ليلة القصر العظيم

ليلة القصر العظيم

5 0

بدأ القصر الملكي يستعد للحفلة منذ ساعات الصباح الأولى.

لم تكن تلك الليلة تشبه أي ليلة أخرى.

فقد كان من المقرر أن تجتمع في القصر نخبة من أقدم عائلات التنانين، ومسؤولو الممالك والمجتمعات الكبرى، إلى جانب عدد من الملوك والأمراء القادمين من الأراضي المجاورة.

ولهذا، لم يكن هناك شيء في القصر يمكن أن يُترك للصدفة.

في جناح الملكة، كانت الوصيفات الخمس يعملن منذ الصباح.

كانت إيلارا تقف أمام خزانة الملابس الملكية، وقد فُتحت أبوابها بالكامل.

كانت الأثواب مرتبة داخلها بعناية، لكن ثوبًا واحدًا فقط كان ينتظر تلك الليلة.

أخرجته إيلارا ببطء.

كان فستانًا طويلًا من الحرير الأبيض، تتخلله خيوط ذهبية رفيعة تشكل نقوشًا دقيقة على طول القماش.

لم يكن الذهب موضوعًا عليه بكثرة.

بل كان موزعًا بطريقة جعلت الفستان يبدو وكأن خيوطًا من الضوء قد نُسجت داخله.

امتد الفستان حتى الأرض، وكانت أطرافه مزينة بتطريز ذهبي ناعم.

أما الجزء العلوي، فكان ضيقًا وأنيقًا، يحيط بالخصر بطريقة جعلت القماش ينساب بعدها بحرية.

رفعت إيلارا يدها.

تحرك الفستان وحده.

ارتفع قليلًا عن الأرض، ثم دار في الهواء ببطء.

استقرت طبقاته فوق بعضها بانسيابية، وكأن عشرات الأيدي غير المرئية تقوم بترتيبه.

راقبته إيلارا للحظات.

ثم قالت:

"هذا هو."

كانت ميريفا تقف أمام طاولة طويلة، وقد وضعت عليها علب صغيرة من الطعام والشراب.

لم تكن مهمتها الليلة أقل أهمية من اختيار الفستان.

فكل شيء ستتناوله الملكة يجب أن يمر عبرها.

كانت تفحص الأطعمة والمشروبات واحدة تلو الأخرى.

أما سيرين، فكانت تجهز عطور الملكة.

اختارت زجاجة طويلة من الكريستال الشفاف.

رفعت الغطاء.

انتشرت في الغرفة رائحة ناعمة من الورد الأبيض والياسمين.

وضعتها جانبًا، ثم اختارت عطرًا آخر أكثر دفئًا.

في الجهة المقابلة، كانت تاليا ترتب مجوهرات الملكة.

فتحت أول صندوق.

ظهر داخله تاج.

كان مصنوعًا من الذهب الأبيض، تتوسطه أحجار كريمة شفافة تلتقط الضوء من كل اتجاه.

وبجانبه قلادة طويلة مرصعة بأحجار زرقاء داكنة.

ثم صندوق آخر.

أقراط.

وأساور.

وخواتم.

كل قطعة كانت تبدو كأنها صنعت لملكة، لا لامرأة عادية.

مدت تاليا يدها.

ارتفعت إحدى القلائد من مكانها وانتقلت إلى الصندوق الآخر دون أن تلمسها.

قالت إليانا، وهي تقرأ قائمة الحفلة:

"التاج أولًا، ثم القلادة، ثم الأقراط."

نظرت إليها تاليا.

"أعرف."

أجابتها إليانا بهدوء:

"أنا فقط أذكرك."

ابتسمت تاليا.

"وأنا فقط أذكرك أنني أعرف."

ضحكت سيرين بخفة.

كانت تلك التفاصيل الصغيرة هي الشيء الوحيد الذي جعل الجناح الملكي يبدو أقل برودة.

ثم فُتح باب الغرفة.

دخلت فيليندرا.

توقفت الوصيفات الخمس عن العمل للحظة.

لم تقل الملكة شيئًا.

كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا مخصصًا للراحة، وشعرها الطويل منسدل خلف ظهرها.

نظرت إلى الفستان.

ثم إلى المجوهرات.

قالت:

"هل انتهيتن؟"

أجابتها إيلارا:

"تقريبًا، مولاتي."

اقتربت منها.

