بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|05

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|05

49 0

ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات.

الفصل الثـالث : مجلـد/ 16 صفحة

تاريخ النشر: 16/07/2025

قـراءة ممتعة

_____________________________

في منتصف الليل:

تبكي بحرقة مُغْرِقَة رأسها بحضن الوسادة حزينة على مشروعها الذي ضاع من بين يديها بعد جهد طويل وتعب في تحضيره، ولم تستطع أيضا أن تقنع الأستاذ بإعطائها مهلة يوم على الأقل لإعادة كتابة واحد جديد. تشعر بالخنقة ،الضيق والضياع، وكأنها ستنفجر بأية لحظة. تريد أن تصفع ذلك الأستاذ على شرّه الذي لم تسلم منه منذ مجيئها لإسبانيا؛ فهو لطالما كان ولا زال يمقتها بسبب ثوبها وطريقة حديثها الهادئة.

ففي إحدى المرات أخبرها وأمام طلاب فصلها أن تغير طريقة لبسها ومبتغاه إحراجها لكنها رفضت بأدب وقالت بأنها 'حريتها الشخصية' كما يسمونها هم عن طريقة لبسهم وطباعهم. أما هي ففي أعماقها تعلم بأنه فرض من الله تعالى وعلى جميع نساء المسلمين ومحرّم عليها أن تنزعه لغير محرمها وخارج بيتها.

أجهشت بالبكاء وجسدها يهتز من شدة الانفعال، تتذكر ما حدث لها وكيف أهانها أمام أساتذتها في مكتب الأساتذة فمعظمهم يحبونها، ولكنهم لا يزالون يشعرون بالخوف والتردد تجاهها بسبب الشائعات التي لا أصل لها من الصحة حول دينها وأنّها تُعَدُّ إرهابية، وذلك لم يخفى عليها ذلك. وبالرغم من كل ذلك أرادت أن تصلح سوء الفهم الذي يدور بينهم وتُنكِر الفكرة الخاطئة المنقولة عنها وعن جميع أمة محمد، ليأتيَ هذا الأستاذ الغبي ويحطم كل شيء ويحطمها أيضا.

ارتفعت عن سريرها لتجلس على حافته مقابلة للباب لتمسح دموع عينيها عن خدها بخشونة وقوة هاتفة بغصة:

" أقسم لك أيها العفريت لن تفلت من يدي ولا من يدي الله وسأدعو عليك أن تذوق نفس الطعم المر الذي أذقتني منه وأكثر حتى، ولن تجد لنفسك مهربا منه، وأنا عند وعدي والله لا يرد عبده، صدقني ستندم."

وقفت من مضجعها واكتافها منخفضة إثر الحزن الذي اكتسح كيانها، لتسير بخطوات ضعيفة خافتة نحو خزانتها فتخرج منها طقم صلاتها وسجادتها كي تصلي والدموع أبت مفارقة عينيها وكأنها تشاركها في الصلاة والدعاء وتشتكي معها همها لله.

" يا ربُ ارحمني برحمتك، واغفر لي بمغفرتك، واجعلني من عبادك الصالحي. يا ربُّ إنّ صدري يضيق بما يقولون فأوسع عليه برحمتك، وأخرج لي من كُربَتي خيرا تدمع منه عيني فرحا، ولا تَكِلنِي لنفسي طرفة عين."

ترفع يديها وهي تدعو الله أن يخلصها من الشعور المَقيتِ الذي يأكل قلبها فهي لا تستطيع تحمله، لتنسدل على السجادة ببطء كليلة أمس فتنظر من النافذة التي ينبعث منها ضوء القمر الخافت والستائر البيضاء الشفافة ترتفع بانسيابية بفعل نسيم الهواء، ليرتخي جسدها شيئا فشيئا وتغلق جفونها فتغط في نوم عميق.

••••

وقف من على أرضية شرفته الباردة ليعود أدراجه نحو الملف يريد قراءته. روحه تدفعه لفتح ذلك الملف ومعرفة ما بداخله، وهو لا يعلم بأنه سيكون الرابط بينه وبين فتاة التقاها بالصدفة، أو ربما هي دعوته المستجابة أتته لتريحه من هموم الدنيا، هي نوره، مستقبله كله، وأمانه الذي لم يكتشفه بعد. مستقبل مليء بالحـب والعطش رغبة في الارتواء ينتظره، ستتغير حياة رجل عاش الظلم أخيرا وسيتخلص من عزلته بعد هذا اللقاء.

جلس على حافة سريره بعدما أخرج الملف من درج منضدة السرير الصغيرة القابع فوقها مصباح صغير، وضوء القمر ينعكس على جدران الغرفة فيزيد من سكونها وبرودها. قلب الصفحة الأولى ليتصفحها وما شد انتباهه خط يدها كان جميلا كما لون كانت دوما تتدرب على تحسينه فيغدو جميلا هكذا.

'Jumana Al Farah'

اسمها مكتوب بنفط الخط المموج يجذب انتباهه أكثر، تعجب مما تراه عيناه فاسمها كان شيئا لم يسمع مثله سابقا، ليبتسم بخفة حين تبادرت في ذهنه ذِكراها وظهورها المفاجئ هكذا أمامه وقد أيقن بأن الاسم يليق بها فعلا، فهي اسم على مُسَمَّى.

قلب الصفحة مرة أخرى ليبدأ في قراءة بعض ما قامت هي بالعمل عليه، يريد معرفة ما الذي يحمله بجعبته هذا المقال لينغمس فيه ويترك نفسه يروي عطشه بكمية المعلومات الجديدة التي يتلقاها دفعة واحدة.

"اللامفرداتية (Alexithymia) هي حالة نفسية تتميز بصعوبة في التعرف على المشاعر والتعبير عنها. الأشخاص الذين يعانون من اللامفرداتية يجدون صعوبة في تحديد مشاعرهم ووصفها، سواء لأنفسهم أو للآخرين. قد يجدون أيضًا صعوبة في التمييز بين المشاعر والأحاسيس الجسدية. "

شعر بالغرابة وهو يقرأ هذا المقال، أهنالك فعلا مثل هذا المرض؟! ليقلب الصفحات ينتقل بين الفقرات يبحث عن إجابة أكثر إقناعا قد تشبع جوع فضوله المتزايد.

" أعراض اللامفرداتية:

صعوبة تحديد ووصف المشاعر:

قد يجد الشخص صعوبة في تحديد ما يشعر به، أو قد يصف مشاعره بطريقة غامضة أو غير دقيقة.

صعوبة التمييز بين المشاعر والأحاسيس الجسدية:

قد يخلط الشخص بين المشاعر والأحاسيس الجسدية مثل الجوع أو التعب.

محدودية الخيال العاطفي:

قد يجد الشخص صعوبة في التفكير في المشاعر أو تخيلها.

التفكير الخارجي والتركيز على التفاصيل:

قد يركز الشخص على التفاصيل الخارجية بدلاً من المشاعر الداخلية.

صعوبة في العلاقات الاجتماعية:

قد تؤثر اللامفرداتية على القدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية بسبب صعوبة فهم مشاعر الآخرين والتعبير"

عدَّل من جلسته ليصعد على السري بشكل كلي ويسند رأسه على عمود السرير ويحاول استيعاب الكلمات التي يبصرها عقله وقلبه، لتقع عيناه على إحدى العبارات التي جعلته يشرده مرة أخرى ككل المرات السابقة.

"لا يعد (Alexithymia) اضطرابا نفسيا، وفق الاحصائيات الطبية، بل يصنف من الأعراض المصاحبة أو الناتجة عن اضطرابات نفسية مثل الفصام العقلي أو ما يعرف بـ"الشيزوفرانيا" (Schizophrenia)، والاكتئاب، أو كرب ما بعد الصدمة"

" كربة ما بعد الصدمة ها؟"

نبس بصوت خافت بارد وهو يمرر إبهامه على تلك الكلمات، ليتنهد ويضع الملف على الطاولة الصغيرة التي بجانب السرير ليرتمي على السرير وينام.

•••• 

الساعة 03:00 صباحا:

تستيقظ ببطء تشعر بالبرد يغلف عظامها بالإضافة للتشنجات لترفع رأسها وتجد نفسها قد نائم على سجادتها بالأرض مرة أخرى. نهضت برفق بينما صوت طقطقة خفيفة تصدر من مفاصلها المتشنجة، لتتجه بعدها نحو الحمام فتتوضأ وتصلي الفجر وتقرأ وِردا من القرآن.

أنصحكم ألّا يكلمها أحد في هذه الفترة، فهي هادئة وسترفض الانخراط مع أية أحد حتى لو كان عزيزا على قلبها، تنغلق على نفسها يشكل لا يصدق. وبذلك لن تخرج أية كلمة من فاهها إلا بعد أن تمر نوبتها فقد تستمر ليومين أو ثلاثة. بعد انتهائها من ترتيل القرآن وضعت المصحف على مكتبها لتلمح الكتاب الذي اشترته مع لورين منذ فترة ولم تقرأه بعد، لتحمله بين يديها وتتخذ قرارها، ستبدأ قراءته اليوم علّها تنسى أحداث الأمس ولو قليلا.

مرت ساعات لتسمع صوت لورين وهي تناديها من الطابق السفلي، لتضع الكتاب في مكانه السابق على المكتب وتغير ثيابها لفستان طويل بأكمام تصل للمرفقين بلون الخريف ورسومات أوراق شجر الخريف ذات اللون البرتقالي المتداخل بالأصفر، لتمشط شعرها أمام مرآة مستديرة صغيرة ملتصقة بالحائط على شكل جديلة من كِلَا الجهتين. وضعت المشط بدرج منضدة التجميل خاصتها، لتغادر الغرفة بهدوء فتنزل الدرج متجهة بذلك نحو المطبخ. تعد فطورا فرنسيا اعتادت على فعله دوما ببلدها؛ فبالرغم من استقلال الجزائر، إلا أن تركت أشياء بداخل الشعب لا يمكن لأحد تغييرها.

بسكويت مع فنجان من الحليب هذا ما كانت تفضله دائما إن قررت تناول الإفطار فهي تتخطاه غالبا.

"صباح الخير جمانة."

"صباح الخير."

ردت جمانة على لورين بنبرة هادئة بينما تنظر لداخل الثلاجة تبحث عن الحليب إن كان هنالك القليل أم أنه نفذ.

" أأنت بخير؟!"

سألت لورين وعلى ملامحها قلق تخشى اظهاره للأخرى، قلقة هي على حالة جمانة فقد سمعت من أحد الطلاب بأن الأستاذ رفض إعطائها مهلة لإعادة كتابة مقال آخر، وقد رأت ما يحدث جمانة سابقا حين تغضب أو تحزن تلتزم الصمت ولا تُكَلّم أحدا إلا بعد أن ترتخي أعصابها تماما وتنسى الأمر.

"لا تقلقي أنا بخير، فترة وستمر."

تنهدت لورين بحسرة من إجابة جمانة لتفكر في حل عله يساعدها لإخراج الجزائرية من اكتئابها هذا.

"اليوم عطلة ما رأيك أن نذهب للمنتزه ونتسكع قليلا؟"

قالت لورين بهدوء بعدما خطرت ببالها هذه الفكرة من العدم، ترجو بداخلها أن تستطيع أن تقبل جمانة اقتراحها كي تغير لها مزاجها بهذه النزهة، ولكن يبدو بأن محاولتها باءت بالفشل حين سمعت رفض جمانة:

"أسفة لا أستطيع، أريد إنهاء بعض المهام اليوم."

والمهام التي كانت تقصدها جمانة لم تكن سوى ذلك الكتاب الذي جعلها تستطيع الحديث قليلا مع لورين، تشعر بضباب الحزن ينقشع عنها شيئا فشيئا بعد كل ما فعله بها ذلك الأستاذ العجوز.

" حسنا كما تريدين."

خرجت لورين من المنزل بعد الحديث الذي دار بينهما للركض قليلا والحيرة لا تزال قائمة بذهنها، تفكر في على حال القابعة في المنزل. وفي هذه الأثناء كانت جمانة تضع كوب الحليب وبعضا من الكعك على مائدة غرفة المعيشة، لتتناول فطورها وتقرأ الكتاب بهدوء وتغوص في عالم آخر بعيدا عن الغير.

ومن جهة أخرى على الساعة 06:00 صباحا:

استيقظ من فراشه على صوت الحمامة التي التقطها بالأمس، ليرتفع عن السرير ويتكأً على عموده فينظر للتي ترفرف بجناحيها داخل قفصها ويتجه ناحية الحمَّام يقوم استعدادا لبدأ يوم جديد في العمل.

بدلة سوداء من الرأس إلى القدمين وتسريحة شعر جذابة ليلتفت للحمامة التي لا تزال ترفرف بجناحيها وتطير داخل القفص العملاق الموضوع بالقرب من الشرفة تنظر. راقب الحمامة بهدوء تنفخ ريشها لتجلس على أحد الأخشاب تتناول من علبة الطعام التي أمامها. ليزفر أنفاسه قليلا ويتجه خارج الغرفة لبدأ العمل.

••••

جالسة تقرأ كتابها والكثير من الأسئلة تدور برأسها، تدون ملاحظات على الكتاب وتضع أسطرا على النصوص وتلون أخرى بقلم ملاحظاتها بالزهري، الأخضر والبرتقالي وغيرها من الألوان على الأمور التي عليها تذكرها، وقد كانت مستمتعة بفعل ذلكن تشعر بالسعادة والامتنان لأنها اختلت بنفسها واتخذت خطو جميلة في حق نفسها جعلت من مزاجها العكر يتغير، لتتجهم فجأة قائلة:

"آخ لما لم أختر تخصص علوم الشريعة الإسلامية من قبل."

نفت برأسها بهدوء تتذكر جمال اختصاصها وكم تعبت لكي تصل لهذه النقطة.

" لا هذا اعتراض على قدر قد كتبه الله لنا، كما أنني أحب اختصاصي أيضا."

ابتسمت بخفة بينما تتفوه بكلماتها الأخيرة بهمس شديد وسعادة خالصة، تلف خصلات من شعرها النحاسي الذي فقد لمعانه منذ زمن بين أصابعها تعود للغوص في عالم نسجه لها الكتاب، لتنهض بعد فترة عن الأريكة تضع الكتاب عليها وتأخذ فنجان الحليب الفارغ وطبق البسكويت للمطبخ تقوم بتنظيفهما وتعود بسرعة لإكمال القراءة.

وفي مكتب مغلق بابه لشركة تصميم المجوهرات، كان إيفانو يعمل كما يفعل دوما؛ يوقع على مجموعة من الملفات والأوراق التي تحتاج موافقته، ليسمع طرقا على الباب.

"تفضل."

"سيدي، لقد اكتمل التصميم."

"أحضريه."

أحضرت السكرتيرة التصميم الذي كان سببا في نوبات الخوف والرعب التي تصيبها هذه الأيام، لتضع العلبة الحمراء أمامه وتبتعد بضع خطوات وتخفض رأسها لتغطي خصلاتها الشقراء عينيها الزرقاء المرتجفة وبشرتها البيضاء الشاحبة.

مد يده ليفتح العلبة الحمراء بهدوء ليجد بداخلها أقراد متوسطة الطول بها أحجار الزمرد الأخضر والكثير من قطع الألماس الصغيرة المحيطة بالحجر. ابتسم قليلا يشعر بالرضى عن تقدم طاقم عمله وقيامهم بمجهود سيجعل من هذه الأقراط الأكثر مبيعا.

"يمكنك الانصراف."

فاه للتي تقف أمام مكتبه لتهز رأسها برسمية والفرحة بداخلها لا تسعها تشعر بالانتعاش وكأن الأرض لا تسعها، تريد الصراخ من السعادة ولكنها تكتم نفسها أمام هذا البارد، لتستدي وتسير برزانة. وحين أغلقت الباب صارت ترقص وتركض بالمكان، لتصطدم فجأة بأحدهم. أغمت عينيها كرد فعل لا إرادي وانتظر جسدها تلقي الضربة كاحتمال وارد بعد الاصطدام، ولكن شعورها بذراع كبيرة تحيط خاصرتها جعلها تتشبث بالسترة لترفع رأسها بعد أن حطت قدميها على الأرض بشكل صحيح.

"أأنت بخير أنسة أنجيلا؟!"

نبس فيليب وملامحه تكسوها بعض القلق والحذر للتي تتوسط ذراعه، لتتورد خدي الشقراء قليلا وتبتعد عنه مجيبة :

" أجل أنا بخير."

رمشت قليلا دلالة على توترها، لتلقي عليه ابتسامة اِحترافية أتقنتها طوال مسيرتها المهنية، ليومئ الآخر لها ويعدل سترته من التجاعيد التي أصابها بعد شدّ أنجيل سابقا.

"حسنا إذا، انتبهي لنفسك."

قال في الأخير وهو يلوح بيده، ليخطو نحو مكتب الذي كانت عنده منذ فترة. نظرت أنجل لظهر فيليب وهو يغادر لتزفر ما كان محبوسا برئتيها، فتعود للركض مرة أخرى وقلبها يدق بسرعة هذه المرة مع احمرار على وجنتيها من الموقف الذي أوقعت نفسها به.

••••

دخلت لورين المنزل بعد ساعات من البقاء في الخارج، فهي من الصباح لم تعد للمنزل فقد طرأت عليها بعض الأعمال ووجب عليها اتمامها حالا، أخذت تنادي على جمانة بعدما أغلقت باب السكن.

"جمانة، أين أنتِ؟"

تساءلت لورين وهي تحوم بالمنزل، تارة بالمطبخ وتارة أخرى بغرفة المعيشة لتتذكر بأنها ستكون متواجدة في غرفتها. صعدت الدرج بخطوات هادئة لتقترب من غرفة جمانة، والتي كانت على جهة اليمين من الممر بينما خاصتها على جهة اليسار، وما إن أوشكت على طرق باب غرفة المحجبة حتى اقشعر بدنها للشعور الذي داهمها. سكينة كانت أم رحمة؟! هي فقط موقنة بأن ترتيل جمانة للقرآن كان السبب في الذي لامس قلبها منذ لحظة.

استفاقت من شرودها والصراع الداخلي الذي قام فجأة بداخلها جرّاء بعد اختفاء الصوت من التردد، لتكمل ما جاءت للقيام به من البداية.

"جمانة، هل تسمحين؟"

نبست لورين وهي تطل برأسها من الباب بعدما طرقته، لتبتسم جمانة بخفة لتناديها عليها كي تجلس معها على سجادة الصلاة، لتتقدم لورين نحو جمانة وتجلس بجانبها ومن ثم تضع رأسها على حجر جمانة ، لتبتسم الأخرى وتمسح على شعرها بهدوء.

"هل جمانة خاصتي بخير؟"

" أخبرتكِ فعلا بأنني بخير، ولا يوجد شيء يزعجني."

كانت جمانة تتحدث والابتسامة تعلو وجهها؛ تتأمل ملامح المستلقية بحجرها.

"أنا أسفة فعلا على ما حدث ذلك اليوم، فقط لو لم أكن كسولة لكنت قد..."

" لا بأس لولا فلا اعتراض على مشيئة الله والقدر الذي كُتِب لنا، فحتى لو عدنا لنفس المكان والزمان سيحدث نفس الشيء، وقد يكون هنالك حكمة من كل ما حدث، لذلك لا داعي للتفكير بالأمر."

قالت لتوجه نظرها للنافذة التي تطل منها أشعة الشمس وصوت زقزقة العصافير الذي يعطي المكان بهاء وسكينة.

" قد يكون هنالك سبب لضياع مشروعي في ذلك الصباح... "

نبست بهمس سمعته الأخرى، تتذكر ذلك الشاب الذي اصطدمت به وما رأته من وجهه سوى شعره الأسود وعيونه السوداء الحادة مع ندبة تحت عينه اليسرى والتي جعلت جسدها يقشعر لكن ليس خوفا، وإنما شعور آخر... شعور أحبته لسبب مجهول، لتبتسم بخفة وتستمر في التربيت ومداعبة شعر لورين البلاتيني بينما الأخرى تخبرها عما قامت به اليوم بالخارج في غيابها.

••••

يقود سيارة فيراري السوداء خاصته متجه ناحية أحد حلبات السباق يشعر بالضيق كلما فكر بتلك الفتاة المحجبة التي اصطدمت به منذ ليلتين. يريد قربها وفي الوقت نفسه يرفض البحث عنها، يعلم بأنه لن يجنِيَ سوى المصائب، هو لا تربطه أية بها فلما سيبحث عنها؟ لذلك ترك الأمور تسير على حالها.

نزل من سيارته لينظر باتجاه الشباب الذي يشجعون المتسابقين في مضمار السباق ويهتفون بقوة، لم يكن هنالك الكثير منهم سوى مجموعة من الشباب والمراهقين الذين من الواضح بأن عائلاتهم من الطبقة الراقية.

كان ينظر لحلبة السباق من بعيد يشاهد سباقا بين سيارة من نوع BMW بيضاء اللون وبين دراجة نارية من نوع Moto GP سوداء. كان يراقبهم باهتمام وكأنه شخص من ضمنهم ورفيقهم ولكن صوت أحدهم وهو يربت على كتفه أيقظه من تأمله.

"أهلا أهلا بالسيد إيفانو."

تحدثت شابة بمقتبل العمر تبدو في الـ22 من عمرها. ذات شعر أسود طويل مربوط على شكل ذيل حصان، وعيون خضراء كخضرة الغابات مع ابتسامة حادة على محياها.

"ألم أحذركِ من لمسي بدون اهتمام."

لترفع يديها عنه للسماء كمن يقدم نفسه للشرطة لتنبس بسخرية.

"على رسلك يا رجل، لم آت للشجار."

" إذا!"

رمى كلامه وهو لم يُزِحْ مقلتاه عن ذلك السباق الذي انتهى بفوز صاحب الدراجة النارية والذي اتضح بأنها امرأة تبدوا في الـ27 عاما، ليتجه نحو المدرج يجلس على أحد مقاعده البعيدة عن مضمار السباق يستمع لكلام التي تبعته وتجلس بجانبه.

"أنت تعلم بأن جدي يريد اِستغلال علاقتنا ليقوم بالرفع من مقام العشيرة صحيح؟"

تحدثت وهي تشير لنفسها وله بكلامها ليتذكر الآخر الرسالة التي أوصلها له فيليب والتي كانت تحمل عقد الهدنة المتفق عليه، والضمان الوحيد هو الزواج من حفيدة ريغنر الجالسة بجانبه على المدرج الآن.

"فقط قولي ما تريدينه أنسة ريغنر، قمتِ بتأجيل الاجتماع سابقا والآن ماذا؟"

نطق بينما يخرج من جيب بذلته ولَّاعة وسيجارة فاخرة يضعها بين شفتيه يشعلها فيستنشق من سمها القليل ويعود لإخراجه من رئتيه، ليخبئ الولاعة في مكانها وتبقى السيجارة مرة بين أنامل يده ومرة بين شفتيه.

"أنتظرك بعد أسبوع في المطعم المعتاد، فالمكان هنا ليس ملائما لمثل هذه المواضيع أنت تعلم."

رمت تلك الأنسة كلماتها برزانة لتقف من مكانها بعدما كانت جالسة بجانبه واتجهت بعيدا عن ناظريه.

سروال وسترة يكسوهما السواد مصنوعان من الجلد وحذاء ذو كعب عال باللون البني الداكن، تركب دراجتها النارية لتضع خوذتها تنطلق بسرعة تاركة إيفانو والغبار المتناثر خلفها.

بقي إيفانو بمكانه يفكر بما قالته له حول موضوع الزواج. رجل مثله لم يفكر يوما في فعل ذلك ولو مجرد تخيل، لتقتحم أفكاره لهُنَيْهَة تلك العيون التي التقى بها وجعلته مسحورا يشرد في غير ماضيه، لأول مرة يستسلم هكذا وبسهولة يرتخي جسده لمجرد موقف بسيط وعابر، يشعر بالغرابة من هذه المشاعر التي لم تحوم بشرايينه فهو لم يألفها قبل. نفض الأفكار المتضاربة عن ذهنه ليرفع رأسه بعدما كان منحيا يفكر ويفكر، فيشاهد سباقا آخر لم يبدأ سوى منذ بضع دقائق.

••••

" هذا... هذا رائع فعلا، الأقراط تزداد الطلبية عليها، يريد العديد من الزبائن الحصول عليها!."

نبست أنجيلا وعيونها مفتوحة على مصراعيهما. نظرة الدهشة لم تمحى عن وجهها بعد تحدق في أسهم المبيعات، فلم تمض سوى بضعة أيام على عرض تصميمهم الجديد بالأسواق.

"وماذا ظننتِ يا أنسة!"

ارتجف قلبها لمجرد سماعها نبرة صوته. كان يمشي ناحيتها ويديه بجيوبه وتلك النظرة الحادة الفخورة بعينيه جعلتها تذوب حرفيا.

إنه عكس شخصية صاحبه دامبيير، هذا ما كانت تقوله دائما حينما تراهما معا وهي لم تخطأ. انعقد لسانها ولم تعلم ما الذي عليها قوله، لتسمعه يكمل حديثه:

"بالرغم من شخصية السيد إيفانو إلا أنه يطمح إلى جعل الشركة أكثر ازدهارا ورقيا."

لتهز الأخرى رأسها موافقة على رأيه:

'قلت إزدهارا ورُقيًا إذا! وهذا على حساب حياتنا أليس كذلك؟! يا لهذا الشخص العظيم.'

صاحت داخلها بهذه الكلمات تسُب سيد عملها تدعو عليه أن يسقط في مكان لا رجعة له منه، ولا تعلم بأن صلواتها اِسْتُجَابَت ووقع في مكان لن ينجيه أحد منه ولا حتى هو. 

_______________________________

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي

المؤلف naiirouz_
2025/06/26 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة