ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.
وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات..
الفصل السـابع: الإسلام / 13 صفحة
تاريخ النشر: 30/07/2025
قـراءة ممتعة
_____________________________
ترتدي حجابا واسعا فضفاض أسود مع إسدال يناقضه في اللون، الأبيض والأسود أسياد الألوان، ومعا يشكلان ثنائيا لهما قصة استثنائية، بالإضافة لقفازات يديها السوداء أيضا، لتتخلى بذلك عن مستحضرات التجميل والعطور لغيرها؛ فما تريده هو رضا الله وجمال ذاتها لا جسدها..
نزلت الدرج نحو الطابق الأرضي بينما تحمل بيدها حقيبتها تضع بها كتاب الله، قارورة ماء، هاتف وبعض المال المتواجد بالمحفظة. حملت معطفها الأبيض ومظلتها متجهة نحو الجامع القريب من السكن.
تغلق الباب خلفها بعدما أن أخذت كل ما يلزمها وأعلمت لورين سابقا بمغادرتها، فهي حاليا ليست هنا لأنها كما قالت سابقا ذاهبة للتزلج مع الفتيات وربما تقضي وقتها في الركض بالخارج كما تفعل عادة.
أخذت تسير تحت قطرات المطر ومظلتها تسترها من البلل، تسمح لساقيها بالاتجاه صَوبَ بيت من بيوت الله كي تصلي مع الناس، مع أمتها، أمة محمد عليه الصلاة والسلام، كما تريد التعرف أكثر على إخوانها من نفس الفِطرة.
تلك الفكرة جعلت روحها تنتعش وتزهر ورودا لها أشكال وأنواع من العواطف بداخلها، وقشعريرة سارت على عمودها الفقري من لذة الشعور.
سابقا لم تستطع الذهاب وذلك حفاظا على سلامتها، ومحاولتها في التعود على محيط جديد مثل خاصة مدريد، ولكنها لن تنكر بأنها قد اشتاقت لصوت الآذان الذي كانت تسمعه من نافذة غرفتها، منذ نعومة أظافرها حت لهذه اللحظة تعودت على أن تخطو سوى بضعة أمتار قليلة وتدخل باب المسجد كي تلتقي بصديقاتها في الحلقات القرآنية، أو لصلاة الجمعة والعيد.
استمرت في السير لفترة وما إن رفعت رأسها وجت مبتغاها، لتبتسم بوسع وتطلع زفيرا لم تكن تعلم أنه كان محبوسا بصدرها. منظر الناس وهم يسارعون نحو المسجد للإقبال على صلاة الجماعة، لتوحيد الله وشكره على نعمه.
لوهلة تغلغل شعور التوتر والقلق محياها فقد عادت أخيرا لواقعها وتذكرت؛ هي لا تعرف أية جهة عليها أن تسلكها كي تدلف لمصلى النساء، والمؤسف أيضا أن مصلى النساء ليس في مرمى عينيها ولا يظهر على أن هنالك مدخل غير خاصة الرجال من مكانها. وهنا ابتلعت ريقها قليلا وتشجعت؛ ستسأل أحد المارّة علّ أحدهم يساعدها.
اقتربت بتردد من شاب طويل كانت يرتدي عباءة ذات لون مشابهة للون مظلتها؛ زرقاء داكنة كسماء الفجر، ولا تعلم إن كان هذا حسن حضن أم سوء حظ، فالرجل كان يسير لوحده عكس الباقين يمشون في جماعات.
حاولت أن تسرع نحو دون أن تبدو شخصا غريب الأطوار، فالبقاء واقفة في مكانها جعلها تلفت أنظار بعض المارّة دون قصد، وحياءها لن ينفعها هنا إن لم تحسم قرارها بسرعة وتتخذ خطوة في حق نفسها.
"السلام عليكم"
نطقت كلماتها وهي تقف خلف الشاب مخفضة رأسها قليلا تغض بذلك بصرها عنه وتاركة مسافة جيدة بينهما، إنها تحاول التقاط أنفاسها المسلوبة جرّاء التوتر.
"وعليكم السلام ورحمة الله، أهنالك شيء؟!"
نبس الشاب بعدما التفت لها ليترك مسافة أكثر من سابقتها تفصل بينهما، كما غض بصره هو الآخر عنها ليستمع لشكواها هو الذي نادته عن غيره.
" أعذرني، أردت فقط أن أعرف أين يتواجد مصلى النساء؛ فأنا لم أعثر عليه. هل يمكنك أن تدلني عليه إن كنت لا تمانع؟ "
قالت ونبرة صوتها تكاد تختفي من شدة الإحراج، ولكنها لم تستسلم وكافحت لرفع صوتها لكي يكون مسموعا للذي أمامها على الأقل.
أومأ برأسه بهدوء ليستدير ويتجه نحو الجهة المعاكسة لمصلى الرجال الذي كان مراده.
" اتبعيني.."
سمعته يلقي بأمره عليها بينما يخطو بثبات يبتعد عنها لتلحقه تسري خلفه والمسافة لا تزال محافظة عليها، كما تريد أيضا الوصول بسرعة والهرب من الموقف.
لم يلبث الأمر سوى بضع خطوات لتلمح النساء يدخلن إلى المسجد من إحدى الأبواب لتبتسم براحة.
" يمكنك الذهاب إنه في ذلك الاتجاه "
نبس بصوت ثابت يملأه اليقين والثقة وكأنه ترعرع بين أركان هذا المسجد ويحفظ كل ركن فيه. لتشكره وتسرع بأقدامها صوبَ المُصلى.
"اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق"
دعت بينما تضع أولى خطواتها بالمسجد تشعر بالسلام والسكينة تلتف حولها كحضن دافئ وهي ترى النساء يصطففن ويستمعن لخطبة الشيخ.
أدت تحية المسجد والتي هي عبارة عن صلاة ركعتين دخول المسجد لا أكثر تدعو فيها أن يوفقها الله مثل كل يوم.
جلست بجانب امرأة كبيرة تبلغ من العمر الخمسون عاما، ابتسامتها تلك التي ألقتها عليها حين فرشت سجادة الصلاة بجانبها، ووضعت حقيبتها أيضا جعلتها. المشاعر التي بداخلها تستيقظ وتعيدها لذكرياتها وهي بأرضها.
" التوبة: هي الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وهي واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين ربه تعالى فلها ثلاثة شروط:
الأول: الإقلاع عن المعصية، وعلامته مفارقة الذنب فورا.
الثاني: الندم على فعلها، وعلامته طول الحزن على ما فات لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الندم توبة)[أحمد، صحيح الجامع:6802]
الثالث: العزم على أن لا يعود إلى معصية أبدا، وعلامته التدارك لما فات وإصلاح ما يأتي، فإن كان الماضي تفريطا في عبادة قضاها، أو مظلمة أداها، أو خطيئة لا توجب غرامة، حزن إذ تعاطاها.
فإن فقد أحد الشروط الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي زاد شرط رابع وهو: أن تبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه إن كان موجودا أو رد بدله عند تلفه من قيمة أو مثل، وإن كان حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها إن كان عاقلا حليما يغلب على الظن أنه إذا جاءه أخوه المسلم نادما تائبا عفا عنه وسامحه، وإلا فليستغفر له. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم:8]. "
تستمع لخطبة الجمعة التي كانت تتناول موضوعا حول التوبة، صوت الشيخ يعلو وهو يشرح الكثير عنها وهي لا تنفك عن تذكر أيام مراهقتها، كيف استفاقت من غفلتها، وكيف هي الآن تجاهد ملذات الدنيا؛ سعيا لمرضات الله والفوز بالجنة.
انهمرت الدموع من عين جمانة بصمت، لتخفض رأسها وما إن كانت ستمسح أثر الدموع، شعرت بملمس بشرة تخص أمة غيرها. رفعت رأسها والتقت عيناها الزجاجية بالدموع بخاصة المرأة والبسمة أبت ترك ثغرها وإضاءة محياها. أخذت المرأة تمسح على ظهر جمانة بلطف وتهدئها ولكن في الأخير فلتت شهقة صغيرة من ثغر الجزائرية، فالمشاعر كانت جياشة للغاية وصَعُبَ عليها كبحها.
بعد فترة ليست بطويلة أذّن الآذان الثاني معلنا بدأ صلاة الجماعة. التفتت جمانة بجذعها للمرأة قليلا وأومأت لها بهدوء تشكرها بلطف على معروفها، لتقف مع النساء الأخريات لأداء صلاة المفروضة.
" السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله"
رددت مع الشيخ الذي يصلي بهم لترفع يديها تدعو الله أن يشفع لها عن أغلاطها بهذه الدنيا، وأن لا تذوق عذاب يوم القيامة وأن تكون من أصحاب الجنة.
ما إن انتهت حتى شعرت بأحدهم يحدق بها لترفع رأسها وتجدها نفس المرأة التي تبعث هالة من السلام بحضورها.
ربتت على ظهرها مرة أخرى لتنبس أخيرا:
" ما بال هذه العيون حزينة؟! "
تنهدت الأخرى تشعر بالارتباك فلأول مرة تسمع أحدهم يشير لها بهذه الطريقة:
" الخوف من أن لا يقبل الله توبتنا وأن نرتكب أخطاءً شنيعة تجعل خالق هذا الكون يغضب علينا "
قالت جمانة ما كان في خلدها بلحظة ضعف، تريد أن تفرغه بأية مكان لتستطيع إكمال الحياة للغد.
" تيقني بأن الخالق هو الرحمان الرحيم، يغفر لعباده ما تأخر من ذنبهم وما تقدم إن تابوا عنها "
هزت رأسها قليلا توافقها الرأي، فهي توقن بذلك وبشدة لترمي بعبارة والبسمة خافتة على محياها:
" معك حق، ولكن دوما التقوى تغلب الفتوى. "
اتسعت عيون المرأة قليلا، كان ذلك ردة فعل على طريقة حديث جمانة، لتسأل المرأة والفرح يملأها وكأنها لا تزال بعِزِّ شبابها:
" أأنت جديدة بالإسلام؟! "
لكن الأخرى نفت سؤالها وكسرت توقعاتها بقولها:
" ولدت بين أحضانه "
تهللت أسارير المرأة، فقلة قليلة تلتقي بهم مسلمون بالفطرة، من نعومة أظافرهم. سحبتها نحوها لتحتضنها بمودة، من ثم تبتعد عن جمانة قائلة:
" ما رأيك أن تصبحي رفيقة لهذه العجوز. "
ابتسمت الأخرى بخجل، لتومئ برأسها بعدها وتعرفها بنفسها:
" أنا جمانة، تشرفت بمعرفتك. "
" وأنا سارة، يسروني لقائك والتعرف عليك. "
التفتت المرأة تجمع أغراضها لتفعل الصغرى المثل، من ثم تسيران معا تقتربان من باب المصلى بغية للخروج.
" إذا، من أين أنت؟ فلغتك العربية متقنة بشكل رهيب. "
نبست الخالة سارة، لتبتسم جمانة على سؤالها مجيبة على السؤال:
" من الجزائر الحبيبة. "
" يا إلهي أنا مع حفيدة الثوار والشجعان. "
ضحكت على كلماتها باستحياء تتذكر أرضها، أرض الشهداء والـ132 من الكفاح ضد المحتل...
" أوه، ابني هنا. "
حين سمعت جمانة كلمات الخالة سارة تشنجت عضلاتها وأخفضت بصرها، وما زاد مفاجئتها بأنها سمعت صوت شاب مألوف.
" تأخرتِ كثيرا يا أماه، قلقت عليك كثيرا. "
" أتظنني لا أقوى على البقاء خارج المنزل كثيرا بمفردي أيها الشاب! "
فاهت سارة تذكر ابنها بأن ليست عجوزا لتلك الدرجة، فهي تمشي وتقضي أمورها كل يوم بصحة جيدة والحمد لله، كما أنها كبيرة وتعرف مصلحتها ولكن ابنها له رأي آخر فأمه تبقى قرة عينه.
" ليس كذلك، ما قصدته هو إني أخاف عليك من السوء. "
" الحمد لله لم يحدث شيء كما أن..."
توفقت الخالة سارة في منتصف حديثها مع ابنها زين حين أدارت رأسها قليلا ولاحظت جمانة بعيدة عنهما بمسافة لا بأس بها وغاضة بصرها.
ابتسمت الخالة على أخلاق الفتاة لتخطو نحوها فتمسك بيدها بلطف بينما تتحدث إلى ابنها الذي يبعدهم بخطوات.
"كما أنني حصلت على صديقة جديدة، لذلك أطلت في مكوثي بالمصلى."
لمح زين نفس الفتاة التي ساعدها ليتفاجأ من تصرفات أمه، أيقن بأن وراء كل تصرفات أمه دوما قصة. والقصة هذه جميلة بدأت بقدر كُتبَ بأول خلق خلقه الله ألا وهو القلم.
"هيا عزيزتي، دعينا نوصلك لمنزلك فالجو بارد بالفعل."
قالت الخالة بنبرة حانية بينما تسير خارج المسجد مع جمانة بعدما تقدم زين أمامهما يمشي بهدوء يتركهما براحتهما.
" لا شكرا خالتي، لا تتعبي نفسك من فضلك. أنا أحب أجواء الشتاء وأريد العودة سيرا، كما أنني أرتدي ثيابا دافئة لذلك لا داعي للقلق."
تنهدت الخالة ونبست حين تأكدت بأنها لن تستطيع إقناع التي أمامها لتبتسم وفكرة قد أضاءت بذهنها.
" حسنا سأتركك ولكن بشرط "
يا إلهي، هي لا تنفك من تنفيذ شروط الناس اليوم؛ فأولا لورين والآن الخالة سارة التي أمامها، ومن سيكون بعدهما ها؟
" وما هو؟ "
سألت جمانة بتردد لتنظر لسارة بهدوء بينما تنتظر اجابة الخالة:
" عديني أن تأتي لزيارتي لاحقا حينما تتفرغين، سأعطيكِ العنوان. "
دهشت من كلام الخالة، كانت في الأول تريد الرفض والتحجج بالدراسة، ولكنها بالأخير بعد صراع داخلي لم ترد تخييب ظن الخالة فوافقت. كما أنه لا بأس بذلك فمنذ فترة تمنت لو تستطيع الحديث مع أحد عن نفس اهتماماتها، وهذه فرصة لا تعوض، لتمسك بالورقة المكتوب عليها العنوان وترحل بعدها بهدوء.
" سلمي على أرض الشهداء "
قالت الخالة سارة لجمانة التي قد وضعت مظلتها على كتفها بالفعل لتقي نفسها من المطر، فسابقا كانت كلتاهما تقفان تحت أسقف الجامع الخارجية بالإضافة لزين. والآن هي تبتعد عن مرمى أعينهم. اقترب زين من والدته وربت على كتفها بهدوء ليسأل والحيرة غلفت نبرة صوته بينما يشاهد الشابة تغادر.
" أرض الشهداء؟! "
رفعت سارة رأسها لتبتسم لفلذة كبدها بلطف من ثم تحتضنه، فتجيبه على سؤاله:
" إنها الجزائر يا بني. "
.
.
وفي جهة أخرى كانت تسير جمانة بهدوء على طول الرصيف والشرود باد على تقاسيم وجهها.
" أمي لما ترتدي تلك الفتاة هكذا؟ "
" لا أعلم فقط لا تهتم "
الحوار الذي دار بين الأم وابنها الصغير أعاد جمانة لواقعها لترفع رأسها قليلا بعفوية، فوجدت بأن الطفل ذو الست سنوات يحدق بها بفضول يريد رؤية ملامحها جيدا. ابتسمت قليلا حين رأته يجاهد لفعل ذلك خفية دون أن تلاحظه والدته لتبعد المظلة قليلا عن هيئتها وتلوح له قليلا مع ابتسامة لطيفة. وفي هذه اللحظة تورد خدي الطفل من السعادة لأنه أخيرا شعر بالنصر ورآها.
كانا كل من الأم والطفل يسيران بنفس اتجاهها ولكن ما فصل بينهما هو طريق السيارات وقد استمر الطفل على هذا الحال؛ يحدق فيها كلما سمحت له الفرصة بينما الأحرى تبتسم كلما فعل ذلك. تصرفاته تذكرها بشقيقتها الصغرى وهذا جعلها تريد رؤيته عن كثب واللعب معه قليلا، ولكن هذا ليس وقت اللعب. لذلك لوحت له بالأخير تودعه واستدارت عند إحدى المنعطفات ودخلت للشقة.
" السلام عليكم."
حيّت أهل المنزل ومن فيه بالرغم من أنه فارغ بالنسبة للناس العاديين، بينما نحن المسلمون فديننا الإسلام قد أخبرنا بأننا لسنا الوحيدين الذين يعيشون على هذه الأرض ويعبدون الخالق، لذلك هذه التحية كانت تحية سلام وبها حمت نفسها من أذى الشيطان ومنكره، فمن يعمل عملها سيجتنب أيضا منكر الشيطان.
وضعت معطفها في المعلقة التي كانت تقف خلف الباب، وخلعت حذائها وأعادته هو أيضا بمكانه المخصص بالأدراج، وأما مظلتها فقد كان هنالك دلو صغير مخصص له لكي يَجِفَّ به ولا ينسكب الماء بكل مكان فتصبح الأرض في حالة من الفوضى.
صعدت لغرفتها لتضع حقيبتها وتخلع حجابها عنها لترتدي ملابس نوم مريحة بعدها، قميص واسع باللون الرمادي و سروال فضفاض يطابقه في اللون مع جوارب طويلة سوداء، من ثم تربط شعرها النحاسي المموج على شكل كعكة فوضوية وتعود أدراجها للطابق السفلي بخطوات هادئة كانت مسموعة في جميع أرجاء السكن.
أخذت تعد بعضا من الشاي في المطبخ بغية تدفئة جسدها، فهي تكاد لا تقوى على تحمل برد مدريد، وللمرة الألف هي تسحب كلامها حين قالت لأهلها بأن الشتاء هنا كشتاء الجزائر. عطست بغتة لتحمد الله وتعبس بعدها فها هي أولى أعراض الزكام بادية عليها.
جلست على وسادة عملاقة كانت قريبة من الحائط الزجاجي المتواجد بغرفة المعيشة والذي يطل على حديقة صغيرة للمنزل. تخطي نفسها ببطانية دافئة بينما كوب الشاي بيدها ترتشف منه القليل، لتضحك على نفسها بعدما تبادر في ذهنها شيء؛ هي تتصرف كشخصيات الأفلام وقد كانت على وشك الانغماس في الأمر.
ندفات الثلج تتساقط واحدة، واحدة، على الأرض المبللة لتتراكم على السطح مشكلة بساطا أبيض. تحدث في ذلك المنظر وكأنها أول مرة تراه ولا تنفك منه.
لطالما أحبت الثلج كثيرا فقد هطل مرة واحدة في صغرها بالمنطقة التي عاشت بها وذلك في السنة التي ولدت بها أختها الصغرى لتتذكر أخواتها وأهلها، فقد كانت الإبنة الثانية وعلاقتها مع أخواتها كعلاقة أي عربي مع أخيه شجار وخصام وقصف جبهات، ضحك ومزاح ومقالب وغيرها. تنهدت قليلا لترفع رأسها ناحية الغيوم البادية عن على الزجاج لتنبس وسط هدوء الذي يكسو لاكن عكس الضجيج الذي بداخلها:
"ألن أجد نهاية لقصتي."
تشعر بالضيق والضياع بالرغم من بُهْتِ ذكريات الماضي إلى أنها تترك أثرا على القلب. بالرغم من أنها تصالحت مع نفسها وقررت ترك الماضي إلى أنه أحيانا يعود ويلمسها في أوقات فراغها، وفي أوقات خلوتها.
لتنفض ما ببالها الآن وتنهض من مكانها تضع كوب الشاي على المائدة الزجاجية التي أمام الأريكة وتسحب البطانية معها لأعلى تريد النوم. تريد التخلي عن الترهات التي يذكرها بها قلبها، بأنه يريد أن يعيش قصة تجعله ينبض بقوة ويجد هدفا آخر لنبضه في الحياة غير عبادة الله.
" توقفي جمانة، توقفي. هذه وساوس من الشيطان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
تعوذت من الشيطان واستلقت على السرير تنام لبعض الوقت، فالليلة ستكون ليلة طويلة بالنسبة لها ولورين بعيدة عنها فهي ستعود للسكن في وقت متأخر.
___________________________
يتبع...
naiirouz_