بدأت بتسريح شعرها وترتيبه بعناية.

كانت خصلاته الطويلة تنساب بين أصابعها، ثم ترتفع بعض الخصلات قليلًا بسحرها، فتستقر في مكانها دون الحاجة إلى دبابيس كثيرة.

بعد ذلك ارتدت فيليندرا الفستان.

وحين استقر الحرير حول جسدها، بدا وكأن الغرفة كلها تغيرت.

لم يعد الثوب مجرد قطعة من القماش.

كان طويلًا، ناعمًا، لامعًا تحت الضوء.

كانت الخيوط الذهبية تتحرك مع كل خطوة، فتظهر وتختفي فوق الحرير الأبيض مثل ضوء بعيد.

وضعت تاليا القلادة حول عنقها.

ثم الأقراط.

وأخيرًا التاج.

رفعته بكلتا يديها.

ووضعته فوق رأس الملكة.

ساد الصمت.

نظرت فيليندرا إلى انعكاسها في المرآة.

كانت تبدو مختلفة تمامًا.

هادئة.

جميلة.

ومهيبة.

لم تكن بحاجة إلى تاج كبير أو مجوهرات كثيرة لتثبت أنها الملكة.

لكن تلك الليلة، اجتمعت كل رموز السلطة حولها.

التاج.

الحرير.

الذهب.

الأحجار الكريمة.

والنظرة الهادئة التي لم تكن تحتاج إلى كلمات.

قالت سيرين:

"مولاتي..."

التفتت فيليندرا إليها.

توقفت سيرين للحظة، ثم ابتسمت.

"تبدين رائعة."

لم تجب فيليندرا.

اكتفت بالنظر إلى نفسها مرة أخرى.

ثم قالت:

"لنذهب."

خرجت الملكة من جناحها.

وكان القصر قد تغير.

امتدت قاعة الاحتفالات الملكية في قلب القصر، خلف أبواب ضخمة من الخشب الداكن مغطاة بنقوش ذهبية.

وحين فُتحت الأبواب...

ظهر عالم آخر.

كانت القاعة هائلة.

سقفها مرتفع إلى درجة أن رؤوس التنانين بدت صغيرة تحته.

تدلت من السقف ثريات ضخمة مصنوعة من الكريستال والذهب، وفي داخل كل واحدة منها مئات الأضواء السحرية.

انعكس الضوء على أرضية الرخام المصقول.

وكانت أعمدة بيضاء ضخمة تمتد على جانبي القاعة، تحمل تيجانًا ذهبية منحوتة على شكل أجنحة تنانين.

على الجدران، علقت رايات المملكة.

وفي منتصف القاعة، تركت مساحة واسعة للرقص.

أما حولها، فامتدت الموائد الطويلة.

كانت مغطاة بأقمشة بيضاء ثقيلة، وحوافها مطرزة بالذهب.

فوقها وضعت أطباق من الفضة والذهب، وكؤوس من الكريستال، وأباريق مزخرفة.

كان الطعام وفيرًا إلى درجة أن بعض الموائد بدت كأنها لا تنتهي.

فاكهة نادرة.

حلويات متعددة الألوان.

لحوم مطهية بطرق مختلفة.

خبز ساخن.

أطباق لم يكن معظم سكان المملكة يرون مثلها إلا في المناسبات الملكية.

وفي أطراف القاعة، وقف العازفون.

كانت آلاتهم مصنوعة من خشب داكن ومعدن لامع، وقد أعدوا أنفسهم لبدء الموسيقى بمجرد وصول الملكة.

ثم بدأت أبواب القاعة تستقبل الضيوف.

وصل أول كبار العائلات.

كانوا تنانين قد عاش بعضهم مئات السنين.

لكن أعمارهم لم تكن تظهر على وجوههم.

كان أحدهم يبدو في الثلاثين تقريبًا، رغم أن عمره تجاوز الثلاثمئة.

وآخر بدا أصغر منه، مع أن اسمه كان معروفًا منذ أجيال.

كانت ملابسهم فاخرة.

معاطف طويلة.

أقمشة نادرة.

أحجار كريمة.

تيجان صغيرة ترمز إلى مكانتهم.

وكان خلف كل واحد منهم عدد من المساعدين والخدم.

تنين يحمل معطفه.

آخر يحمل صندوق مجوهراته.

ثالث يرافق أفراد عائلته.

وبعضهم جاء برفقة حراس شخصيين يرتدون ملابس رسمية.

كلما دخلت عائلة جديدة، كان الخدم يعلنون اسمها ومكانتها.

وتتجه الأنظار إليها.

لم تكن تلك مجرد حفلة.

كانت ليلة تلتقي فيها القوة بالقوة.

عائلات حكمت مناطق كاملة.

مسؤولون يديرون مدنًا ومجتمعات ضخمة.

تنانين حملت ألقابًا توارثتها عائلاتهم منذ قرون.

كانوا جميعًا جميلين بطريقة غير عادية.

ملامح شابة.

حضور قوي.

ملابس مصنوعة بإتقان.

ونظرات تحمل ثقة من اعتاد أن تُفتح له الأبواب.

ثم دخل أحد الملوك.

ساد الهدوء للحظة.

كان ملك مملكة التنين المجاورة.

تنينًا طويل القامة، أسود الشعر، يرتدي معطفًا داكنًا تتخلله تطريزات فضية.

كان خلفه عدد من المساعدين والحراس.

تقدم بخطوات ثابتة.

وبعد دقائق، بدأ الضيوف يتبادلون الأحاديث.

لكن الأصوات خفتت فجأة عندما ظهرت الملكة.

دخلت فيليندرا القاعة.

توقفت الأحاديث للحظة.

لم تكن تمشي بسرعة.

كانت خطواتها هادئة.

وكان ذيل فستانها ينساب خلفها فوق الرخام.

انعكس الضوء على خيوط الذهب، فتبدو وكأنها تتحرك فوق سطح الماء.

كان شعرها الطويل ينساب خلف كتفيها.

والتاج فوق رأسها يلتقط أضواء الثريات.

أما الأحجار الزرقاء في قلادتها، فكانت تلمع مع كل حركة.

بدت فيليندرا كأنها خرجت من حكاية قديمة عن ملكات البحر.

جميلة إلى درجة جعلت القاعة كلها تبدو أقل فخامة حولها.

حتى أولئك الذين عاشوا مئات السنين لم يستطيعوا منع أعينهم من التوجه إليها.

وصلت إلى منتصف القاعة.

ثم وقفت.

انحنى لها الضيوف.

قال أحدهم:

"مولاتي."

وقالت أخرى:

"تشرفنا بحضورك."

أجابت فيليندرا بابتسامة هادئة.

ثم تقدّم ملك المملكة المجاورة.

وقف أمامها.

وانحنى باحترام.

قال:

"مولاتي فيليندرا."

نظرت إليه.

"جلالة الملك."

رفع رأسه.

ثم مد يده نحوها.

"هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟"

نظرت فيليندرا إلى يده.

ثم إلى وجهه.

وبعد لحظة قصيرة...

وضعت يدها في يده.

بدأت الموسيقى.

وانفتحت مساحة الرقص أمامهما.

خطت فيليندرا إلى الأمام.

وانسابت طبقات فستانها حولها.

ثم دارت.

ارتفع الحرير قليلًا، وتحرك الذهب فوقه تحت ضوء الثريات.

بدا المشهد للحظة وكأن حورية خرجت من مياه أسطورية إلى وسط قاعة من الذهب.

وكانت كل عيون القاعة تتبعها.

أما في أحد أطراف القاعة...

فلم يكن أحد يلاحظ ظلًا صغيرًا يتسلل بين الضيوف.

ظلًا أسود قصيرًا.

يتحرك بهدوء.

نحو موائد الطعام.

استمرت الموسيقى في القاعة.

كانت فيليندرا لا تزال ترقص مع ملك المملكة المجاورة، بينما تحركت الأضواء السحرية فوقهما وانعكست على أرضية الرخام.

كان الضيوف يتحدثون ويضحكون.

والخدم يتحركون بين الموائد بهدوء، يحملون الأطباق ويملؤون الكؤوس.

كل شيء كان يسير كما يجب.

حتى اقترب أحد الخدم من إحدى الموائد.

كانت المائدة قبل دقائق فقط ممتلئة بالطعام.

أطباق كبيرة من اللحم.

خبز طازج.

فاكهة.

حلويات.

وأطباق أخرى أُعدت خصيصًا لضيوف الحفلة.

لكن عندما نظر إليها الخادم...

توقف.

حدق في المائدة.

ثم اقترب أكثر.

كانت معظم الأطباق فارغة.

بعضها لم يبقَ فيه سوى القليل من الطعام.

وأحد الأطباق كان نظيفًا تقريبًا، وكأن شخصًا مسحه بالكامل.

قال الخادم باستغراب:

"هل مرّ أحد من هنا؟"

اقترب خادم آخر.

نظر إلى الأطباق.

ثم قال:

"ربما الضيوف."

"لكن هذه المائدة لم تُقدّم بعد."

نظر الاثنان إلى بعضهما.

ثم إلى القاعة.

كان الجميع منشغلين بالأحاديث والرقص.

قال الخادم:

"ربما أخطأنا في الترتيب."

ثم بدأ بجمع الأطباق الفارغة.

وخلف المائدة...

كان نيرو مختبئًا تحتها.

كان جسده الصغير ملتصقًا بالأرض، وعيناه تراقبان أقدام الخدم من بين أطراف القماش الطويل.

كان لا يزال جائعًا.

وبمجرد أن ابتعد الخدم...

مد رأسه قليلًا.

نظر إلى مائدة أخرى.

كانت مليئة بالطعام.

اتسعت عيناه.

تحرك ببطء.

ثم خرج من تحت الطاولة.

لم يره أحد.

مرّ بين تنينين كانا يتحدثان.

ثم اختبأ خلف خادم يحمل صينية.

وعندما وصل إلى المائدة الأخرى...

بدأ يأكل.

قطعة بعد أخرى.

بسرعة.

وفي تلك اللحظة-

طَق!

سقط صحن على أرضية القاعة.

تحطم إلى عدة قطع.

توقفت بعض الأحاديث.

التفت الخدم بسرعة.

ركض أحدهم نحو المكان.

لكن عندما وصل...

لم يجد أحدًا.

كان الصحن محطّمًا على الأرض.

فقط.

نظر الخادم حوله.

"من كسر هذا؟"

لم يجبه أحد.

كان أقرب ضيف يقف على بعد عدة خطوات.

قال:

"لم ألمسه."

قال خادم آخر:

"ربما اصطدمت به إحدى العربات."

بدأوا بتنظيف المكان بسرعة.

جمعوا القطع.

مسحوا الأرض.

ثم عادوا إلى عملهم.

في مكان قريب...

كان نيرو يراقبهم من خلف ستارة طويلة.

انتظر حتى ابتعدوا.

ثم نظر إلى قطعة حلوى على طاولة قريبة.

تقدم.

مد مخالبه.

وأخذها.

لكنه عندما استدار-

اصطدم بذيل أحد الضيوف.

توقف التنين الكبير.

نظر خلفه.

لم يكن هناك أحد.

قطّب حاجبيه.

ثم عاد إلى حديثه.

أما نيرو فكان قد اختبأ خلف إحدى الأعمدة.

أكل الحلوى بسرعة.

ثم خرج من الجهة الأخرى.

مرّت بضع دقائق.

ثم حدثت مشكلة جديدة.

صينية كاملة من الكؤوس اهتزت.

لم يلمسها أحد.

لكن أحد الكؤوس تحرك ببطء نحو حافة الصينية.

ثم سقط.

طَن!

نظر الخادم إلى الصينية.

"ماذا يحدث الليلة؟"

أمسك بها بسرعة.

لكن قبل أن يستطيع التحرك-

تحرك كوب آخر.

ثم آخر.

طَق!

طَق!

صرخ الخادم:

"أمسكوا الصينية!"

جاء خادمان آخران.

ثبتوا الصينية.

نظروا حولهم.

لا شيء.

قال أحدهما:

"هل هناك تيار هواء؟"

نظر الآخر إلى النوافذ.

كانت مغلقة.

وفي الطرف الآخر من القاعة، كان نيرو يمر بسرعة بين أرجل الضيوف.

كان يحمل قطعة خبز كبيرة بين مخالبه.

اختبأ خلف مائدة.

ثم جلس هناك.

يمضغ بهدوء.

بدأ بعض الضيوف يلاحظون أن شيئًا غريبًا يحدث.

طاولة تتحرك قليلًا.

كأس يسقط.

ملعقة تختفي من مكانها.

قطعة فاكهة تتدحرج وحدها.

وفي إحدى اللحظات...

توقفت إحدى الأميرات عن الكلام.

نظرت إلى طبقها.

كانت قد وضعت فيه حبة فراولة قبل لحظات.

لكنها اختفت.

قالت:

"أين ذهبت؟"

نظرت إليها صديقتها.

"ماذا؟"

"الفراولة."

"ربما أكلتها."

هزت رأسها.

"لا."

ثم نظرت إلى الطبق.

"كنت أنظر إليها."

وفي اللحظة نفسها...

تحركت حبة فراولة أخرى فوق مائدة قريبة.

تحركت وحدها.

ببطء.

عدة سنتيمترات.

ثم توقفت.

لم يلاحظها أحد.

إلا خادم كان يمر بجانب المائدة.

توقف.

نظر إليها.

ثم رمش.

وعندما نظر مرة أخرى...

كانت قد اختفت.

بدأ الخدم يتبادلون النظرات.

أحدهم قال بصوت منخفض:

"هل لاحظت؟"

"ماذا؟"

"الأشياء."

"أي أشياء؟"

أشار إلى المائدة.

"الأطباق. الكؤوس. الطعام."

سكت الخادم الآخر.

ثم قال:

"لا تقل شيئًا."

"لماذا؟"

"لا أريد أن أكون الشخص الذي يخبر القصر أن هناك شبحًا في حفلة الملكة."

ابتلع الأول ريقه.

"أنا أيضًا."

وفي وسط القاعة...

استمرت فيليندرا في الرقص.

لم تكن قد لاحظت شيئًا.

لكن نيرو كان قد خرج من خلف إحدى الموائد.

كان يحمل قطعة كبيرة من اللحم.

مشى بين الضيوف.

ثم توقف.

أمامه كانت مائدة ضخمة أخرى.

فوقها عشرات الأطباق.

نظر إليها.

ثم إلى قطعة اللحم التي في مخالبه.

ثم أعاد النظر إلى المائدة.

كان واضحًا أنه اتخذ قرارًا.

اقترب.

مد مخالبه نحو أحد الأطباق.

سحبه قليلًا.

طَق.

تحرك الطبق.

ثم تحرك أكثر.

ثم-

تحطم!

هذه المرة كان الصوت أعلى بكثير.

التفتت القاعة كلها.

توقف العازفون للحظة.

توقفت الأحاديث.

حتى فيليندرا توقفت عن الحركة.

ساد الصمت.

كان طبق كبير محطّمًا على الأرض.

وبجانبه...

مائدة كاملة بدأت تهتز.

ثم تحركت بضع سنتيمترات.

نظر الجميع إليها.

قال أحد الخدم:

"ما هذا؟"

ثم تحرك كرسي.

صرير...

تراجع أحد الضيوف.

"هل رأيتم ذلك؟"

لم يجب أحد.

تحرك الكرسي مرة أخرى.

ثم سقطت ملعقة.

ثم طبق.

ثم كأس.

وبدأت الفوضى.

الخدم يركضون.

الضيوف ينظرون حولهم.

والأطباق تتساقط واحدًا تلو الآخر.

وفي وسط كل ذلك...

كان نيرو واقفًا خلف مائدة كبيرة.

يحمل قطعة حلوى بكلتا مخالبه.

وينظر إلى الجميع بصمت.

ثم أخذ قضمة أخرى.

لم تعد الفوضى في القاعة قابلة للتجاهل.

في البداية، حاول الجميع التعامل معها على أنها مجرد حوادث متفرقة.

لكن الحوادث لم تتوقف.

سقط كأس من فوق إحدى الموائد.

ثم آخر.

انزلق طبق كامل من مكانه، رغم أن أحدًا لم يقترب منه.

وتحرك كرسي وحده عدة أمتار قبل أن يصطدم بقدم أحد الضيوف.

بدأ الخدم يركضون من مكان إلى آخر.

كلما انتهى أحدهم من تنظيف شيء، حدث شيء آخر في الجهة المقابلة.

طَق!

تحطم صحن.

رررر...

انزلق كرسي فوق الرخام.

ثم سقطت ملعقة من فوق مائدة مرتفعة.

التفت أحد الخدم بسرعة.

"هناك شيء هنا!"

نظر حوله.

لم يجد شيئًا.

وفي اللحظة نفسها، مرت قطعة خبز من أمامه في الهواء.

توقف.

فتح فمه.

لكن قطعة الخبز اختفت خلف أحد الأعمدة.

صرخ:

"رأيتها!"

التفت الجميع إليه.

"ماذا رأيت؟"

أشار إلى العمود.

"شيئًا!"

اقترب خادمان بسرعة.

بحثا خلف العمود.

لا شيء.

قال أحد الضيوف ساخرًا:

"ربما بدأت تشرب أكثر مما ينبغي."

احمر وجه الخادم.

"أنا لم أشرب شيئًا."

وفجأة-

طَخ!

سقط طبق كبير خلفهم.

قفز الخادمان في مكانهما.

بدأ بعض الضيوف يضحكون.

لكن الضحك توقف عندما تحركت مائدة صغيرة وحدها.

تحركت ببطء.

ثم أسرعت.

اصطدمت بمائدة أخرى.

تساقطت الأطباق والكؤوس.

صرخ أحد الخدم:

"أمسكوها!"

ركض أربعة خدم نحوها.

لكن المائدة توقفت قبل أن يصلوا إليها.

ساد الصمت.

نظر الخدم إليها.

ثم إلى بعضهم.

وبعد لحظة...

تحركت من جديد.

ركضت بعيدًا عنهم.

"أمسكوها!"

بدأت القاعة كلها تتحول إلى فوضى.

تنانين تبتعد عن الموائد.

خدم يجمعون الأطباق.

آخرون يحاولون معرفة مصدر ما يحدث.

وبعض الضيوف صاروا يراقبون المكان بحذر.

أما فيليندرا...

فكانت تقف بهدوء بالقرب من منتصف القاعة.

نظرت حولها.

ثم لاحظت شيئًا.

قطعة لحم كانت تختفي من أحد الأطباق.

ثم قطعة أخرى.

ثم أخرى.

كانت تختفي واحدة تلو الأخرى.

بسرعة.

ضيقت فيليندرا عينيها.

تابعت حركة الطعام.

قطعة.

ثم قطعة.

ثم-

توقفت.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

لم تقل شيئًا.

فقط رفعت يدها قليلًا.

وأشارت بإصبعها نحو إحدى وصيفاتها.

كانت إليانا.

فهمت الإشارة فورًا.

اقتربت إليانا منها.

همست الملكة:

"لا تفعلي شيئًا بعد."

نظرت إليانا إليها باستغراب.

ثم تابعت النظر إلى المائدة.

كان شيء ما يتحرك خلفها.

لكن قبل أن تتمكن من رؤية ما هو...

صدر صوت هائل.

دواااام!

اهتزت القاعة.

كانت أكبر مائدة طعام في الحفلة قد تحركت.

انزلقت فوق أرضية الرخام.

ثم مالت إلى جانبها.

حاول ثلاثة خدم الإمساك بها.

لكنها كانت أثقل من أن يوقفوها.

سقطت المائدة.

دوااااااام!

تناثرت الأطباق والطعام في كل اتجاه.

تدحرجت الفاكهة فوق الأرض.

انسكبت الصلصات.

وتحطمت عشرات الصحون دفعة واحدة.

ساد صمت كامل.

كان الجميع ينظرون إلى المائدة المقلوبة.

ثم قال أحد الخدم:

"هل... انتهى الأمر؟"

تحرك شيء خلف المائدة.

تراجع الجميع.

ظهر أولًا قرن صغير.

ثم رأس أسود.

ثم وجه صغير مغطى ببقايا الطعام.

توقف التنين الصغير للحظة.

كان أسود الحراشف.

قرناه صغيران.

وجناحاه مطويان خلف ظهره.

وكانت مخالبه...

مغطاة بالطعام.

وفي يده قطعة خبز.

وفي الأخرى قطعة من اللحم.

وعلى وجهه بعض الكريمة.

نظر إلى عشرات التنانين الواقفة أمامه.

نظروا إليه.

لم يقل أحد شيئًا.

ثم سأل أحد الخدم بصوت مذهول:

"من... هذا؟"

ظل نيرو صامتًا.

نظر إلى قطعة اللحم في يده.

ثم أخذ منها قضمة صغيرة.

اتسعت عينا أحد الضيوف.

"إنه طفل!"

اقترب أحد الحراس.

لكن نيرو تراجع بسرعة.

نظر حوله بحثًا عن مكان يهرب إليه.

لم يجد.

كان محاصرًا.

اقترب الحارس منه.

لكن قبل أن يمسكه، تحركت فيليندرا.

رفعت يدها.

توقف الحارس.

نظرت الملكة إلى إليانا.

ثم غمزت لها.

فهمت إليانا فورًا.

تقدمت نحو نيرو.

انحنت أمامه قليلًا.

قالت بهدوء:

"تعال."

هز نيرو رأسه.

"لا."

"لن أؤذيك."

تراجع خطوة.

ثم نظر إلى الباب.

وقبل أن يحاول الركض...

أمسكته إليانا بسرعة من جلد رقبته من الخلف ورفعته عن الأرض.

ارتفعت قدماه في الهواء.

تجمد نيرو.

"اتركيني!"

قالت إليانا:

"لا."

بدأ نيرو يتحرك محاولًا الإفلات.

"أنا ما عملت شي!"

نظرت إليانا إلى القاعة المحطمة حولهما.

ثم إليه.

"طبعًا."

كان وجه نيرو لا يزال مغطى بالطعام.

رفعت إليانا حاجبها.

"ولا أكلت شيئًا أيضًا."

نظر نيرو إلى قطعة اللحم التي لا تزال في يده.

ثم أخفاها خلف ظهره.

نظرت إليه إليانا بصمت.

أما فيليندرا، فوضعت يدها أمام فمها حتى لا تضحك.

ثم أشارت لإليانا نحو الباب.

خرجت إليانا من القاعة وهي تحمل نيرو معها.

ظل نيرو يحاول النظر إلى الخلف.

كان الطعام لا يزال منتشرًا في كل مكان.

والخدم يركضون لتنظيف الفوضى.

والضيوف يتهامسون.

أما فيليندرا...

فعادت إلى مكانها بهدوء.

نظرت إلى الملك الذي كانت ترقص معه قبل دقائق.

ثم قالت:

"أعتذر."

نظر الملك إلى القاعة المدمرة.

ثم إلى الباب الذي اختفى خلفه نيرو.

وقال:

"أعتقد أن حفلتكِ أصبحت أكثر إثارة مما توقعت، مولاتي."

ابتسمت فيليندرا.

وفي الخارج...

كان نيرو لا يزال معلقًا من رقبته بين مخالبه.

وقال بضيق:

"كنت جوعان..." 🐉🥺

أغلقت إليانا باب القاعة خلفها.

كانت لا تزال تمسك نيرو من قفاه، بينما كان الصغير يحاول أن يحرر نفسه.

"اتركيني!"

قالت إليانا ببرود:

"سأتركك عندما تتوقف عن محاولة الهرب."

"أنا ما كنت عم حاول أهرب."

نظرت إليه.

كان يحمل قطعة اللحم التي أخذها معه من القاعة.

"حقًا؟"

نظر نيرو إلى القطعة في يده.

ثم أخفاها خلف ظهره.

لم تجب إليانا.

أكملت السير في الممر الطويل.

بعد أن ابتعدا عن القاعة، أنزلته أخيرًا على الأرض.

وقف نيرو أمامها بحذر.

كان شعره مبعثرًا، وحراشفه مغطاة بالغبار وبقايا الطعام.

قالت إليانا:

"ما اسمك؟"

"نيرو."

"من أي عائلة؟"

سكت.

"أين والداك؟"

لم يجب.

تغيرت ملامح إليانا قليلًا.

انحنت أمامه.

"نيرو."

رفع عينيه إليها.

"أين تعيش؟"

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.

ثم قال:

"ما عندي بيت."

توقفت إليانا.

"ماذا؟"

هز كتفيه.

"بنام وين ما لقيت مكان."

"ومن يعتني بك؟"

لم يجب.

فهمت إليانا الإجابة.

نظرت إلى التنين الصغير أمامها.

لم يكن يبدو كطفل ضيف ضل طريقه.

ملابسه كانت متسخة وقديمة.

حراشفه مليئة بالغبار.

وكانت مخالبه تحمل آثار أيام طويلة قضاها خارج مكان آمن.

قالت بهدوء:

"منذ متى وأنت وحدك؟"

خفض نيرو رأسه.

"ما بعرف."

سكتت إليانا.

ثم سألت:

"هل لديك عائلة؟"

هز رأسه.

"لا."

"أب؟"

هز رأسه.

"أم؟"

هز رأسه مرة أخرى.

لم تسأله إليانا المزيد.

كانت تعرف أن القصر لا يستطيع ببساطة ترك طفل في التاسعة من عمره يعود إلى الشوارع.

قالت:

"ستأتي معي."

رفع نيرو رأسه بسرعة.

"لوين؟"

"إلى دار الأطفال."

قطب حاجبيه.

"ما بدي."

"لم أقل إنك تستطيع اختيار المكان."

نظر إليها بضيق.

لكنها بدأت السير.

وبعد لحظات، تبعها.

كانت دار الأطفال تقع في مبنى منفصل عن القصر الملكي.

كان مبنى كبيرًا محاطًا بحديقة واسعة وسور منخفض، وقد أُنشئ خصيصًا لأطفال العاملين في القصر.

كان أطفال الطهاة.

والخدم.

والحراس.

والحرفيين.

يبقون هناك أثناء ساعات عمل أهلهم.

وحين وصلت إليانا إلى الباب، كانت أصوات الأطفال تُسمع من الداخل.

ضحكات.

ركض.

صوت ألعاب خشبية تتحرك فوق الأرض.

فتحت الباب.

دخل نيرو.

توقف.

كانت القاعة مختلفة تمامًا عن القصر.

لا ذهب.

لا رخام لامع.

لا ثريات ضخمة.

بل أرضية خشبية، وألعاب مبعثرة، ووسائد كبيرة، وطاولات صغيرة.

كانت هناك ملابس أطفال موضوعة فوق بعض الكراسي.

وصناديق ألعاب مفتوحة.

وكتب مقلوبة فوق الأرض.

وفي أحد الزوايا، كان هناك صندوق كامل من الكرات الخشبية وقد انقلب على جانبه.

كان المكان فوضويًا ومليئًا بالحركة.

نظر نيرو حوله.

لأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن المكان هادئًا.

ولم يكن عليه أن يختبئ.

اقتربت إحدى المربيات من إليانا.

كانت تنينة كبيرة ذات حراشف رمادية.

نظرت إلى نيرو.

ثم إلى إليانا.

"من هذا؟"

قالت إليانا:

"وجدته داخل حفلة الملكة."

رفعت المربية حاجبيها.

"داخل الحفلة؟"

أومأت إليانا.

"كان مختبئًا خلف أكبر مائدة طعام."

نظر نيرو إلى الأرض.

قالت إليانا:

"ليس لديه أهل."

تغيرت ملامح المربية.

اقتربت من نيرو.

جلست أمامه.

"ما اسمك؟"

قال:

"نيرو."

"وكم عمرك؟"

"تسع سنين."

نظرت إلى إليانا.

ثم عادت إلى نيرو.

"حسنًا يا نيرو."

أشارت إلى القاعة.

"يمكنك البقاء هنا."

رفع رأسه.

"هون؟"

"نعم."

نظر نيرو إلى الأطفال.

كان أحدهم يضحك وهو يحاول سحب لعبة من طفل آخر.

وفي الجهة الأخرى، كان طفل صغير نائمًا فوق وسادة كبيرة.

كان المكان صاخبًا.

فوضويًا.

لكن دافئًا.

نظرت إليانا إلى نيرو.

ثم قالت:

"ستحصل على سرير وطعام."

توقف نيرو عند كلمة طعام.

رفع عينيه إليها.

"كل يوم؟"

أجابته:

"كل يوم."

ظل ينظر إليها للحظة.

ثم دخل إلى القاعة ببطء.

مر بين الأطفال.

نظر إلى الألعاب.

ثم إلى الأسرّة الصغيرة الموجودة في الغرفة المجاورة.

لم يلمس شيئًا.

فقط كان ينظر.

قالت المربية لإليانا:

"سنهتم به."

أومأت إليانا.

ثم نظرت إلى نيرو مرة أخيرة.

كان قد جلس على الأرض وسط الفوضى، وبدأ ينظر إلى مجموعة من الألعاب أمامه.

لم يكن يعرف بعد كيف يتصرف في مكان لا يحتاج فيه إلى الاختباء.

قالت إليانا:

"سأعود لاحقًا."

رفع نيرو رأسه.

"رح ترجعي؟"

توقفت عند الباب.

ثم قالت:

"نعم."

أغلقت الباب خلفها.

وبقي نيرو في دار الأطفال.

وسط الضحكات.

والألعاب.

والفوضى.

ولأول مرة منذ سنوات...

كان هناك مكان ينتظره فيه سرير.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فيليندرا

المؤلف remanwrites
2026/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة