تسير في الطرق المؤدية إلى المدينة.
كان سوق مملكة التنانين يقع في قلب المملكة.
وعندما وصلت مارينا إليه، كان المكان قد بدأ يمتلئ بالناس.
كان السوق واسعًا جدًا.
امتدت المحلات على جانبي الشوارع، وفوقها لافتات ملونة تحمل أسماء أصحابها.
كان هناك بائع فواكه يضع صناديق كبيرة من الفواكه الطازجة أمام متجره.
وبالقرب منه، كان متجر آخر يبيع أنواعًا مختلفة من الأعشاب.
وفي الجهة المقابلة، كانت رائحة الخبز الساخن تخرج من مخبز صغير.
توقفت مارينا أمام أول متجر.
قال البائع:
"صباح الخير."
أجابته:
"صباح الخير. أريد ستة صناديق من التفاح الذهبي."
أشار البائع إلى الصناديق.
"هذه طازجة من المزارع الشرقية."
اقتربت مارينا وفحصت التفاح.
ثم اختارت الصناديق المطلوبة.
بعد ذلك تابعت سيرها.
مرّت أمام محل للحلويات.
توقفت لحظة.
تذكرت طلب العاملة في المطبخ.
دخلت المحل.
كان مليئًا بالحلوى الملونة.
اختارت صندوقًا صغيرًا.
ثم خرجت.
واصلت طريقها بين المحلات.
كان السوق يزداد ازدحامًا.
تنانين كبيرة تحمل سلالًا.
أمهات يسيرن مع أطفالهن.
أطفال صغار يركضون بين المحلات.
وبعض التنانين كانوا يتحدثون مع أصحاب المتاجر عن الأسعار.
لم يكن السوق مكانًا يأتي إليه سكان المملكة للتسوق فقط.
كان مكانًا يلتقي فيه الجميع.
توقفت مارينا عند متجر الأعشاب.
كان صاحب المتجر تنينًا عجوزًا يعرفها منذ سنوات.
قال عندما رآها:
"مارينا! هل القصر يحتاج إلى الأعشاب مرة أخرى؟"
ابتسمت.
"كالعادة."
بدأت تذكر له ما تحتاج إليه.
كان يضع الأعشاب في أكياس صغيرة، بينما كانت مارينا تراجع قائمتها.
وعندما انتهت، وضعت الأكياس داخل سلتها.
ثم قالت:
"هل لديكِ نعناع جبلي؟"
أجابها:
"وصلني هذا الصباح."
أخرج كيسًا صغيرًا.
أخذته مارينا.
"سآخذ هذا أيضًا."
دفعت ثمنه، ثم غادرت المتجر.
بعد وقت قصير، أصبحت سلتها ممتلئة.
نظرت إلى قائمتها.
لم يبقَ سوى شيء واحد.
الزعفران الأحمر.
كانت مارينا تعرف أن أفضل نوع منه يباع في الجزء القديم من السوق.
اتجهت نحوه.
كانت المحلات هناك أقدم من بقية السوق، وبعضها يعود إلى مئات السنين.
سارت مارينا بين الأزقة الضيقة.
ثم توقفت أمام متجر صغير.
كان بابه خشبيًا قديمًا، وفوقه لافتة باهتة.
دخلت.
كان المكان هادئًا بشكل غريب مقارنة ببقية السوق.
قال صوت من الداخل:
"أهلًا."
رفعت مارينا رأسها.
كان صاحب المتجر تنينًا مسنًا يقف خلف طاولة خشبية.
قالت:
"أريد الزعفران الأحمر."
نظر إليها للحظة.
ثم أخرج علبة صغيرة ووضعها أمامها.
فتحت مارينا العلبة.
كان الزعفران بداخلها أحمر داكنًا.
فحصته.
ثم أغلقتها.
"هذا جيد."
قال العجوز:
"إنه من آخر محصول."
دفعت مارينا ثمنه.
وأخذت العلبة.
ثم خرجت من المتجر.
عندما عادت إلى الشارع الرئيسي، كان السوق أكثر ازدحامًا من قبل.
سمعت أصوات الباعة.
وضجيج الأطفال.
وضربات أجنحة التنانين التي كانت تهبط في الساحة.
رفعت مارينا سلتها.
ثم بدأت طريق العودة إلى القصر.
كان السوق لا يزال مزدحمًا.
استمرت أصوات الباعة في الانتشار بين الأزقة، وتحركت التنانين بين المحلات، بينما كان الأطفال يركضون بالقرب من الساحة الكبيرة.
لكن فوق أحد الأسطح القديمة، بعيدًا عن أعين الجميع، كان هناك تنين صغير يجلس بصمت.
كان اسمه نيرو.
كان تنينًا أسود صغيرًا، لا يتجاوز عمره تسع سنوات.
كانت حراشفه سوداء داكنة، تلمع قليلًا عندما تصل إليها أشعة الشمس.
وكان له قرنان صغيران وجناحان لم يكبرا بما يكفي ليحملاه لمسافات طويلة.
جلس نيرو خلف جدار حجري منخفض، وأبقى رأسه ظاهرًا فوقه قليلًا.
كان يراقب السوق.
لم يكن أحد يعرف أنه هناك.
نظر إلى الباعة.
ثم إلى العائلات التي كانت تمر في الشارع.
راقب الأطفال وهم يلعبون.
ثم نظر إلى التنانين التي كانت تدخل وتخرج من المتاجر.
كان يتابع الجميع بصمت.
لم يكن يحمل شيئًا.
ولم يكن يتحدث إلى أحد.
كل ما كان يفعله هو المراقبة.
مرّت مارينا من الشارع أسفل المكان الذي يجلس فيه.
توقف نيرو عن الحركة.
تابعها بعينيه حتى اختفت بين التنانين.
ثم نظر إلى السلة التي كانت تحملها.
بعد ذلك عاد لينظر إلى السوق.
مرت مجموعة من الأطفال بالقرب منه.
ضحك أحدهم، بينما كان طفل آخر يطارد كرة صغيرة.
تحرك نيرو قليلًا إلى الخلف حتى لا يروه.
ثم بقي ساكنًا.
كان يعرف الأماكن التي يمكنه الاختباء فيها.
سطح هذا المتجر.
ذلك البرج القديم.
الزقاق الضيق خلف المخبز.
والشجرة الكبيرة القريبة من الساحة.
كان يراقب السوق منذ فترة طويلة.
وفي كل مرة كان يأتي فيها إلى هنا، كان يختار مكانًا مختلفًا.
لم يكن يريد أن يعرف أحد بوجوده.
اقترب أحد التنانين من السطح الذي يجلس عليه.
رفع نيرو رأسه بسرعة.
كان التنين يبحث عن شيء فوق السطح.
تراجع نيرو خلف الجدار.
مرّت لحظات.
ثم ابتعد التنين.
رفع نيرو رأسه من جديد.
تنفس بهدوء.
ثم نظر إلى القصر الملكي البعيد.
كانت أبراج القصر البيضاء تظهر خلف المباني.
بقي ينظر إليها لفترة طويلة.
ثم أنزل رأسه.
لم يكن يراقب السوق فقط.
كان يراقب المملكة كلها.
لكن لا أحد كان يعرف من هو.
ولا أين يعيش.
ولا لماذا يأتي إلى السوق كل يوم.
وقف نيرو ببطء.
فتح جناحيه الصغيرين.
ثم قفز من فوق السطح.
هبط في زقاق ضيق خلف أحد المتاجر، بعيدًا عن حركة الناس.
وبمجرد أن تأكد أن لا أحد يراه، تابع سيره بين الأزقة.
كان صغيرًا.
هادئًا.
ومجهولًا للجميع.
لكن نيرو كان يعرف أشياء كثيرة عن المملكة...
أكثر مما ينبغي لتنين في عمره.
كان السوق لا يزال مزدحمًا عندما اختفى نيرو عن الأنظار.
ترك أسطح المتاجر القديمة، وتسلل عبر الأزقة الضيقة المؤدية إلى أطراف المملكة.
لم يكن لديه منزل يعود إليه.
لم يكن لديه غرفة.
ولا سرير.
ولا عائلة تنتظره.
كان نيرو تنينًا صغيرًا مشردًا، ولم يكن أحد في السوق يعرف من أين جاء.
واصل السير حتى ابتعد عن المدينة.
خارج الأسوار، كانت هناك طريق طويلة تمر بين الأشجار والتلال، وتستخدمها القوافل القادمة من القرى والمناطق البعيدة.
اختبأ نيرو بين الأشجار.
وبعد وقت قصير، ظهر رجل على الطريق.
كان تنينًا ضخمًا، أسود الحراشف، يحمل حقيبة كبيرة على ظهره.
كان أحد قاطعي الطرق الذين يختبئون في هذه المنطقة.
عندما رأى نيرو، توقف.
قال بصوت خشن:
"عدت؟"
أومأ نيرو.
"نعم."
نظر إليه الرجل.
"ماذا رأيت اليوم؟"
اقترب نيرو منه.
ثم جلس على الأرض.
"الكثير."
جلس الرجل على صخرة قريبة.
"احكِ."
بدأ نيرو يتحدث.
أخبره عن السوق.
عن التجار.
عن القوافل.
وعن الأشياء التي كان يحملها بعض التنانين.
ثم ذكر مارينا.
"جاءت عاملة من القصر."
رفع الرجل رأسه.
"من القصر؟"
أومأ نيرو.
"كانت تحمل سلة كبيرة."
سكت الرجل قليلًا.
ثم سأل:
"ماذا اشترت؟"
أجابه نيرو بكل ما رآه.
لم يكن ينسى شيئًا.
كان يتذكر الوجوه.
والملابس.
والأشياء التي يحملها التنانين.
وحتى الطرق التي يسلكونها.
قال الرجل:
"أنت جيد في المراقبة."
لم يرد نيرو.
نظر إلى الطريق.
بعد قليل، مرت قافلة بعيدة.
راقبها نيرو من بين الأشجار.
قال الرجل:
"تعال."
تبعه نيرو.
لم يسأله إلى أين يذهبان.
كان يعرف.
كان الرجل يعيش في مخبأ صغير قرب الطريق، داخل كهف قديم بين الصخور.
وكان نيرو يعيش معه هناك منذ مدة.
لم يكن الرجل أبًا له.
ولم يكن قريبًا له.
لكنه كان التنين الوحيد الذي سمح له بالبقاء معه.
في المقابل، كان نيرو يساعده.
يراقب الطرق.
ويرى من يمر.
ويخبره بما يحدث.
عاد الاثنان إلى الكهف.
أشعل الرجل نارًا صغيرة، ثم وضع بعض الطعام أمام نيرو.
أكل نيرو بصمت.
كان الطعام بسيطًا.
لكنه كان أفضل من النوم جائعًا.
بعد أن انتهى، جلس قرب مدخل الكهف.
رفع رأسه نحو السماء.
كانت المملكة تبدو بعيدة من هذا المكان.
وفي الأفق، ظهرت أبراج القصر الملكي.
بقي نيرو ينظر إليها.
لاحظ الرجل ذلك.
قال:
"لماذا تنظر إلى القصر دائمًا؟"
لم يجب نيرو.
كرر الرجل السؤال:
"ماذا تريد من هناك؟"
ظل نيرو صامتًا.
ثم قال:
"لا أعرف."
ضحك الرجل.
"كل شخص يريد شيئًا."
نظر نيرو إلى القصر مرة أخرى.
كان يريد أن يعرف كيف يعيش التنانين هناك.
كيف تبدو حياة الأطفال في القصر.
كيف يكون النوم في سرير حقيقي.
كيف يكون وجود مكان يستطيع أن يسميه بيته.
لكنه لم يقل شيئًا.
أخفض رأسه.
ثم تمدد قرب النار.
في اليوم التالي، سيعود إلى السوق.
وسيعود إلى مراقبة الجميع.