بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|03

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|03

63 0

ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة

قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات..

الفصل الثـالث : عمل/ 11 صفحة

تاريخ النشر: 04/07/2025

قـراءة ممتعة

_____________________________

"درس اليوم انتهى، لا تنسوا واجباتكم للحصة القادمة."

كان هذا صوت دكتورة الأحياء قبل خروجها من القاعة التي ضمت أكثر من 120 طالبًا. في تلك الأثناء، حزمت جومانة أغراضها: حاسوب محمول، مجموعة من الأوراق والدفاتر، وبعض الأقلام. وقفت وخرجت من القاعة، تتجه نحو ساحة الجامعة بالخارج، ترغب في تناول وجبة تعيد لها نشاطها؛ فمنذ الصباح لم يدخل معدتها الفارغة سوى بعض الماء.

"جمانة!"

هتفت لورين بصوت يملأه الإشراق، وهي تضم جومانة من الخلف بذراعيها المتشابكتين، وابتسامة عريضة تزيّن وجهها البشوش. تنهدت الأخرى بقلة حيلة على شقاوة البرازيلية؛ فحتى عمرها لم يمنعها من التصرف بحيوية بالغة. ورغم ذلك، كان الأمر مُبهجًا لجومانة، فابتسامة وسعادة نابعة من هذه الفتاة تضفي لمسة خاصة على يومها.

"ما الأمر الذي جعلكِ مبتهجة لهذه الدرجة، خاصة في يوم حار كهذا؟"

تحدثت جومانة بابتسامة، وهي تلتفت وتبعد لورين عن ظهرها لتفصل العناق. فالحرارة تكاد لا تُطاق بالفعل، ومن حسن حظها أن حجابها الفضفاض جعلها تنتعش قليلًا في خضم هذا الحر، مع أنه من المفترض أن يكون الجو دافئًا في بداية شهر أكتوبر.

"ماذا! وأنا التي ظننت بأنكِ ستسعدين مثلي لرؤية بعضنا."

نبست لورين بدرامية، وهي تَزُمُّ شفتيها بإحباط وتضم يديها لصدرها، وحواجبها المعقودة التي جعلت تعابير وجهها البهية قابلة لإضحاك المحجبة. ورغم ذلك، لم تتردد جومانة بعدها في سحب لورين من معصمها، تخرجها من عبوسها، وتأخذها نحو كافيتريا الجامعة بينما تقول:

"وإن لم أسعد برؤيتكِ يا فتاة، فبمن سأسعد؟!"

استُبدِل عبوس لورين أخيرًا بابتسامة راضية، بينما تتبع جومانة حيث تسحبها؛ فمعدتها هي الأخرى تزقزق من شدة الجوع ولا تطيق الانتظار أكثر.

••••

ضجيج السكان يملأ طرقات المدينة، أطفال يسيرون في مجموعات يرتدون ثيابًا رسمية خاصة بمدارسهم عائدين للديار، ومراهقون يركضون في الأرجاء يستمتعون باللحظة، متباهين بألواح التزلج والأحذية، يستعرضون مهاراتهم بحركات مدهشة تحت أشعة الشمس البرتقالية الممتزجة بالأصفر، معلنة عن موعد اقتراب الغروب. 

متجهتان سيرًا على الأقدام نحو السكن بينما تتبادلان أطراف الحديث حول كيف كان اليوم والدراسة.

"مهلاً لورين! ما رأيكِ أن ندخل لهنا قليلًا فقط؟ هنالك كتاب أحتاجه... أيمكننا إلقاء نظرة سريعة على المكتبة فلربما أجده؟"

فاهت جمانة بحماس بعدما لمحت مكتبة كبيرة وفخمة المنظر، لتشير لها بيد، وتهز باليد الأخرى ذراع لورين، راغبةً في الذهاب معها. ضحكت لورين على تعابير وجهها التي بدت لطفل صغير يطالب بحلواه، فوافقت؛ فقد علمت سابقًا بأن جومانة تعشق القراءة، ولكنها تخاف من هوسها هذا، فآخر مرة دخلتا فيها للمكتبة لم يخرجا منها إلا بعد ساعة كاملة، وبيدها كتاب واحد لم ينل استحسانها في الأخير.

"حسنًا، ولكن لن نتأخر كثيرًا."

نبست محذرةً جمانة، تُذكرها بأن هوسها هذا سيجعلهما يدخلان للمنزل في وقت متأخر. وبالطبع، جومانة لا تزال غريبة عن هذه المنطقة، لذلك عليها توخي الحذر في موضوع العودة المتأخرة.

دفعت جمانة باب المكتبة الزجاجي، بينما لحقتها لورين من الخلف. اتجهت تلك العاشقة للكتب نحو رفوفها، والسعادة تكاد لا تسعها؛ فهذا المكان من أجمل الأماكن لمحبي الكتب والروايات.

لتبدأ رحلتها بالبحث عن الكتاب الذي سمعت بأنه قد تمت ترجمته، ففي إسبانيا هنالك القليل من الكتب العربية، ولذلك تبحث عن النسخ المترجمة للإنجليزية.

"عن ماذا تبحثين؟!"

نبست لورين من خلف ظهر جمانة، مميلة رأسها، وإحدى حاجبيها مرفوع مع الكثير من الأسئلة في رأسها.

"أبحث عن كتاب الحياة الطيبة. إنه كتاب يتحدث عن الحياة السعيدة بالنسبة للإنسان حين يتمسك بدينه واعتقاده في ديننا الإسلامي، لقد تم ترجمته مؤخرًا."

قالت وهي لم تشح نظرها عن الكتب المصفوفة أمامها بينما تقرأ عنوان كل واحدة منها.

"أتقصدين هذا الكتاب؟!"

كان صوت فتاة صغيرة تقف خلف الشابتين تبدو في العاشرة من عمرها. التفتت كلٌّ من لورين وجومانة ناحيتها. اتسعت عيون جمانة حين وجدت هدفها، وهي على وشك الانقضاض عليه من شدة حماسها لولا الفتاة الصغيرة التي تقف أمامها.

حمحمت جمانة نافضةً أفكارها المجنونة والمضحكة، لتقرفص أمام الصغيرة تخاطبها ببشاشة:

"أشكركِ على هذا، إنه فعلًا ما كنت أبحث عنه."

أومأت الطفلة برضى، لتمد الكتاب ناحية جومانة، وتنصرف بعيدًا تحت نظرات الاثنتين. وقفت جومانة من مكانها ولحقت لورين التي كانت بالفعل تقترب من المحاسب لتدفع ثمن الكتاب، وتعودا معًا للمنزل؛ فقد تأخرتا كثيرًا.

••••

"أهنالك ما يزعجك مجددًا؟!"

سأل فيليب بنبرة التمس فيها اليأس على حال صاحبه قبل شريكه في العمل.

"أظنني أعلمتك أن تتخلص من هؤلاء الحثالة، قبل أن يقع أحدهم بين يدي!"

فاه إيفانو بعدما قام من أمام تلك الجثة الهامدة التي ملأ دمها وجهه وثيابه وكافة يديه.

"وطالما أنك لم تتكفل بالموضوع، سأنهي أنا ما بدأته."

كان شارد الذهن، يبدو وكأنه يحدق في الجثة، لكنه كان ضائعًا في الفراغ. كُحليتاه ازدادتا سوادًا وظلامًا، كما لو أن سحرهما انطفأ بعد كل مرة تمسك يداه بروح أحدهم فيرسلها إلى الجحيم.

سار ليتخطى صاحبه بخطوات ثابتة قاصدًا غرفته. فما جرى منذ لحظات كان في باحة منزله. انتقل بين أروقة المنزل بهدوء، يصعد الدرج ويدور بين الممرات ليصل لغرفته فيدخلها ويقفل الباب خلفه، ثم يتكئ عليه. ارتخى جسده على الباب لينزلق بهدوء نحو الأرض مع تنفسه الصعداء. كل شيء به صار يقوده إلى الهاوية: أفكاره، عواطفه، وحتى أحاسيسه.

جلس هناك لفترة يستجمع فيها شتات نفسه، ثم وقف مرة أخرى يكمل طريقه نحو خزانته، ينتقي بعض الثياب لعمله، ومن ثم نحو الحمام ليغتسل من الدماء التي حاوطته؛ علّ وعسى يُغسل كيانه أيضًا فيخلّص نفسه مما هو فيه. ارتدى بذلة سوداء من الرأس إلى أخمص القدمين، كما لو كان لا يزال يعزي نفسه على الفقدان، وعلى سلب روحه.

فتح باب غرفته بهدوء ليجد فيليب أمامه، وهوعلى وشك طرق الباب. ابتسم فيليب قليلًا، فاهتز داخله إذ بصاحبه يقول بعدها:

"أيمكننا أن نتحدث؟"

كانت كلماته معلقة في الهواء، مع أمل يرجو فيليب ألا يندثر وسط صمت مريب للغريب ومخيف للقريب. وما إن سمع فيليب موافقة إيفانو، شعر وكأن لا الأرض ولا السماء ستسعان فرحته، لكن ذلك لم يمنعه من البقاء هادئ المظهر.

"فيما بعد يا فيليب، لدينا اجتماع علينا حضوره الآن."

نبس إيفانو بينما يربت على كتف صديقه، ليرفع الآخر حاجبه باستغراب:

"أأنت ذاهب؟ أولم تقل بأن لديك حديث مع حفيدة ريغنر؟"

"قالت بأنها مشغولة هذه الفترة، لذلك قد تأجل الموعد."

هز الآخر رأسه بهدوء ليسيرا سوية خارج المنزل متجهين نحو السيارة، حيث جلس فيليب في مقعد السائق ليقود العربة، بينما الآخر اتخذ لنفسه مجلسًا بمحاذاة فيليب، يضع كوعه على حافة النافذة ويده على صدغه، يحدق في الطريق بصمت.

••••

وسط أروقة المبنى، كان الضجيج وأصوات خطوات الأقدام تعم المكان؛ إذ أن كل فرد في هذه الشركة يسارع في إنجاز العمل الذي كُلّف به، بينما فئة أخرى كانت تستعد لحضور الاجتماع الذي كان سيتم دون حضور إيفانو، ولكن يبدو بأن أمنية السكرتيرة لن تتحقق الليلة.

جالسة على أحد مقاعد الطاولة التي تتوسط قاعة الاجتماعات، تبتلع حبة من المسكنات رغبة في تهدئة بالها وتوقف ارتجاف يديها. لا تصدق أن الرجل الذي صلت طيلة الليلة الماضية ألا ترى وجهه هذا اليوم، تُفاجأ الآن بخبر قدومه مع فيليب عن طيب خاطر. والآن هي تخشى أن يرعبها أكثر مما هي فيه نفسيًا والآن هي تحاول أن تهدأ من ارتجاف يديها؛ فيبدو بأن مديرها سيجعلها تعاني مرضًا في القلب في عز شبابها.

شهقت بفزع تضع يدها اليمنى على صدرها، إثر دلوف موظف عليها يدعوها للحضور؛ فيبدو أن من تهابه قد جاء. وقفت من مكانها بينما تدعو في سرها أن تسير الأمور على خير ما يرام ككل مرة، ثم تخطو بثبات نحو مدخل الشركة لتستقبله وتستمر في إتمام عملها باحترافية. تسير بمحاذاته رفقة صاحبه بينما تحمل بأناملها لوحة إلكترونية تعلمه بجدول أعماله، وفي الجهة الأخرى كان يتجه نحو القاعة بينما يستمع لكلامها ويسجل ذلك في ذهنه بصمت.

جلس على رأس الطاولة، معلنًا بذلك بداية الاجتماع. تقدمت السكرتيرة ووضعت أمامه ملفًا يحمل بين طياته التصاميم التي عمل عليها مصممو الشركة. كانت تراقبه تارة وتارة أخرى تفعل المثل مع فيليب، تتوسله بحدقتيها فأعصابها ستتلف جراء الماكث أمامها؛ فهي لم تعد تحتمل.

"سيد دامبيير، هذه مجموعة الرسومات التي طلبتها."

نبست بينما تطأطئ رأسها، تستعد لأي ثورة غضب محتملة. همهم الآخر بينما يقلب صفحات المجلد، ليتنهد بعدها؛ فما يراه مشابه لتصاميم السنة الفائتة فيدعك ما بين حاجبيه بأنامل خشنة قائلًا:

"تمزحون معي، صحيح؟"

رفع نظره ووجّهه نحو من كانوا جالسين معه. الأمر يبدو وكأن هذه المهنة أصبحت مزحة بالنسبة لهم، أو أنها أصبحت مجرد هواية، وهذا ما لا يحبذه بتاتًا. قشعريرة سرت بأضلع الماكثين في المجلس، من بينهم سكرتيرته الشقراء، تشعر بضغط الهواء يزداد إثر حدة التوتر الذي ألحقه هو لا غيره.

ما إن أوشك إيفانو على فتح ثغره والإفصاح عن ما تبقى بحلقه من عتاب ومحاضرة لاذعة، حطت يد فيليب على ظهره، أعادته بذلك لرشده. نظر لفيليب بهدوء، وفي عينيه امتنان شديد؛ لا يعرف كيف يرد له جميله فقد بات التحكم في مشاعره صعبًا مع كل لحظة تمر.

"أعتقد بأن هذا التصميم جيد، يحتاج بعض التعديلات وسيغدو أفضل... ألا توافقني ذلك؟"

فاه فيليب مشيرًا لورقة بين أخواتها في المجلد، بها رسمة لأقراط مزخرفة بطريقة بسيطة أعطتها جمالًا ورونقًا.

"حسنًا إذًا..."

قال وهو يتفحص التصميم جيدًا، ليعيد الورقة لمحلها، ثم يقف من على الكرسي ويسير بخطى ثابتة خارج الغرفة، معلنًا بذلك انتهاء الاجتماع. ومعه فيليب الذي عدّل سترته جيدًا وأقفل زرها، يبتغي اللحاق بإيفانو كي تسمح له الفرصة بإمساكه وخوض النقاش الذي اتفقا عليه سابقًا.

••••

بينما لورين تشاهد أحد المسلسلات الكورية، كانت جومانة تعدّ إحدى الأكلات التي اشتهتها، فالغربة أثقلت قلبها. ورغم أنها كانت تدرس سابقًا بعيدًا عن أهلها في سنتيها الماضيتين بجامعة بلادها بمدينة أخرى، لكن الأمر مختلف الآن، حيث لو أرادت زيارتهم لبعض الوقت فلن تستطيع.

سمعت جومانة صوت صراخ لورين الذي يَنِمُّ عن السعادة، فقهقهت بخفة على حيوية هذه الفتاة؛ فلا يوم يمر إلا والبسمة تعلو ثغرها.

"جمانة، الحقيني! إنها أفضل لقطة."

ذهبت جومانة لترى ما تريده صديقتها، لتنصدم من المشهد الذي رأته، فتصيح وتغلق عينيها بكِلتا يديها.

"بحقكِ لولا، ما هذا العُتْه؟! أتريدين إصابتي بجلطة أم ماذا؟!"

رفعت الأخرى نظرها عن التلفاز لتجد الواقفة تغطي عينيها وتنوح بطريقة مضحكة، ما جعلها تنفجر ضحكًا وهي تؤشر عليها بسبابتها.

"ألم تقولي بأنكِ كنت تشاهدين المسلسلات أيضًا؟! ماذا حدث هاا؟!"

لترتمي على الأرض من شدة الضحك جراء انزلاق قدمها بعدما كانت على وشك الوقوف.

نبست جومانة مزيحة يديها عن مقلتيها، والعبوس لم يخلُ محياها؛ فالمشهد لا يزال عالقًا برأسها يأبى المغادرة.

"ولكنني كنت أتخطى هذه الأمور وأغض بصري عنها، لا أنظر إليها مثلما تفعلين أنتِ، وقد قلتها بفمكِ بأنني كنت أشاهدهم والآن لم أعد كذلك."

وبينما الأخرى تمسح مؤخرتها لتريحها قليلًا من الألم الذي أصابها إثر وقوعها، نظرت لصديقتها بابتسامة خبيثة لتقف بسرعة كبيرة وتقترب منها بطريقة أرعبت جومانة.

"حسنًا يا صغيرتي، لن أعيدها. ما رأيكِ همم؟"

نبست لورين وهي تقرص خدي جومانة وتتصرف كمن يريد مصالحة طفل صغير ويريد رضاه. تنهدت جومانة مبعدة يدي الأخرى عن خدها؛ فقد بدأت تشعر بالألم يوخِزُها.

"حسنًا، سامحتكِ هذه المـ..."

كانت ستكمل كلامها ولكن رائحة شيء يحترق اقتحمت مجرى تنفسها، لتصرخ منطلقة نحو المطبخ.

"يا إلهي، الشوربة!"

ولسوء حظها، كانت الطبخة قد احترقت بالفعل ولم تعد صالحة للأكل، ليرتخي كتفا جومانة حزنًا على مجهودها الذي ضاع ووجبتها التي لن تتلذذ طعمها.

"أنا حقًا آسفة، لم أقصد أن أحرق طبختكِ..."

كانت لورين تقف وراء كتف جومانة تمامًا، تشاهد كيف ذبلت تعابيرها. ضميرها يؤنبها لأنها كانت سببًا في احتراق الشوربة؛ فسابقًا لم تكن تشاهد مسلسلها على التلفاز وحسب، وإنما لمحت من مكانها كيف تحركت جومانة بشغف بين أحضان المطبخ تعد الشوربة، تعبر بذلك عن مدى اشتياقها لأرضها.

أفاقت من شرودها إثر قرصة مباغتة لتئن بينما تدلك بيدها على ذراعها مكان القرصة، لترفع رأسها بغية الحديث لتجد ابتسامة دافئة تعلو وجه رفيقتها.

"ليس عليكِ الاعتذار، إنه خطئي لأنني تركت نار الفرن مشتعلة بإهمال، ولكن..."

"إن كنتِ حقًا متأسفة فاطلبي لنا بيتزا."

تحدثت جومانة وهي تهز حاجبيها، وابتسامة عابثة استبدلت بتلك الدافئة سابقًا، لتنهي لورين جملة الأخرى، وبوجهها نفس التعابير، بينما هي متجهة نحو الهاتف:

"وبالحجم العائلي أيضًا."

أخذت لورين الهاتف بين أناملها، ودقت به على أقرب مطعم قريب يقدم الأكل الحلال لصديقتها وبعض العصائر، لتستمتع كلاهما بالوجبة التي وصلت بعد دقائق طويلة من الانتظار.

••••

ارتفع القمر بانسيابية بينما الشمس الحارقة تركت مسكنها للآخر ليحل محلها وتستريح قليلًا. ستعود غدًا لعملها الذي لطالما كان إنارة يوم الخلق ومداعبة أرواحهم كي تشرق معها وتعمل بجد واجتهاد. أما القمر فكان تهويدة لأصحابه النائمين؛ ففيه الملاذ والمأوى وسط سكون الليل بعيدًا عن صخب النهار.

طرق خافت على الباب كسر الصمت الذي يغلف الغرفة الباردة كالبطانية. كان إيفانو جالسًا على أريكة دافئة حين سمع الطرق. رفع رأسه ووضع الكتاب من بين يديه على طاولة زجاجية صغيرة تمكث قربه، ليقف من مكانه ويخطو نحو الباب يفتحه؛ فهو يعلم من قد يأتيه في هذه الساعة.

"لم تتناول عشاءك هذه المرة أيضًا، صحيح؟"

نبس فيليب بعدما دلف وأغلق الباب بنقرة خفيفة، بينما إيفانو عاد لمضجعه بالأريكة جالسًا يتبعه صاحبه بعد ذلك. فيليب يبلغ 32 عامًا، ذو شعر أشقر لامع وعيون زيتونية، مع ملامح حادة بالإضافة لبشرته البيضاء ولحيته الخافتة التي زينت ذقنه.

"لا شهية لي."

"إيفان، هذا مضر بصحتك."

صاح فيليب بعتاب بينما يشهد سكون ملامح الآخر، ليقول إيفانو بصوت هادئ، وبداخله عواصف ونيران ملتهبة تحرق أحشائه. عيناه مصوبتان على نفس الطاولة الزجاجية التي حط عليها كتابه قبل قدوم فيليب بشرود.

"الأمر ليس بيدي... أنا بالكاد أجابه الهلوسات التي تغزو عقلي، إنها تجعلني فاقدًا للرغبة في كل شيء."

"ولكن عليك ألا تيأس وتحارب يا إيفانو."

"أحارب... أتقول أحارب يأسي؟! فيليب، أنت أكثر شخص يعلم من أنا... أكثر شخص يعلم بأنه لولا ذلك الوعد لما زلت حيًا الآن، أنا لا أدري حتى إن كنت أفي به أم لا."

نهض من مكانه بغضب مكبوت، وألف فكرة وسؤال تتصادم ببعضها تزيد من تشوش ذهنه. ما فائدة بقائه حيًا وهو لم يتذوق سوى المرار؟ ما فائدة وعد جعل روحه تتعفن قبل جثمانه؟ كل هذا كان يتردد بشكل صارخ في أذنه، جاعلًا فكرة الموت أكثر إقناعًا وأهون من العيش في هذا العالم وكأن إبليس يزين له الخطيئة بعسل حلو بينما هي سم لاذع مميت.

بخطوات ثابتة سار نحو الشرفة مغادرًا الغرفة، ليلحقه فيليب خوفًا عليه من أن يفتعل مصيبة تودي به. تنهد بارتياح وارتخت كتفاه حين وجد إيفانو يتكئ على سور الشرفة الحديدي يتأمل سماء الليل الحالكة التي زينها ضوء القمر والنجوم.

"ستكون ليلة صعبة..."

تمتم تحت أنفاسه بينما يشاهد إيفانو يغرق في برودة الليل، ليستدير مبتعدًا عن حَيِّزِ صاحبه، يغادر الغرفة تاركًا إياه ليصفي ذهنه؛ فبالنظر إليه يبدو بأنه غاص عميقًا في بحر أفكاره وانتقل إلى عالم آخر بالفعل.

••••

"ألا تزالين سهرانة؟"

كان صوت لورين التي أطلّت من وراء الباب بعدما دقت وأذنت لها الأخرى بالدخول، الشيء الوحيد الذي قطع الصمت المحيط بجومانة. دخلت لورين وبيدها كأس ماء، ثم تقدمت نحو المكتب المضاء بمصباح صغير وناولت الكأس لجومانة الجالسة. حسب ما تراه لورين، حالة جومانة اليوم لم تعجبها بتاتًا؛ فملامحها المرهقة توحي بأنها في ضائقة وتحتاج للمساعدة.

كانت الساعة منتصف الليل، وجومانة لا تزال منهمكة في عملها على مجموعة من الأوراق المتناثرة على مكتبها الخشبي الصغير، والتي كانت تضم العديد من المصطلحات العلمية النفسية.

"أجل، آسفة إن كنت قد سببت لكِ إزعاجًا."

قالت جومانة بابتسامة يكسوها التعب بدا واضحًا على وجهها؛ فهي تعمل منذ ساعات طويلة على مقالها الجامعي ولم تنتهِ من كتابته بعد. وإن لم تفعل ذلك، فلن تتمكن من تقديمه لأستاذ المادة.

تنهدت لورين وربتت على كتف جومانة التي كانت تشرب الماء. كانت أذناها قد التقطتا همسات من جومانة بلغتها الأم وهي تبسمل. لم تستغرب لورين هذه المرة كما فعلت في المرة الأولى؛ فقد علمتها جومانة سابقًا أنها تسمي الله قبل البدء في أي شيء كي يبارك فيه.

"حبيبتي، نامي الآن وحين تستيقظين أنهي ما تبقى، فأنتِ بالفعل تستيقظين فجرًا."

"لا أستطيع، المقال طويل بالفعل وأحتاج لتعديل الكثير من المستندات كما أنني لم أراجع المصادر بعد."

"حسنًا، كما تريدين."

لفظت لورين كلماتها الأخيرة بقلة حيلة، ثم غادرت الغرفة بهدوء متجهة إلى غرفتها، بينما صلت في سرها أن يسقط هذا الأستاذ على ظهره إن لم يمنح رفيقتها علامة ممتازة.

مرت الساعات كخيط مطاطي يزداد طولًا وجومانة تجاهد النوم محاولة إنهاء مقالها بسرعة؛ فهي في الأساس تنام لبضع ساعات، ويبدو أنها الليلة على وشك أن تُحرم منه كليًا، هذا إن كانت لا تريد التأخر عن جامعتها.

وما هي إلا بضع دقائق حتى أنهت عملها، لتخرج من شرودها إثر سماعها لأذان الفجر الصادر من هاتفها الموضوع بجانب أوراقها المبعثرة على المكتب. نهضت من مكانها واتجهت نحو الحمام لتتوضأ؛ فقد حان وقت الصلاة. صلت فرضها ودعت الله أن يوفقها في حياتها دائمًا وأبدًا:

"اللهم اجعل حياتي نورًا على نور بهدايتك يا رب العالمين، ولا تحرمني من لذّة طاعتك."

نطقت حروفها بيقين وإيمان كبيرين، تعلم بأن ربّها علّام الغيوب وميسر الأقدار، سيسهل لها طريقها في هذه الدنيا وينجيها من كل شر وانتكاسة فتعود إليه وحده.

أخفضت يديها لتتكور على نفسها كالجنين، مستلقية على سجادة صلاتها، تطالب ببعض النوم والراحة؛ فلم يتبقَ سوى سويعات قليلة وتعود المدينة للازدهار والنشاط، وتتجه هي نحو الجامعة لتبدأ يومًا آخر جديدًا في مدريد.

_______________________________

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي

المؤلف naiirouz_
2025/06/26 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة